المرجع الوحيد، عن صورة العرب في عيون الإيرانيين هو، كتاب “عربية في إيران” للكاتبة السورية ندى الأزهري، الذي صدر عن دار الساقي. وهو عبارة عن يوميات كتبتها صحافية وناقدة سينمائية ذات شغف خاص بالسينما الإيرانية، خلال مرافقة زوجها الدبلوماسي الفرنسي، الذي عمل في طهران ما بين 2006 و2010. ورغم أن غالبية الإيرانيين الذين التقت بهم، تعاملوا معها كفرنسية، إلا أنها سجلت ملاحظاتها كعربية سورية من وسط مسلم، يعود إلى مدينة حمص، على صلة بالثقافة، فوالدها مالك أول جريدة في المدينة، أغلقها البعثيون عندما وصلوا للحكم.
هناك كم كبير من الصور النمطية الدارجة لدى الإيرانيين عن العرب، كما لدى الشعوب الأخرى، والعكس صحيح، حيث يحتفظ العرب بقدر هائل من المحكيات عن غيرهم. ولا تستثني الصور مسبقة الصنع جانبا، بل تتناول كل ما يخص الآخرين، في الماضي والحاضر، من الدين، إلى الأصل، والحضارة، والعادات، والتقاليد، والطعام، واللغة، والحكم، ومستوى الجمال والذكاء والشجاعة.
أسلوب متعارف عليه في توسل التميز والاختلاف، ولكنها وسيلة للتقليل من قيمة الآخرين، تذهب في بعض الأحيان إلى الحط منهم كبشر، من خلال نعتهم بأوصاف سيئة، ونسب بعض التصرفات والأخلاقيات غير اللائقة لهم. وهذا أمر لا يخلو منه الكتاب، حينما تتحدث أغلبية الإيرانيين عن العرب والمسلمين بفوقية، وعن جهل، وعداوة تصل إلى حد الكراهية، والعنصرية البدائية الجارحة.
الكتاب يحمل قدرا فائقا من الحب والتقدير لهذا البلد وأهله وحضارته، ويظهر أن الكاتبة بذلت جهدا كبيرا لكي تفهم الشعب الإيراني وعاداته وتقاليده، ولذا سافرت في أغلب المدن وعادت بحصيلة ثرية وجميلة، ومن أجل تجنب العموميات، تقول “لا يمكن الحديث عن سلوك عام للإيرانيين، أسرد ما رأيته وسمعته وما صادفني ولفت انتباهي”، ولذا فضلت أن تحكي عن تجارب معيشية، تروي واقع الناس، كما سجلت ملاحظات التقطتها من شوارع طهران أثناء السفر في المحافظات، ومحادثات مع مثقفين وناس عاديين، ولقاءات في الأسواق وسيارات الأجرة وفي الريف وحفلات المجتمع المرفه. والملاحظة المهمة هنا هي أن هؤلاء الإيرانيين لا نعرف أي شيء عنهم، كما أن هذا الجهل متبادل بينهم وبين جيرانهم من العرب.
أول الانطباعات تتولد من لقاء شخصين غاية في اللطف، تعرف لاحقا أنهما من أكراد إيران، ويلفت انتباهها تهذيب سائق سيارة الأجرة وتحفظه، وهي صفة عامة يرافقها لا مبالاة بالأجنبي في البلد، مناقضة تماما للحرارة العربية في التعبير، وأن الإيرانيين لا يستخدمون العربية إلا لقراءة القرآن والصلاة، والصيام في الظاهر فقط، وبالتالي فإن إيران لا تشبه بلدا عربيا ولا غربيا.
تلمس منذ اليوم الأول أن العلاقة بين العرب والفرس شديدة التعقيد، ويتعمق هذا الشعور يوميا حتى يبلغ في العام الثاني لإقامتها مرحلة اليأس من إمكانية التعايش بينهما، لأن درجة سواء الفهم بين الطرفين عن بعضهما، أكبر من أي أمل بعد كل ما كان يحصل من تدخلات إيرانية في سوريا والمنطقة.
تسمع في كثير من المحادثات أن العرب جلبوا الإسلام والعربية لإيران، وأن الإيرانيين لن يغفروا لهم ذلك. يقول أستاذ دروس خاصة “نريد الابتعاد عن العرب والعربية والملالي”، لكنه يوافقها الرأي حين تعلق بأن الابتعاد عن الملالي ممكن، ولكن مع نسبة 50 إلى 60% من المفردات العربية في الفارسية سيكون هذا عسيرا، ويأتي الرد جاهزا باتهام العرب بأنهم “فرضوا أبجديتهم” حسب موظف إيراني في اليونيسكو، الذي يقول إن “ابن سينا أُجبر على الكتابة بالعربية”.
على الطرف الآخر تتردد أصوات “لا يحبوننا يقولون إننا عاملناهم بسوء”، كما تقول سيدة عراقية في زيارة لطهران. ولا يختلف الأمر حينما يتعلق بإيراني عاش في العراق، أو عراقي ذي جذور فارسية، عراقي وفارسي معا. لا تتم معاملته من قبل الأغلبية على أساس أنه من أبناء البلد، ثمة من يشك ويشكك في انتسابه، ولذلك يعيش كل هؤلاء بحي خاص بهم يقع بالقرب من سوق الجمعة في شارع الجمهورية الإسلامية. وتشير الكاتبة إلى خلاف جذري بين إيران والبلدان العربية التي تحيي طقوس عاشوراء، فبينما يعم لدى الشيعة العرب اللطم وجلد الذات بالجنازير وتجريح الرؤوس بالسيوف، يحتفل الإيرانيون على نحو فولكلوري بعرض للجمال والخيول والفرسان بملابس عربية تقليدية، وأناشيد وجو من المرح يسود المكان، وفتيات صغيرات يرتدين ثيابا خضراء، ويضعن شرائط كتب عليها “يا حسين يا مظلوم”، وتبدو كل فئات المجتمع ممثلة في الحفل، من دون بكائيات كربلائية مبالغة فيها، وما يلفت أن كتاب أدعية عاشوراء يحتوي من ضمن ما يحتويه من شتائم موجهة لبني أمية.
العيد في إيران ليس كما هو الأمر في العالم الإسلامي، الفطر أو الأضحى، بل النوروز، أي اليوم الجديد، أول أيام السنة الإيرانية الجديدة. وقد نصح المرشد الأعلى بعدم المشاركة به، وأنه لا أساسا دينيا له، وهو بذلك يرد على ما هو شائع بأنه يعود لأصحاب الديانة الزرادشتية، بينما اعتبره الرئيس الأسبق محمد خاتمي رمزا للعدالة، والاعتدال، والتسامح، واللطف. لكن اللافت هنا هو أن هناك من يدين بالزرادشتية، كما هو في بعض أحياء مدينة يزد، وهم يخصصون أحد احتفالاتهم لأرواح الأجداد العلوية، التي تبدأ العودة إلى الأرض والبيوت.
الكرم الإيراني أحد ثيمات هذا الكتاب، وما يشد انتباه الكاتبة. هو كرم أهل المدن المعروف عن أهلها البخل مثل أصفهان. وعلى العموم، إيران بلد يحرص أهله على تقديم الهدايا القيمة في الزيارات من الفستق إلى الزعفران وصولا إلى السجادة العجمية، وهذا أمر ينسحب على سلوك المجاملة التي يراد منها الترحيب الحار. وتختلف زاوية الرؤية بين الكاتبة العربية وصديقتها الفرنسية المتزوجة من إيراني وتعيش هناك منذ عدة أعوام، فهي ترى “لا يمكن النفاذ إليهم، غامضون وعصيون على الفهم”. وهو أمر يوافق عليه الإيراني أستاذ الفارسية الذي يعتبر أن أبناء قومه “غريبو الأطوار”.
المدن
