توجت المترجمة البريطانية كاثرين هولز بجائزة سيف غباش – بانيبال للترجمة لعام 2024، عن ترجمتها المتميزة لرواية “حرز مكمكم” للكاتب المصري أحمد ناجي، والتي نقلتها إلى اللغة الإنكليزية تحت عنوان “Rotten Evidence” وصدرت عن دار نشر ماكسويني الأميركية العام الماضي.

وتفوقت هولز على خمس مترجمات وصلن للقائمة القصيرة، بعد منافسة قوية خاصة مع ترجمتي رواية “ضياع في مكة” للكويتية بثينة العيسى، و”في أثر عنايات الزيات” للمصرية إيمان مرسال. وأشارت لجنة التحكيم في حيثيات قرارها إلى امتياز عمل هولز في تقديم نص إنكليزي سلس يحافظ على روح النص الأصلي، حيث نجحت في تشريح بنية النص العربي وإعادة إنتاجه بما يناسب القارئ الإنكليزي، مع الاحتفاظ بجوهره ودلالاته.

وتستند رواية “حرز مكمكم” إلى تجربة ناجي المريرة في السجن المصري عام 2016، حين أدين بتهمة “خدش الحياء العام” بسبب مقطع من روايته السابقة “استخدام الحياة”. وخلال فترة سجنه التي استمرت عامًا، سجل ناجي يومياته وأحلامه في دفتر صغير، شكل لاحقًا مادة الرواية التي أثارت ضجة في الأوساط الأدبية العالمية، وتناولتها وسائل إعلام دولية كمثال على قضايا حرية التعبير في العالم العربي.

وكاثرين هولز ليست جديدة على عالم الترجمة الأدبية، فقد تخرجت في جامعتي أوكسفورد ومانشستر، ودرست في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وعملت أستاذة للغة العربية في عدة جامعات بريطانية. كما سبق لها الفوز بمنحة صندوق “بن/ هايم” للترجمة عام 2021 عن ترجمة مجموعة قصصية للكاتب المصري هيثم الورداني، وشاركت مع المترجم آدم طالب في الفوز بجائزة الشيخ حمد للترجمة عام 2017 عن ترجمتهما لرواية “طوق الحمام” للسعودية رجاء عالم.

وتعد جائزة سيف غباش – بانيبال، التي تأسست عام 2006، من أبرز الجوائز المخصصة لترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنكليزية، وتبلغ قيمتها المادية 3000 جنيه إسترليني. وأُنشئت الجائزة تخليدًا لذكرى المترجم الإماراتي سيف غباش، الذي كان له دور بارز في تعزيز جسور التواصل بين الثقافتين العربية والغربية.

سلطت وسائل إعلام عالمية منها صحيفة “الغارديان” البريطانية وصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الضوء على قضية أحمد ناجي، معتبرة إياها نموذجًا للصراع بين المبدعين والرقابة في المنطقة العربية


وتشرف على إدارة الجائزة جمعية المؤلفين في المملكة المتحدة، بالتعاون مع مجلة “بانيبال” الأدبية التي أسسها الزوجان مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون في لندن عام 1998، والتي تعد منصة رئيسية لتقديم ترجمات الأدب العربي المعاصر للقراء الناطقين بالإنكليزية، من خلال نشر مختارات من الشعر والقصة والرواية العربية المترجمة.

وتألفت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام من رئيسها رافائيل كوهين، وعضوية مايكل كينز ولورا واتكينسون وناريمان يوسف، وهي ضمن مجموعة من الجوائز البريطانية المخصصة للترجمة الأدبية من لغات مختلفة، يتم الإعلان عنها خلال حفل مشترك تستضيفه المكتبة البريطانية في شهر شباط/ فبراير من كل عام.

وتأتي الجائزة في سياق الاهتمام المتزايد بترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنكليزية، خاصة بعد فوز الروائي المصري نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وصعود أسماء عربية لافتة في عالم الأدب العالمي مثل الراحل عبد الرحمن منيف والسوداني الطيب صالح والمصرية أهداف سويف والفلسطيني إبراهيم نصر الله والعمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة مان بوكر العالمية عام 2019.

ويرى متخصصون أن حركة ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية شهدت طفرة نوعية في العقدين الأخيرين، مع تأسيس مشاريع طموحة مثل “مشروع الترجمة من العربية” الذي أطلقته جامعة نيويورك، و”مشروع بلومزبري- قطر للنشر” الذي تولى ترجمة عشرات الروايات العربية المهمة. كما ساهمت المسابقات الأدبية العربية الكبرى مثل الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) وجائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة كتارا في توجيه اهتمام الناشرين الغربيين نحو الأصوات العربية الجديدة.

وتعكس ترجمة رواية “حرز مكمكم” لأحمد ناجي اهتمامًا متزايدًا بالأدب العربي الذي يتناول قضايا اجتماعية وسياسية ملحة. ويقول الناقد الأدبي البريطاني مايا جاغي إن “القراء الغربيين يتطلعون اليوم للأدب العربي ليس لزيارة عالم ألف ليلة وليلة كما كان سائدًا في الماضي، بل لفهم المجتمعات العربية المعاصرة بكل تناقضاتها وتحدياتها وأحلامها”.

ومن اللافت أن الرواية الفائزة تتناول قضايا الرقابة وحرية التعبير، وهي موضوعات ظلت تشغل الساحة الأدبية العربية لعقود. وقد سلطت وسائل إعلام عالمية منها صحيفة “الغارديان” البريطانية وصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الضوء على قضية أحمد ناجي، معتبرة إياها نموذجًا للصراع بين المبدعين والرقابة في المنطقة العربية، مما أسهم في لفت الانتباه لأعماله الأدبية على المستوى العالمي.

وتبرز جائزة غباش – بانيبال أهمية دور المترجم كجسر ثقافي بين اللغات والشعوب، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التفاهم والتواصل بين الثقافات. وقد أكدت لجنة التحكيم أن ترجمة هولز لم تنقل النص فحسب، بل وفرت للقارئ الإنكليزي فرصة الولوج إلى عالم روائي عربي مختلف يعكس هواجس وتطلعات جيل جديد من الكتاب العرب.

*ضفة ثالثة

*