كتاب عن الهوية والحرية
“نحن الحصان الأبيض، ولا يجب أن ننتظر أحدًا سوى أنفسنا.”
تُقدَّم مذكرات روز ماكجوان “شجاعة” بوصفها شهادة شخصية وبيانًا نسويًا في آن واحد، فهي تكشف عن الكراهية المتجذرة تجاه النساء في هوليوود وتروي قصة نجاتها من الاعتداء الجنسي، كما تدعو إلى مقاومة جماعية ضد البنى الأبوية التي تحكم صناعة السينما العالمية. تكمن أهمية المذكرات في الفكر النسوي في قدرتها على الربط بين الصدمات الفردية وأنماط أوسع من القمع الجندري مع إصرارها على المساءلة والتضامن، وقد صدر الكتاب عام 2018 ليشكل رواية صريحة عن تجربتها مع كبرى شركات الإنتاج السينمائي في العالم، وفي أهم فضاءات الفعاليات الفنية المرتبطة بأسلوب الحياة البراقة والنجوم والشهرة!
وُلدت ماكجوان وقضت طفولتها المبكرة في فلورنسا بإيطاليا حيث كان والداها عضوين في طائفة “أبناء الله”، وهي طائفة دينية مثيرة للجدل اشتهرت بقواعدها الصارمة وتلاعبها واستغلالها للأفراد، وقد تميزت طفولتها هناك بتشكّل الهوية والميول الجنسية والحرية، وهي مواضيع ربطتها لاحقًا بنقدها النسوي، وفي نهاية المطاف تمكنت من الفرار مع عائلتها لتستقر في مدينة صاخبة مثل لوس أنجلوس، حيث تركت تلك التجربة لديها وعيًا عميقًا بكيفية تجريد الأنظمة للأفراد من حريتهم، وهو الوعي الذي شكّل لاحقًا أساس خطابها النسوي في مذكراتها، إذ يتحول السرد إلى أداة مقاومة تربط بين التجربة الفردية والبعد البنيوي للقمع، وتُظهر كيف يمكن للذاكرة الشخصية أن تتحول إلى فعل سياسي يطالب بالتحرر وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية.
“قد تظنون أن ما يحدث في هوليوود لا يؤثر عليكم. أنتن مخطئات. يا عزيزاتي، من برأيكن يُشكّل واقعكن؟”
أثناء مسيرتها المهنية في هوليوود وصفت ماكجوان الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له من هارفي واينستين*، كاسرةً بذلك عقودًا من الصمت! والذي يمثل رمزية للانتهاكات الممنهجة في شخصية هارفي واينستين أحد رجالات هياكل السلطة الأبوية التي تنتقدها ماكجوان، حيث يستغل الرجال ذوو السلطة المطلقة النساء، ويُسكتون أصواتهن.
رغم ما عانته ماكجوان من صعوبات وتحديات أثناء رحلتها تلك، لكنها تُصوّرها على أنها هروب من طائفة (دينية) إلى أخرى (هوليوود)، قبل ان تتعرض للاستغلال، كانت تلك النقلة النوعية من فلورنسا إلى لوس أنجلس بمثابة الاصرار على البقاء والمقاومة وإثبات الذات رغم أن كلا السياقين يعملان وفق منطق الطائفة، حيث تُفرض الطاعة وتُقمع الذات الفردية، سواء عبر الدين أو عبر صناعة الترفيه.
هذا الربط يُظهر أن البنية الأبوية ليست حكرًا على مجال بعينه، بل هي منظومة شاملة تتكرر عبر مؤسسات مختلفة، من الطائفة الدينية إلى الاستوديو السينمائي، وإذ تُسلّط الضوء على كيفية اختزال هوليوود للمرأة إلى سلعة جنسية، وتجريدها من حريتها وقدرتها على التعبير عن رأيها، وبذلك تُصبح المذكرات Brave نصًا مزدوجًا، وتتحول الكتابة من صمت إلى كلام، ونموذج الضحية إلى النضال مؤكدةً أن صدمتها ليست حالة معزولة، بل جزءًا من نضال جماعي.
“كل ما يُميّزكن هو ما يجعلكن رائعات. سيحاول الآخرون تنميطكن لراحتهم… لا تُغيّرن من أنفسكن لتجعلوا الآخرين يشعرون بأنهم أفضل“
من خلال سرديتها تكشف ماكجوان كيف تُزعزع السلطة الأبوية استقرار المرأة، ثم تُشوّه سمعتها بسبب عدم استقرارها، وهي حلقة مفرغة لطالما حلّلتها النسويات ما يعني أن مذكراتها ليست نظرية مجردة، بل تجربة معيشية، تُظهر كيف تنبثق النسوية من الألم الشخصي والمقاومة، والتي هي بمثابة دعوة للعمل ضد الإساءة الممنهجة، وحث القراء على مواجهة التواطؤ والمطالبة بالمساءلة.
