1
لليوم الثالث على التوالي تنزوي حزيناً في غرفتكَ يا حسن، ممداً كمشلولٍ على فراش الصوف الذي آثرتك به أمّك منذ دخلتَ كلية الحقوق في جامعة حلب، تشبك أصابعك العشرة على رأسك كأنك تكتم تلك الهلهولة التي انطلقت من فمها حين أخبرتها منذ أربع سنوات بقبولك في الجامعة، يومها سحبتِ الفراش الصوفي من النضيدة وقالت لك: نذرتُ أن أصوم ثلاثة أيام، وأهدّ النضيدة، وأشمط منها أعلى فراش لعيونك، اليوم صرت أم (الازداز) القاضي.
كان هدُّ النضيدة حدثاً عظيماً عند أمّك الشاوية، فالنضيدة لضيوف الفرح أو العزاء فقط، وهي رمز التفوق بين النساء فكلما علتْ علا شأن الأم بين أقرانها.
لم يُرفعْ الفراش من مكانه منذ عاد حسن وجه ذلك الصباح، بعد انتهاء امتحانات سنته الجامعية الأخيرة.
قال إنه مريض يشعر بالإرهاق بعد الجهد الذي بذله.
هدير القطار يرتفع في رأسه فيعصر فوديه بكفيه كأنه يريد من رأسه أن يلفظ تلك الحادثة التي بدأت حين ترجّل عند الفجر في محطة القطار عائداً من حلب إلى قريته التي تشاطئ الفرات من جهة الجنوب ولا تبعد عن مركز المدينة سوى بضع دقائق بالسيارة، يغادر القطار الذي وصل فجراً، يحمل رزمة الكتب التي ربطها بخيط متصالب، وعند بوابة الخروج، وقف ثلاثة رجال ضخام غلاظ يشبهون تماثيل الطاغية المنصوبة في الساحات العامة، يفتشون المسافرين، يقومون بذلك منذ حصلت تلك التفجيرات المجهولة التي استهدفت حافلات المسافرين في دمشق، توقف القطار فجراً، ترجّل منه ركاب الرقة متباطئين بعد أن نال منهم عناء السفر، حمل حسن حقيبته وكتبه متجهاً إلى بوابة الخروج، وقف في الطابور.
يا حسن المشبع بنصوص القانون الدستوري، المخدوع بعدالتها، يا حسن النزق، لماذا اعترضت على تفتيشك بينما كنت تقول للوحش الذي أمامك ساخراً:
إنها كتب، مجرد كتب لطالب جامعي وليست متفجرات، رد عليك يومها:
أنت واحد كلب.
سحبوك للسيارة مثل خروف برفقة أحد التماثيل، قادوك إلى مقرهم، صفعوك، شتموك بأمك، سخروا من مرافعتك القانونية الأولى وأنت تتلو عليهم حقوقك القانونية، ثم منّوا عليك أن أفرجوا عنك وقالوا: “احمد ربك أنها انتهت هكذا”.
دخلت أم حسن الغرفة حاملة إبريق الشاي وجلست على طرف الفراش الصوفي بينما كان حسن الصامت منذ ثلاثة أيام، حسن الذي يوشك أن يتقيأ القهر وهو واجم يحدق بالسقف، أيقظه صوت أمه بعد أن صبّتْ له الشاي من شروده “مْنتَ على بعضك من جيت! خايف ما تتخرج وليدي!”
نظر حسن إلى أمه وقد طفحت روحه بطوفان من الانكسار، عيناه تغالبان دموعاً أبت النزول منذ تلك الحادثة:
-“يمااااه، وانكسرت بوابة الصمت”.
-“ها وليدي…”
وارتمى رأس حسن إلى صدر أمه، تحولت رائحتها إلى فضاء واسع يستنشق منه عبق حلمٍ مكسور، يغصُّ بكلماته المخنوقة، يتقيأها كأنها حجر وهو يروي لها ما حدث له فجراً.
تحول صدرها لمأمن محروس من غيلان تطارده، ودموعها تنزل على شعره بصمت، تحيطه بذراعيها بعد أن عاد طفلاً ولا مكان يأويه غير هذا الصدر.
2
كان لا بد من رحلة صيد أخيرة قبل أن يلتحق حسن بوظيفته الجديدة كقاضٍ متدرب في حلب الهاربة حديثاً من الموت والحصار، ثلاث سنوات مرّت عقب التخرج حتى تحقق حلم أم حسن لكي تدعوه بسيادة القاضي بدلاً من /الازداز حسن/
البحيرة ساكنة والشاخوف يتهادى على لجين الماء، يجلس حسن مع صديق طفولته ابراهيم وبينهما صندوق من الخرطوش وكل منهم يضع بندقية الصيد إلى جانبه، بينما كان حمود صديقهم الثالث يجدّف نحو الحافة الصخرية العالية التي يلجأ إليها الحمام البري عند المغيب، قال حمود:
“يجب أن نصل قبل أن ترتمي الشمس، فالحمام يبدأ بالعودة إلى أعشاشه في هذا الوقت ويجب أن نكون جاهزين”.
وصلوا الحافة وانتظروا أسراب الحمام العائد.
-“ليس الآن”، قال إبراهيم وهو ينظر لأعلى الحافة:
قليلاً ويجتمع الحمام.
