١
الذبح
لمع نصل الخنجر بيد عبود الطافش، رشق الوجه الحنطي بغضب، خطف البريق بصر ذهيبة، صرخت بتأوه ممطوط:
- يا يما ذبحتني.
تردد صدى الصرخة في الحارة، في فناء البيت الطيني، نداوة العرق تشجر كل الأعضاء بالحركة.
كانت الطعنة الأولى سباقة إلى خاصرتها، أخفت ذهيبة عينيها بيدين مرعوبتين، الشرايين تضخ الدم، قاومت الصراخ الحاد المفجوع، المصلوب على عتبات قباب القرية الحزينة.
أما الطعنة الثانية فاستباحت أطراف قلبها الخفوق، ولولتْ.. الدم يتدفق.. يسيل.. يقطر.. يتخثر.
تحدت الطعنة الثالثة بروز الثدي فالتهمت حلمته الخمريّة، واندسّ في اللحم الطّري، تمزقت الثياب، نفرت قطرات الدم سيلاً صغيراً، تتحدد معالم الجريان على الثياب الزاهية، والخنجر يزداد عربدة وعنفاً.
العيون يفجرها الفزع، يشرط جفونها بقسوة دامية، العويل يفرقع الصمت الرابض على البيت، الطعنات تتالت هاطلة بشراسة، تزخُّ على الجسد المتكور، العيون مبهورة، تلحق كل الجهات والأشياء، والخنجر لا زال يروّض المناطق الثائرة الخصيبة من الجسد، ممزوجاً بالأنين المتزاحم في الحلق، متناغماً مع الاستعطاف.
الاستغاثات تزرع الزمن بورود مدماة، صرخ طفل.. مرّ غراب.. ثار عجاج مجللاً قرية الفاطسة.
٢
الثور
البكاء الملفع بالخوف ينفرط في هذه اللحظة، كعقد على صدر جنية، الدم يصبح صباغاً بلون الجثة، يرسمها لوحة فنية، وذهيبة وجه معجون بالحنطة وشقائق النعمان، يتوسطه النصل المدهون بالدماء اللزجة.
ملأ عبود الطافش فمه بصاقاً، قذفه باتجاه العينين المطفأتين، وقد استحالتا إلى كرتي زجاج شفاف.
- تفو.. تفو.. موتي يا نذلة.
أعصابه أطناب خيمة، مرّت عليها مزنة مطر، جسمه حقل جاف يستعر بالنيران، أنفه يفح الحقد، يهدد، الغضب يتناسل، وعيون الطافش ذئاب صغيرة، الآن هو ثور هائج يجأر، يحفر الأرض بأظلافه القوية، يثير زوبعة عجاج، يدور حول الجثة، يستشيط، ينتخي منتشياً بأهازيج التأييد، يقرفص على جرن حجر، الزبد يحفُّ فمه، حلقة صار دهليزاً معتماً.
٣
الأوباش
الثرثرة والهمس يعطران مساءات قرية الفاطسة، عن سر دفين في حياة ذهيبة، الأوباش لا يرحمون، وقلب ذهيبة محظور عليه التفتح والتبرعم، والحب.
تردّدت في أركان رأسه الاستغاثة الهاربة: آه يا ويلي.
دفن عبود الطافش رأسه بين يديه، والشمس ماسة حمراء متوهجة، تغمر أشعتها قرية الفاطسة.
في عز الظهيرة حدث الذبح، قيل إن عبود الطافش رمى عقاله وقرر غسل عاره أو يهجر الديرة، هذا ما أكده المقربون إليه، ثم غمزوا:
- يا أخي امرأة ملعونة تخون زوجها.
- الله يستر على عرض الناس ما لنا ولها.
ظل الأوباش في القرية يربطون الفتيل، يحكمون الشّد، يقربون النار عليه، ولما انفجر الديناميت كانت شمس الأصيل تغسل جسد ذهيبة بأشعتها.
تضمه بحنان أبديّ، خنجر يغمد في جسد مثل كتلة الثلج، قلب كورد الزعفران يشذب.
أوباش مثل وطاويط الليل تثرثر، وكالمجنون صرخ عبود بالناس:
- ألقوها للكلاب فهي زانية…
جاء الصوت منفرداً، محشرجاً:
- سأقطع… فهل عجزت عن ضبطه؟
اقتحم الصوت المرعب الوجوه المعفرة بالدهشة، أخفت النسوة وجوههن بالأيدي خجلاً، فقد قال عبود عن امرأته القتيل كلاماً مقذعاً.
همس رجل مسن:
- الله يسترنا من المغطيات…
دفن أحدهم رأسه كاليقطينة الهرمة بين الحشد:
- يا سخام راسك يا عبود الطافش.
احتد آخر يبدو عليه أنه ذو رجال:
- لماذا لم يذبح غريمه؟
وساد ذهول مطبق، ثقيل، جثم على الصدور كابوساً خرافياً.
٤
الهروب
ذبح ذهيبة صار حديث القرية والسهرات، الطاحونة والدروب، ففي قرية الفاطسة خيّم خوف وتجمهر همسٌ، والقلوب تدق، سرت الوساوس إلى نفوس الناس، وهم يبحرون في محيطات عفنة.
النساء يحذرن الوقوف على حدّ خنجر، عبود الطافش يتحرك في دائرة مشرشة بالقيل والقال، يسترجع ماضٍ تحطّم، فانهار في دماسة ليل أخوث.
- أرفض أن تركّب لي قروناً… أنا رجل.
- …
امرأة حيزبون قالت: حلال على عبود برهن عن شرفه.
فرّ عبود الطافش منذ تلك اللحظة بعيداً عن أنظار الدرك، صار اسمه الفراري.
أحد الحضور رفس الوجوه بنظرة كسلى، برم شاربيه بقوة ثم تنحنح:
- شوباش، عبود الطافش الآن يحق لك لبس العقال.
أردف شاب ملتحٍ:
- عبود الطافش فحل.
أم عويشة، رفيقة صباها، ناجتها بغفلة من الأوباش:
- العذاب يا حنونة من أجل أن نحيا حلو.
أعرف أن كثيراً من نساء قريتنا يبغضنك، لكن أن يتهموك بما أنت منه براء فهنا المصيبة.
اعترفت سارة بنت الجيران:
- الله يرحمها كانت حبوبة لم تؤذِ أحداً.
قالت فطيم:
- كانت المرحومة خشنة لمّت سيبة ابن طافش.
في آخر قرية الفاطسة تناثرت كلمات عجوز مربوع القد اهترأ مع الأيام، لم يسمعها أحد، وأصدر شيخ الجامع فتواه الأخيرة:
- يا ناس هذه تُرجم ولا يُصلى عليها ولا تُدفن في مقبرتنا.
فزيارة قبرها إثم.
سرت فتوى الشيخ في كل الديرة، ومن يومها لم يجرؤ أحد على زيارة قبرها، وظل عبود الطافش ينفش ريشه كالديك متقبلاً التهاني بابتسامات قاسية… مرّة….
الرقة 1978
أحمد محمود المصطفى (1952–1983، الرقة، سوريا) توفي في حادث سير بين تل أبيض والرقة، ولم يسعفه العمر إلا لنشر مجموعة قصصية يتيمة بعنوان (الخناجر).
مجلة أوراق/ 25