هنا تكمن أهمية كتاب “شجاعة” في ربطه بين الشخصي والسياسي، وهي سمة مميزة للفكر النسوي منذ سبعينيات القرن الماضي.
إنّ نبرة الكتاب الصريحة، التي تُوصف أحيانًا بأنها “غاضبة” أو “غير اعتذارية”، تُعدّ بحدّ ذاتها موقفًا نسويًا، رافضةً فكرة أن تروي النساء تجاربهنّ المؤلمة بأسلوبٍ مهذّب ما يميز كتاب “شجاعة” كونه سيرةً ذاتيةً وبيانًا في آنٍ واحد من جهة هو نصٌّ نسويٌّ يُصرّ على قول الحقيقة والمساءلة، ومن جهة أخرى يدعو للمقاومة الجماعية ضدّ الأنظمة الأبوية.
“منذ أن كشفتُ أنا والعديد من الناجيات الشجاعات عن تجاربنا، سقطت عمالقة كل الصناعات. لقد استعدنا نحن الناجيات قوتنا.. كلنا مهمات. كلنا ذوات قيمة. فلنحتفل بالحرية، حريتنا وحريتك. انطلقن الآن.”
تؤكد ماكجوان على ضرورة استعادة النساء لحريتهن، رافضةً انتظار “منقذين” كما تنتقد ماكجوان الإعلام والتأثير الثقافي، موضحةً كيف يتم تعزيز النظام الأبوي من خلال الاستهلاك اليومي. كما أن دعوتها للناجيات “لإطلاق العنان لقوتهن” هي بمثابة بيان تمكين شخصي وصرخة حشد نسوية جماعية كانت حافزاً لحركة #MeToo التي أطلقتها تارانا بيرك** في 2017 كوسيلة لدعم النساء الناجيات من الاعتداء الجنسي، لتقول لهن إنهن لسن وحدهن.
بعد نشر تحقيقات صحفية عن هارفي وينستين، كتبت الممثلة أليسا ميلانو تغريدة دعت فيها النساء إلى استخدام الوسم#MeToo ومشاركة تجاربهن. خلال أسابيع، استُخدم الوسم أكثر من 12 مليون مرة على منصات التواصل الاجتماعي، مما جعله حركة عالمية.
كان الهدف من حركة#MeToo كسر الصمت حول الاعتداءات والتحرش الجنسي وتمكين الناجيات من التعبير عن تجاربهن دون خوف مع المطالبة بالمحاسبة والمساءلة للمتهمين حتى لو كانوا شخصيات نافذة، ونتج عنها سقوط العديد من الشخصيات البارزة في مجالات الفن والسياسة والإعلام بعد كشف تورطهم في قضايا الاعتداءات. كما تم فتح نقاش عالمي حول ثقافة الصمت و”ثقافة الاغتصاب” في أماكن العمل بالإضافة إلى تعزيز التشريعات والسياسات في بعض الدول لحماية النساء من التحرش.
رغم ظهور بعض الأصوات التي رأت أن الحركة مرتبطة بـ “ثقافة الإلغاء” أو أنها قد تؤدي إلى أحكام متسرعة، لكن الدراسات أظهرت فيما بعد أن نسبة البلاغات الكاذبة عن الاعتداء الجنسي لا تتجاوز 2–10%، ما يعزز أهمية الإصغاء للناجيات.
ساهمت اتهامات ماكجوان ضد واينستين جاعلةً من مذكراتها عملًا سياسيًا لا شخصيًا فحسب إذ لولا مواجهة انتهاكات واينستين، لكانت مذكرات ماكجوان تفتقر إلى جوهرها النسوي حيث تتميز المذكرات بأنها مكتوبة بأسلوب غير منقح، وبإلحاح وغضب، لتعكس أصالة معاناة الكاتبة وبنفس الوقت هي مساحة للنضال.
*هارفي واينستين هو منتج أفلام أمريكي سابق أصبح رمزًا للفضائح الجنسية في هوليوود بعد إدانته بجرائم اغتصاب واعتداء جنسي.
**تارنا بيرك ناشطة أمريكية وقائدة رأي ساهمت في إعادة تشكيل النقاش العالمي حول العدالة والمساواة.
أوراق/ 26

Leave a Reply