إبراهيم الزيدي: سوق اليقين

سألت أحد الأصدقاء؛ ما الفرق بين الليل والظلام؟ فنظر إليّ؛ وكأنه قد تفاجأ. ليس لأنه لا يعرف الجواب، بل لأنه -كحال غالبية الناس- وضع مسلماته بمنأى عن مساءلتها. فالأسئلة “البسيطة منها، والمركبة” ليست من أسس الثقافة العربية السائدة.

لذلك يمكن القول: إن إثارة العقل المستكين للمسلمات تمرّ بمراحل، أولها الموافقة والقبول، وآخرها المحاكمة. في كثير من الأحيان تتم الموافقة، وتنعقد جلسات حوارية بين طرفين متناقضين، ويتعذر القبول. إذ إن كل طرف يعتبر أسئلة الطرف الآخر فيها انتهاك لمسلماته التي أصبحت بمثابة هوية، فيثور على السائل، ويتحول الحوار من خلاف فكري إلى خلاف شخصي! وقد رأينا ذلك في الكثير من الحوارات على الشاشات العربية، وخاصة الحوارات السياسية، والدينية. بالنسبة للحوارات السياسية غالبًا ما يكون الحوار بين تابع ومناهض، لذلك يرى التابع في المناهض عدوًا، ويدفع باتجاه المخاصمة، بدل المحاورة! أما في الحوارات الدينية فإن رجل الدين يدعي امتلاك الحقيقة، مغلبًا الاعتقاد على التفكير، متجاهلًا الانشقاقات التي تعرض لها الدين عبر تاريخه، والملل والنحل والطوائف! فالمسلمات -مع الزمن- تتكلس وتتصلب وتتحول إلى مصادات تحمي خمول الأدمغة من أيّ تثاؤب قد يضاعف كمية الأوكسجين الداخلة على الدماغ، فتتغير إعدادات المدخلات والمخرجات. ومع الزمن أصبحت حماية تلك المدخلات، والحفاظ عليها كما وردت في كتب السلف هي الشغل الشاغل لرجال الدين، الذين لم يعد يقال عنهم رجال دين أو فقهاء، أو خطباء مساجد، بل علماء! 

في كتاب “العدوى المقدسة” يقول بارون دي هولباخ: إن كل فكرة تريد أن تكون مقدسة، تحمل دائمًا رغبة في أن تكون فوق النقد. وفي العالم العربي ليست الأفكار فوق النقد، بل ومن قالها أيضًا! وأي محاولة لتفكيك تلك الأفكار، ونزع صفة القداسة عن قائلها، هي بمثابة الخوض في حقل ألغام. ومن عادة الدول المحكومة بأنظمة استبدادية أن تكون حاضنة لتلك المسلمات، فهي تعرف أنها إذا فتحت الطريق أمام العقل النقدي، فإنه لن يتوقف عند التراث وحسب، بل سيتطاول على طبيعة تلك الأنظمة، وطريقتها في إدارة البلاد.

في الشارع الإعلامي الموازي يمكننا ملاحظة تجليات تلك العقول المغلقة، ونتاجها المعرفي من خلال جولة بسيطة في سوق المعرفة العربي، ومراقبة “بسطاته” التي تملأ الشوارع في مواقع التواصل الاجتماعي. إذ إن غالبيتها العظمى من إنتاج ثقافة “المسلمات”، وممهورة بختم “اليقين”!

فالقائمون على ذلك السوق -إمعانا بالحيطة- قد تواضعوا على مقاطعة بضاعة الأسئلة!

وكأن السؤال غير صالح للاستعمال سوى مرة واحدة، وقد استعمل منذ زمن بعيد، وتمت الإجابة عليه، وهذه الإجابة موجودة في مستودعات التراث العربي. وتلك المستودعات مفتوحة لطلاب المعرفة، وهناك سيجدون الأسئلة؛ وأجوبتها التي توصل إليها العقل العربي. لذلك يصبح الاستعراض بديلًا عن الإنجاز، دون الأخذ بعين الاعتبار أن طبيعة تلك الأسئلة؛ وأجوبتها تنتمي -على المستوى المعرفي- لزمنها؛ وليس لهذا الزمن، فالعلم المستقر، جهل مستقر حسب تعبير “النفّري”. فما بالكم بالجهل المقدس؟!

لذلك ترانا -كعرب- نمجد انعكاس صورتنا في مرآة الماضي، “لأنها تفعّل نظام المكافأة في الدماغ، فيتدفق دوبامين المتعة الآنية” ونشيح أبصارنا عن صورتنا في مرآة الحاضر، علمًا أن هذا الإرث لم يعد يشبهنا، ومحاكمته لا تلغيه، بل هي إحدى مراحل تحريرنا من تقديسه، ومنعه من التحكم بمستقبلنا. وهذا ما يسمى بلغة نيتشه: “ميتافيزيقيا الإنسان الأعلى” أي الكائن الذي يصنع نفسه باستمرار.

مجلة أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply