“وكان برغم معرفته أو ربما لِفَرط معرفته مصابًا بِلَوثَةٍ في عقله؛ فقد كان يقترح طُرقًا للمساعدة وفِعل الخير تختلف بل وتُناقض تمامًا ما يراه المجتمع والناس الصالحون.”
ـــــ من تلك الرواية التي لم يكتبها خورخي لويس بورخيس
فَرَّ من المدينة إلى القرية هَربًا من رجال الشرطة الذين كانوا يَبحثون عنه ويُطاردونه بِتُهَم الاختطاف والاحتجاز والاغتصاب.
-ماذا أقول في المنسوب إلَيّ؟
حسنًا، لا شيء ثَمَّ من الاختطاف، فقد ذَهبَت مَعي بِملء إرادتها. أما الاحتجاز، فَ.. نَعَم؛ كنتُ أقفل عليها البيت من الخارج لِئلّا تهرب أو تفعل شيئًا بنفسها؛ فقد كانت لديها ميول انتحارية، وقد صَرَّحَت لي أكثر من مرة بأنها توَدّ لو تلقي بنفسها أمام قطار سريع. من أجلها إذن، من أجل مصلحتها كنت أقفِل عليها، كما أنني كنت أخفي عنها السكاكين والأدوات الحادة والحبال في البيت، كنتُ أُراعي ميولها الانتحارية وحقّها في الحياة.
وبخصوص الاغتصاب، امم… كنّا نمارس الجنس بطقوسنا الخاصة: آتي بلترَين مِن الشراب الأحمر في الليلة ونعبّها من القنّينة مباشرة بعدَ بَلْعنا لبعض الحبوب المهَلوسِة.. ولا أتذكَّر حين أستيقظ فأجدني محاطًا بالمَنيّ والقَيء والدم إلّا بعض الصُّوَر واللّمحات الخاطفة الممتزجةِ بمذاق اللّذّة والثَّمالة وهما في طريقهما نحو الأفول.. أجِدُ على جسدينا خدوشًا وكدمات هنا وهناك، وإذا كان يمكن أن يُسمّى هذا اغتصابًا، فَلْيُسَمَّى. غير أنني لستُ مستعدًا للدخول إلى السجن من أجل تُهَمٍ كهذه.
ولهذا فرَّ إلى القرية ولَجَأَ إلى خالته التي وفَّرَت له “برّاكَة” صغيرة بجانب الحظيرة يُدَبِّرُ بها أموره. في الصباح يعمل في أي شيءٍ متاح عَطَشَ يومه… أما اللّيل فيصرف معظمه مع السُّكارى؛ يأتون ببضع لترات من ماء الحياة ويتحلّقون حولها وسط الحقول أو قربها حتى وقت متأخر من الليل.
معظَم الرجال الذين هم هنا يشْبهونني، فهم أصحاب كأس ولذّة أيضًا، كما أنهم مجانين حقًا؛ ما إن يتعاطى أحدهم حتى يَفْتَرّ لسانه عن قصص وحكايات عجيبة وغريبة عن نفسه: أحدهم أخبرنا مرّةً بأن المنجل قد بتَرَ طَرفًا صغيرًا أماميًا من الأصبع الكبير لقدَمه أيّامَ الحصاد، ومع توالي الأيام وإهماله اللا مُتعمَّد للجرح؛ نظر إليه صدفة في إحدى المرات فوجَده ثقبًا أسود فقط، لم يستطع أن يتبيّن اللّحمَ ولا العظم، فقط لون أسود حالك صدَّ عنه مشمئزًا وأخَذَ يشرب كوبًا من الحليب، وبينما هو كذلك فإذا بالحليب الذي يشربه من فمه يخرج من ذلك الثقب الأسود في أصبعه في دفعات قصيرة منقذفة تارةً ومنزلقة تارات أخرى… و قَد ختَم كلامه بأنْ أَظهرَ لنا أثَر الثّقب دليلًا على كلامه.
آخَر أخبرنا في إحدى الجلسات بأن هناك ذبابةً كانت تعيش في بيته، وَلَم يكن يطردها أو يُبعدها حين كانت تقترب منه، بل كان يناديها لتقتات من الطعام الساقط على المائدة، وكانت تُقْبِل! وفي أحد الأيام دخلَت بعوضة إلى البيت فأزعَجَته ولم تَتْركه يَقِيل بسَبَب طنينها، ولأنه كان متعَبًا فقد أمر عفويًا الذبابةَ بأن تتكفّل بها؛ وإذ ذاك –وبشكل لا يصدّق- هَجَمت الذبابة على البعوضة وَطَرَدَتها من البيت. بعد ذلك، أضْحَت الذبابةُ تهاجم جميع الحشرات الطائرة التي تدخل أو تحاول الدخول إلى البيت.. إلى أن لَسَعَتها نحلة في إحدى المرات فهَلكَت.
أمّا رجال القرية الآخرون، أولئك الوَرعون الذين يعفّون عن الخمر ويعافونها ويُصَلُّون ويُحَوْقلون ويطلبون العفو عند رؤيتنا نشرب، فهم أكثر جِنّة في حكاياهم؛ وأكثر حكيهم عن الجن والشياطين التي تبرز لهم أو تعترضهم أو تفرّ منهم ساعةَ الفجر وهم في طريقهم صوب المسجد، وشهودهم على ذلك الكلاب والحمير: “لَو كان هذا الكلب أو هذا الحمار ينطق لقال كل شيء”.
ما قبل البارحة فقط، وبينما هو وثلاثة من الندماء جلُوسٌ يشربون وسط بعض الأشجار، إذا بصوتٍ يشبه وَقع أقدام متسلّلة تخطو نحوهم، صمتوا جميعًا، أصاخوا السمع جيدًا.. أسرَعَت الأقدام فَفَرّوا أشتاتًا ظانّين بأنهم رجال الدَّرَك.
عادةً عندما يداهمنا رجال الدّرك أو نَلحظ وجودهم فإننا نفرّ ونركض دون أن نُعَقّب، غير أن ظلام تلك الليلة حرَّضني على الوقوف وتَبيُّن الأمر، فقد شعرتُ به كما لو كان غطاءً أو ستارًا حقيقيًا، كان قوّادًا بحق كما تقول العرب. ولذلك فقد اختبأتُ خلف إحدى الأشجار أَلْتقط أنفاسي وأَترصَّدُ الوَضع، ولولا ضوء البدر لَمَا رأيتُ شيئًا..
لكنه نَظرَ خلسة من خلف الشجرة فأَبْصَرَ خيال فتاة تمشي بِخُطىً متوَجّسة وخائفة في الظلام. انتظرَ قليلًا، ركّزَ السَّمع والبصر ليرى هل معها أحد أو تَلحقها خطوات أخرى؛ ولَمَّا اطْمَأنَّ إلى أَلَّا أحَد في الجوار، خرَجَ إلى الفتاة ولحقها قائلًا:
ـــــ لقد أفزعتِنا، مَن أنتِ؟
مرتعبةً التفتَت الفتاةُ -التي بَدَت في مقتَبَل العشرينات من عمرها- إليه
ـــــ لا تؤذِني أرجوك.
ـــــ لن أؤذيكِ، من أنتِ؟
ـــــ أنا سليمة بنت سي عبّاس رحمَه الله.
ـــــ وما الذي تفعلينه هنا؟
ـــــ لا شيء. لقد هربتُ من زوجة أبي التي تريد أن تُوقِعَني مع أخيها الهرِم وتُزَوِّجني به…
أريد الذهاب إلى المدينة. عمّتي تعيش هناك.. فقط لا أعرف بالضبط أين.
ـــــ المدينة؟! ليس فيها شيء. لقد كبرتُ فيها، انظري إلَيّ! انتظري هنا، أنا آتٍ حالًا، لا تبرحي..
ذهبَ وجاء بسرعة بالقنّينة التي تَركوها ووَلّوا هاربين، ثم جاء بحجرتين كبيرتين؛ جلس على إحداهما ودعا الفتاة إلى الجلوس على الأخرى دون أن يبالي كثيرًا باضطرابها وترَدّدها.
ـــــ المدينة ليس فيها شيء. سيستغلونكِ فقط أنتِ القادمة إليهم من القرية في النظافة والطبخ والأعمال الشاقة… أَتشربين؟
رفضَت القنّينة التي عَرضها عليها بإشارة خجولة من رأسها.
ـــــ المدينة تعجّ بالجشعين والمحتالين والطّمّاعين، انظري إلَيّ.. لن تطعمي الخبز معهم، ثقي بي. شيء واحد فقط تستطيع فتاة شابّة ويافعة مثلك أن تُدَبّر وتعيل به نفسها في المدينة، بل وتعيش به بترَف هناك، شيء واحد فقط.. لكن يجب مساعدتكِ فيه أولًا، يجب أن أمَهّد لكِ الطّريق حتى تمضين فيه دون خوف ودون تردّد وَبإقدام، يجب أن أساعدكِ، لن يكون الأمر سهلًا ولطيفًا؛ لكنه حتما سيُساعدكِ وسيفتح عينيك قُدُمًا عليه. انتظري قليلًا حتى أصبح في مزاج ملائم.
سَكَتَ وأخَذَ يعبّ الشراب حتى بات جوف القنّينة في جوفه، انتظرَ قليلًا يستشعر حلاوة الشراب ويتلمَّظ مرارته. أشعَلَ سيجارة جَعَلَ يرتشفها بِبُطءٍ وشِبه تدبّر، ولَمّا انتهى منها رماها ودعس عقبها بحذائه ثم وَقف قائلًا:
ـــــ الجنس. هذا هو الشيء الذي يمكن أن تفعليه وتجني منه الكثير من النقود في المدينة وبِسرعة. لكن يبدو أن خبرتكِ قليلة في هذا المجال، ولهذا فسأُساعدكِ، سأُمَهّد لك الطريق حتى تستطيعي الممارسة فيما بعد بدون أي مركَّب نقص. سأفتحُ لكِ الطريق الذي ستجنين منه –إذا عرفتِ كيف تتعاملين معه- أكثر ممّا جَنَته الأندلس من فتح طارق بن زياد لها.
ـــــ لستُ أفهم (قالت الفتاة مرتعبةً)
ـــــ ليس عليكِ أن تفهمي الآن. ستفهمين فيما بعد، ولَعلَّك قد تَشكريني أو تَلعنيني حينها، لا يهم…
خَلَعَ قميصه الخفيف ثمَّ تقَدّم نحوها، أرادَت أن تقف لكنّه أمسكها من شعرها، كَوَّم القميص وَحشَرَه في فمها ثم نزَع عنها ملابسها واغتصَبها.
كانت -كما توقّع- بكرًا، وكانت تبكي وتنشج وهي تحاول أن تقاوم حين كان يغتصبها، لكن عندما انتهى كل شيء التصَقَت خائرة القوى بالأرض كما ترَكَها، أسقَطَ هو أيضا نفسه جنبها يلتقط أنفاسه. وفي غضون ذلك جعَل يتدبّر الحزنَ والصَّدمة المرسومَين على وجهها، كاد أن يهم بمسح دموعها، لكنه أحجَم… وَفي الأخير نَهض، سَلَّ بلطفٍ قميصه من فمها، أخرَجَ كل ما في جيبه من نقود وَوَضَعها عند رأسها ثُمَّ مَضى.
****
فَرَّ من القرية هذا الصباح لأن رجال الدرك كانوا يبحثون فيها عن مغتصب فتاة.
في ماذا أفكر الآن…؟
في الهجرة إلى خارج البلاد. لا أدري كيف سأفعلها، فالطريق أمامي طويل وينقصني المال، كما أن هناك الشرطة والدرك… لكن مُدَبّرها حكيم كما يقولون، كما أنَّ فِعل الخير يعود بالنفع دائمًا على صاحبه طال الزمان أو قَصُر؛ وَمَن يدري فقد أُصادف في الطريق بعض الناس الطيبين الذين سَيُراعون حالتي ويساعدونني مثلما فعلتُ مع تلكما الفتاتين.
أوراق/ 26

Leave a Reply