ترجمة محمد زعل السلوم: نساءٌ يحترقن: الشعر بين المنفى والاعتراف

في ملحق الشعر لجريدة لوموند ديبلوماتيك، كتبت مارينا دا سيلفا مقالة بعنوان “Femmes qui brûlent” (نساء يحترقن)، حيث جمعت بين شاعرتين تفصل بينهما قارة وزمن، ولكن يجمعهما الجرح والاحتراق: إلسه لاسكر-شولر الألمانية، وآن سكستون الأميركية. تأملتُ المقالة بعمق، ووجدت أن توازي التجربتين يفتح بابًا واسعًا للنقاش، خصوصًا فيما يتعلّق بمفارقات المنفى والسياق السياسي.

إلسه لاسكر-شولر (Else Lasker-Schüler) 

ولدت عام 1869 في ألمانيا، وصارت من أبرز وجوه الطليعة التعبيرية. كانت لغتها الشعرية حرة، متدفقة، تمزج الموسيقى بالصورة والخيال، وتتمرّد على القوالب الكلاسيكية. في ديوانها قصائد الحب بدا أن الحب عندها ليس عاطفة شخصية، بل رؤية كونية تنفتح على الغيب والدين والأسطورة.

غير أن حياتها انقلبت رأسًا على عقب مع صعود النازية. كيهودية، وجدت نفسها مطاردة، فهربت أولًا إلى سويسرا، ثم استقرّت في القدس في ثلاثينيات القرن الماضي. هناك عاشت فقيرة، أقامت صالونًا أدبيًا صغيرًا، وكتبت ديوانها الأخير البيانو الأزرق (1943).

وهنا يبرز التناقض: لاسكر-شولر كانت ضحية عنف عنصري وإبادة محتملة، لكنها في هروبها وجدت ملجأً في فلسطين، في لحظة تاريخية كانت الهجرات اليهودية تتقاطع مع مشروع استعماري–استيطاني على حساب الفلسطينيين. لم تكن سياسية ولا ناشطة، بل شاعرة تبحث عن مأوى، لكن لا يمكن عزل تجربتها عن هذا السياق. إنها مأساة الإنسان الممزق: ضحية في مكان، وجزء من مأساة أخرى في مكان ثانٍ، من دون قصد مباشر.

آن سكستون (Anne Sexton) 

على الضفة الأخرى من الأطلسي، وُلدت آن سكستون سنة 1928. كانت صوتًا بارزًا فيما سُمّي بـ “الشعر الاعترافي”، وهو تيار شعري جعل من التجربة الشخصية موضوعًا للقصيدة، فصار الشعر مرآة للألم النفسي والجسدي.

سكستون كتبت عن المرض العقلي، الجسد، الجنس، الدين، الموت، بل وحتى الانتحار. فازت بجائزة بوليتزر عام 1967 عن كتابها عِش أو مُت (Live or Die). لكن مسيرتها انتهت بانتحارها عام 1974.

قصائدها المتأخرة مثل كتاب “الجنون والتجديف نحو الله” ليست مجرد نصوص شعرية، بل صرخات وجودية، توازن بين الرغبة في النجاة والاستسلام لجاذبية العدم.

نساء يحترقن: 

ما يجمع بين لاسكر-شولر وسكستون هو الاحتراق:

  • الأولى احترقت بنار المنفى والاضطهاد والحرمان.
  • الثانية احترقت بلهيب الداخل، في مواجهة نفسها وجسدها وأعماقها المظلمة.

لكن شعرهما معًا يُظهر كيف أن الكلمة قد تكون خلاصًا ومقاومة، حتى حين تفشل في إنقاذ الجسد. قصيدتهما تظل شاهدًا على قدرة المرأة على تحويل الألم إلى خطاب جمالي يهز القارئ ويفتح أفقًا جديدًا للفهم.

التناقض والقراءة النقدية:

لا يمكننا اليوم أن نقرأ لاسكر-شولر من دون أن نضع في الحسبان أن استقرارها في القدس تم في سياق استيطاني. لكنها أيضًا لم تكن «مستوطِنة» بالمعنى السياسي أو العسكري، بل لاجئة هاربة من الموت.

هذا التناقض لا يُلغي قيمتها الشعرية، ولكنه يذكّرنا بأن الأدب لا ينفصل عن التاريخ. يمكن للشاعر أن يكون عظيمًا في النص، وأن يعيش في واقع ملتبس أو ظالم في الوقت نفسه.

بين “البيانو الأزرق” للاسكر-شولر و”التجديف نحو الله” لسكستون، نسمع أصداء احتراق نساء لم يجدن مكانًا آمنًا في العالم، ولكنهن وجدن في الشعر وسيلة للبقاء. الشعر هنا ليس ترفًا جماليًا، بل شهادة وجود، مقاومة للعدم، ونافذة مفتوحة على التناقض الإنساني بأبعاده كلها.

المصدر: مقالة “Femmes qui brûlent” بقلم مارينا دا سيلفا، لوموند ديبلوماتيك (ملحق الشعر، 2025).

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply