حوار: علي صقر
يتحدث الفنان التشكيلي سليمان دكتوك والمعروف بكاسترو إلى مجلة أوراق عن بدايات تجربته التشكيلية في عالم الرسم.
يقول: خلافاً لكل أصدقائي الذين اختاروا الشعر والقصة اخترت الرسم. كان يستهويني اللون الأحمر ومشتقاته وربما يعود ذلك إلى بيئتي حيث كان المقربين مني يعملون في المسلخ بجانب سكني، ورغم مشاهدتي للون الدم المنساب من ذبح الحيوانات وانسكابها على بلاط المسلخ، ومن ثم لاحظت تغير لون الدم بعد سكب الماء عليه وتدرجاته ومن ثم تغير لونه على حرارة الشمس، وهنا كان عليّ أن أخفف حدة اللون ورسمت وجوهاً لنساء بلون تدرجات الأحمر مع ابتسامة غامضة لا تفارق رسوماتي… أي أنني حاولت تخفيف حدة وعنف لون الدم بأسلوبي في الرسم.

إضافة إلى أنّ جيلنا جيل الحروب والنكسات والنزوح.
س. ماذا عن غياب الأذنين في كل الوجوه التي رسمتها..؟
ج. (ابتسم وتابع) إن كل الحواس عند أكثرية البشر تعمل باستثناء السمع، وكما تعلم لا أحد يسمعنا حتى الآن إلا ما ندر!
س. بداياتك في الرسم كانت الكاريكاتير، لماذا توقفت؟
ج. في فترة شبابي ونتيجة العمل السياسي غير المعلن والملاحقات الأمنية، كانت الأفكار تضج في رأسي وكنت أفرغها على الورق لأن الكاريكاتير يعتمد على الفكرة، إضافةً إلى تأثري برسومات علي فرزات والمرحوم ناجي العلي..
وبعد هروبي القسري لمخيم اليرموك عام 1989 -أي فترة ملاحقة الأجهزة الأمنية لي وللكثير من الناشطين السياسيين- الذي كان يضج بالمعارضين والفنانين من كل التيارات وأكثرنا كان هارباً من ملاحقة الأمن، ومن ثم هروبي الثاني في تلك الفترة إلى قبرص بواسطة فلوكة (مركب صغير) ومن بعدها إلى اليونان، التي بقيت فيها لحين سقوط النظام ولم أغادرها إلا فترة قصيرة 2016 إلى مخيم أضنة بريف إدلب، بمهمة مساعدة الأطفال في المخيم توزيع أدوات الرسم لهم وبعض المساعدات ومن ثم العودة إلى اليونان جزيرة lesions، حيث أسست مقراً للمهاجرين السوريين الناجين من هول الحرب وقيامنا بمشروع التضامن للسوريين النازحين من هول الحرب السورية من خلال تأمين المسكن وفرص العمل لهم.
كان تأمين المسكن لهم من خلال مؤسسات مهجورة للدولة اليونانية من بعد ترميهما… وإقامة الكثير من ورش الرسم للأطفال وبيع لوحاتهم مقابل ما يتمناه الطفل الرسام.. لوحة مقابل دراجة هوائية أو مقابل غيتار أو أي شيء يتمناه الطفل الرسام..
المقابل كنت أبيع لوحاتي في المعارض التي أقمتها في عدة عواصم أوروبية مقابل بقرة.. وأيضاً بعت الكثير من اللوحات مقابل خمس خواريف أو أدوات زراعية يحتاجها المهجرين لمشروعهم التنموي أحد لوحاتي التي أخبئها بعتها مقابل جرار زراعي وغيرها من اللوحات التي تساعد المهجرين على استثمار الأراضي وتربية الأبقار والدواجن وطبعاً ريعها لهم..

س. بعد غيابك القسري عن سوريا لثلاثة عقود ونيف والعودة إلى الوطن بعد سقوط
النظام البائد، هل من تعليق…؟
(تنهد بعمق وأطلق بوحه بغصة ودمعة فرح..)
ج. أهم ما حدث سقوط النظام، وهذا السقوط يحتاج إلى الكثير من العمل وتضافر جهود المجتمع المدني مع الدولة الجديدة.
س. الأصدقاء المقربين منك والذين لم يشاهدونك منذ ثلاثة عقود خائفون عليك من
كثرة تنقلاتك في المحافظة وكامل ريفها بل توسع نشاطك إلى ريف المحافظات المتاخمة لطرطوس مدينتك.. هل خوفهم مشروع.. (قاطعني مبتسماً…)؟
ج. لا تخف يا علي أنا وفريق العمل ومن نتعامل معهم من الريفين الطيبين من خلال توزيع البذور غير المدجنة وعدة الرسم للأطفال وغيرها من المساعدات، لم تكن للأهالي فقط إنما للجنود على الحواجز.. تعودنا على بعض ونشتاق لبعض.
س. بعضهم قال عنك في بداية وجودك في الوطن بعد غربة استمرت أكثر من خمس وثلاثين عاماً.. أنك ستكون كغيرك من الفنانين والشخصيات المؤثرة تعملون على خبطة إعلامية (تريند) وتشمعون الخيط، أي تعودون إلى حيث ما كنتم في بلاد الله الواسعة.
(ابتسم وتابع)
جئت بعد السقوط بأسبوع وما زلت باقٍ هنا أحتل الثكنات العسكرية ومقرات الفرق الحزبية ونحولها للسكن للمهجرين من المحافظات السورية ونعمل ورشاً للرسم للأطفال ونزين جدرانها برسوماتهم. لأن الرسم شفاء للأطفال من هول الحرب، فالحرب هنا لا دين ولا قوميات ولا أحزاب لها كذلك الفن.
س. يبدو أن انشغالك بالنشاط المدني أبعدك عن نشاطك الفني.. وأنا أيضاً أخذني
نشاطك المدني عن التعمق بلوحاتك.
ج. عندما تقوم باحتلال ثكنة منهوبة وتعيد رسمها ورسم طيبة ساكنيها الجدد وترسم لهم الابتسامة فهو فن عظيم..
إضافة إلى شغلنا قريباً لعدة معارض رسم للأطفال وإقامة مهرجان فني، وفي منطقة الكفرون قريباً..
س. سليمان دكتوك الملقب بكاسترو دائماً الهم الجمعي يأخذ منك، ماذا عنك؟
ج. الأنا الخاصة بي تجدها بكل النشاطات التي نقوم بها.
س. ما رأيك بالهوية البصرية السورية الجديدة كفنان ولك الكثير من التصاميم ومنها تصاميم أغلفة الكتب. رغم أنه تم الإعلان عنها دون الرجوع إلى المادة 5 من الدستور السوري (دمشق هي عاصمة الجمهورية العربية السورية ويحدد شعار الدولة ونشيدها الوطني بقانون)؟
ج. رغم جماليته والاحتفالات التي رحبت به إلا أنني كنت أتمنى أي شعار يرمز إلى الإنسان السوري.
*سليمان دكتوك من مواليد سوريا طرطوس 1969. درس الفنون الجميلة في دمشق وأقام العديد من المعارض في سوريا والكثير من الدول الأوروبية. إضافة إلى نشاطه المدني المتعدد.
مجلة أوراق/ العدد 24