حانت اللحظة، فتحوا النار من ثلاث بنادق صيد على أسراب الحمام الذي اتخذ من الحافة الصخرية ملاذاً، عشرات من الطيور الفضية تسّاقط في الماء محولة فضية لونها إلى أحمر.
-“مجزرة”، قال حسن وتوقف عن إطلاق النار، لأول مرة يشعر أنه سفّاح وليس صياد حمام.
قاتلٌ أنت يا حسن، أيها القاضي الذي يقتل الحمام.
انتهت المجزرة، جمعوا الطيور المذبوحة في قاع المركب، قال حسن: خذوا حصتي، ويحرم علي الصيد من اليوم فصاعداً، قالها متكئاً بجسده النحيل على طرف المركب، لم يلحظ أحد دموعاً حبيسة في عيونه وهو ينظر لكومة الحمام الغارق بالدم.
3
في حلب، المدينة المكلومة حديثاً كما تقول جدرانها التي خمش الرصاص وجهها، يجلس حسن في مكتبه، ينظر بوجوه المراجعين، عيون مكسورة، وظهور محنية، وكلام كثير تكتمه الصدور، لكن ضجيجه أعلى من أن يُحتمل.
قبل انقضاء سنة التدريب الأولى تدخل سيارة جيب عسكرية إلى ساحة القصر العدلي، ينزل منها ثلاثة يشبهون التماثيل الذين يعرفهم حسن جيداً.
-“المعلم يريدك”، جملة نطقها رئيس الدورية، تختصر قصة طويلة مكررة تمتد على مساحة البلاد.
لا تسأل يا حسن عن السبب، هنا أنت تخالف لا منطق القصة، قصة آلاف قد سبقوك إلى نفس المصير، ربما كلمة خرجت منك ودوَّنها أحدهم ليثبت محبته للوطن، ورقة بيضاء يكتب بها أحدهم ما يشاء كافية لمحو اسمك من قائمة المواطنين الأخيار، أو ربما لاحظتْ عينٌ ما تعاطفك مع الرجل الذي روى لك كيف أعدموا ولده بالرصاص حين خالف منع التجول أثناء بحثه عن الخبز، في بلاد اللا يهم لا تبحث عن المهم يا حسن، النتيجة واحدة، مجرد ورقة بيضاء سوّدها أحدهم ستنقلك إلى برزخ الغياب.
4
حتى روحك انطفأت هنا كما جسدك يا حسن وأنت ملقىً منذ سنوات في زنزانة معتمة مع كومة من رجالٍ يشبهونك بشحوبهم، وقصصهم وأحلامهم المهشمة، هياكل عظمية تسترها أسمال بالية، وعيون غائرة في محاجرها تبحث عن اللاشيء في أيام يستوي فيها الليل والنهار.
كنتَ تعرف الليل فقط حين يفتح الحارس الليلي نافذة السقف الحديدية التي تشبه كوةً لعنبر قذرٍ في سفينة قراصنة تائهة.
يُطلُّ بوجهه المتحجّر من تلك الفتحة، يحييكم ببصقة، كنت تسميه جلاد السقف، تقول لشركائك: تكمن مهمة هذا الكائن بجلد أرواحنا ببصاقه وشتائمه، إنّه يأخذ حصته من أرواحنا كما يأخذ غيره حصته من لحم ظهورنا.
الحسنة الوحيدة لجلاد السقف إنه حين يفتح تلك الكوة، يتظاهر حسن بالنوم، ويترك فتحة في البطانية يرى فيها جزءً من السماء بقدر ما يتيحه الفراغ في تلك الكوّة.
هذا الصباح نسيَ جلاد السقف إغلاقها فكانت نصف مفتوحة وهي تستند على عارضتي الحديد.
حدثٌ عظيم هذا اليوم، الجميع ينظر لجزء السماء الذي تسرّب لعيونهم الجائعة لتلك الزرقة، غفلة الجلاد صنعت هذه المعجزة، السماء اليوم تشبه بضاعة مهربة من تلك الكوة.
عصر ذلك اليوم استيقظ الجميع من قيلولتهم على صوت خفقان أجنحة فوق رؤوسهم، تلاقت الأعين المذهولة وهي تعاين عن يقين حمامة جاء بها القدر من نافذة السماء تلك.
قال أحدهم: معتقل جديد، ضحكوا إلا حسن وقف قائلاً: باسم الشعب العربي في سورية قررت أنا القاضي حسن إطلاق سراح ابنة السماء.
تعبتِ الحمامة، أمسك بها حسن، وطلب إلى الجميع أن يصنعوا بأجسامهم هرماً للوصول إلى فتحة السقف، تسلق حسن الهرم البشري ممسكاً بالحمامة الفضية، عبرت كفّاه النافذة، أطلق الحمامة نحو السماء.
تلك الليلة يا حسن رأيت نفسك وحيداً في باحة المعتقل ذات الجدران العالية، وسربُ حمام بريّ يحلّق فوق رأسك، طار حولك طويلاً، وهو يصنع دوامة من مئات الطيور، ثم غادرك متجهاً نحو دياره البعيدة، قرب بحيرة ذات ضفاف صخرية شاهقة.
مجلة أوراق/ 25
