صباح ومسا شي ما بينتسى..
قفزنا من قبور كآبتنا، أجنحةٌ اعتقدنا أنها ضمرتْ لكنها رفرفتْ، ندير الريحَ بأصابعنا شمالاً، يمينا، يساراً جنوبا، وخوفاً من أن نهبطَ فندعس قبورَ أحباب ما زالت عيونهم مفتوحة، نسبحُ في الفضاء. ثلاثة أشهر انقضتْ ونحن نتداول في ما بيننا شؤونَ البلاد، الثائرُ والنائمُ والخائف، السائقُ والمعلم، الباحثُ والبائع، الأطفال والعجائز، كلنا نتكلمُ معاً بنشوةٍ وحماسة. نستعرض على الغيماتِ نماذجَ لم تكنْ يوما على البال لمستقبلِ بلادنا، سنغافورة، ماليزيا وجنيف.. ما أبهاك أيها الفرح، في الأمس كنا لا نزال نفردُ على الطاولة خرائطَ بلدانٍ تلائم هجرتَنا وغربتَنا وقبورنا.
صباح ومسا وينقلبُ العالم، تلتئم كلُّ انقساماتنا، الداخلُ مع الخارج، ثوارُ الشبابِ مع ثوارِ العجائز، الصامتون مع أصحابِ الصوت والكلمة، القافُ والكافُ والجيم والذال والآه. ندورُ وتدورُ معنا الكتبُ التي غادرناها سنين، نقرأ في القانونِ وحقوقِ الإنسان وحرية الرأي، نراجعُ الآيات القرآنية والإنجيلَ والتوراة، نفرد دساتيرَ العالم، ننحني لشهدائنا منذ عقودٍ ونطالب بالعدالة. نطلقُ صيحتَنا غناء مطالبين بالمغيبين ننبش القبورَ الجماعيةَ على مساحة وطن وننبشُ معها التاريَخ لنعيدَ التأملَ والتفكُّر فيه. بالملايين نرقص مع أشعةِ الشمس تحت رايةٍ واحدة وإنْ لم تكنْ على هوا الكل. ومع صفيرٍ حالمٍ يترددُ صداه بين الشموس. ننفخُ الريحَ لتجرفَ الأقذار عن مجاري أنهارِنا، وتعتذرُ عندما تجرف من فرطِ حماسها صوراً لعيوننا وضحكاتنا. نقبلُ اعتذارها ويكون الاعتذار هو أولُ الاختبارات.
تتغيرُ مفرداتُ أغانينا، وتتعشق بمفردات ملحة لها فعلُ الشمسِ والمطرِ على قَرصِ شتائنا، المواطنة، حرية الرأي، القانون. اختباراتٌ لنوافذ صدئة في أدمغتنا هي أقرب إلى اختبار أعصابِ الأطرافِ العاجزة عند مرضى السكتاتِ الدماغية. ما أسطرُه ليس مؤامرةً شاعرية مني، بل هو محاولة للقبضِ على انتصارٍ بركاني ليس على الطاغيةِ فحسب، بل هو انتصارٌ على صمتِ القبورِ الذي تكسّر دفعة واحدة داخل البلاد. تجربة حقيقيةٌ عُشناها كما يعيشُ فرخُ طيرٍ تجربةَ النجاةِ في أولِ تحليقٍ له. تدفقت أصواتنا شلالاتٍ ونبضتْ شرايينُ أطرافِنا بينابيع الهواء الطيبِ النظيف. والفرصة حانت لندق أجراسَ الشكر لكل الثائرين، ولكل من دفع الأثمانَ الباهظةَ من نفي أو تهميش أو تشهير، نقاشاتٌ وتحليلٌ وفتوات، ثرثرات. هي ليست بالضبط ثرثرات، هي أشبه بولادة حدثت الآن والمولود مراهق يختبرُ نضجَه فيبالغُ أحياناً ويتطرفُ أحياناً أخرى، يريدُ الأمورَ بشكلِها الأمثل. هي شهوة، شهوة الحرية التي كدنا نيأسُ من نيلها.
اختلطتْ ساعاتُ نهارِنا بليلنا، وتكّررَ الفجرُ في اليومِ الواحدِ عدة مرات، كما تكرّرَ الغروب ولاحقنا. ملايين الملايين رفعتْ قبعاتها لأبطالٍ وبطلاتٍ عاشوا بيننا، وما كنا لنعرفَ عن بطولاتهم شيئاً. وحكايات دارتْ لها الكاميرات، وأقلامٌ سطرت وكما لكل ثائرٍ حكاية للصامتِ قسراً أيضاً حكاية. فكما يكتمُ الجريحُ المطاردُ صوتَه يكتم الصامتون قسراً أصواتَهم. يخيطون جروحَهم بلا بنج أو مسكن. كم منهم استبدلَ صوتَه بكفيه ومدَّهما للعون برغيفِ خبز، قطعةِ ملابس، أو لمسةٍ حانية. هم لا ينتمون لمن شبّح ولفّح وشمشمَ ونفخَ ثم بصقَ في الجحورِ الكلام خناجرا وسموماً في أضلاعِ أهله. منهم من سكتَ بعد خوضِ معتقلاتِ قصفِ الأعمار. ومنهم من يرتبكُ ويفقدُ بوصلتَه في الحروب. هم العيون الهلعةُ، المتسعةُ في عزِّ الظهيرة وسعَ الخوف، إنهم حراسُ مفاتيحِ البيوت التي فَرغتْ من أحبابها.. العيونُ التي ظلتْ مفتوحة، على الوجوهِ الغريبة والجائعة والمرتعدة.
فلو حدثتْ مجزرةٌ، أو اختفى لهم جارٌ أو حبيبٌ أو صديق أو رُميت مناطقهم بالبراميل والصواريخ، سرعان ما يُطمئنون ذويهم عابري القارات، برسائل نصية مقتضبة، هي «الشيفرة»، التي يحللون أحوالهَم من خلالها «ماذا طبختم اليوم»؟ أو «ما أخبار الطقس؟» فتكرُّ وصفاتُ الطعامِ، وتُرمى الكلماتُ في رسائلهم، بأحاديث مرتجفة عن الطقسِ والشمسِ والريح.
يهرعون إلى المشافي للنجدة، مزودين ببطاقاتِ زُمرِ دمِهم وهويّاتهم المطلوبةِ دائما عند حواجز التفتيش الكريهة. من كانوا صامتين قسراً، هم الأكثر كلاماً اليوم، وهم الأقدرُ على الشكرِ والاعتراف بالبطولات. وحكايات فرحهم بالحريةِ توازي أو تفوق فرح الثوار بها.
إننا نحتفلُ بأصواتنا يا أمة الدنيا.
والسؤال..
بعد كل ذاك الألق والتحليق كيف عدنا إلى الأرضِ بعيونٍ محولّة؟ ثلاثة أشهر، بمعدل شهقةٍ في حسابات الزمن الفضائي، شهقة وارتمينا فجأةً على الأرض، بجاذبية أشبهُ بدوّاراتِ البحار الفالتةِ من أي قانون. كيف؟ مجزرةٌ واحدة كانتْ كفيلةً بأن تعيدَ جوقاتِنا من مداراتِ شموسِها إلى الأرضِ أحجاراً مبعثرة.. يسبقني طفلٌ في الهبوط السريع وأسمعُ طقطقاتِ جمجمتِه على بلاطِ إحدى شرفاتِ الأمل.. يا الله أما كانتْ أصواتُنا تستحقُ هديةً أفضل؟
صباح ومسا
نفتح نوافذَنا للصباحِ معَ حقيقةٍ أكيدة، لا عودة إلى الوراء، ومن نطقَ اليوم ولمسَ نشوةَ الصوتْ لنْ يعودَ إلى الوراء. عرفنا أن الطغيانَ عابرٌ مهما طال بقاؤه وهذه المعرفةُ مدتْنا لا شك بطاقةٍ ستجعل أصواتنا حيةً لأعمار مقبلة مهما بلغتْ قساوةُ هدايا كتم الصوتِ القسرية.

*القدس العربي