/ 12/ 2024، هلسنكي
قومي… لك قومي تحررت حلب.
لوهلة، لم أستوعب ماذا يقصد شبح زوجي الذي بدا خفياً في العتمة، فقط كانت يده مرئية، وهي تهز كتفي، وصوته مزيجٌ من فرح وبكاء يجهش ويرنم: إي إي.. وصلوا ع حلب!
فزعتُ من مكاني، وتسمرت أمام التلفزيون مثل طفلة استيقظت من نومها لتتابع أفلام الكرتون المفضل لديها، ومثل تلك الطفلة اجتاحتني موجة بكاء مع فرح هستيري، وفي الوقت ذاته كنت أرغب بإيقاف كل تلك الانفعالات، كي أركز على الحدث المباشر والأهم على الإطلاق في نشرات التلفزيون!
دمشق صديق
قررت بسرعة، لدرجة أني لم أكلف نفسي عناء التفاصيل التي عادة ما ترهقني قبل السفر، ما يعنيني أنني سأزور سوريا فقط. لم تتوارد إلى مخيلتي المتخمة بالتصورات والخيالات، وبالناس وبالأماكن، ولم تخترق تلك السلسلة اللامتناهية من العناوين والأسماء أيّة تفصيلة لها علاقة بالصعوبات اللوجستية، أو بالميزانية التي اعتدت أن أرصدها في أسفاري الترفيهية!
لم تكن هذه الرحلة سفراً ترفيهياً، بل لم تكن رحلة بالمعنى التقليدي إطلاقاً. كانت أشبه بآلة الزمن في فيلم كرتوني، والطائرة التي أقلّتني بدت كأنها ستأخذني إلى الزمكان الماضي، إلى زمنٍ لم يعد كما كان، لكنه ما زال يسكنني. مرّ الأسبوع الذي سبق السفر إلى سوريا كأنه الأطول، مثقلاً بالتوقعات والحنين.
أتذكر دمشق التي زرتها آخر مرة في صيف 2008 برفقة أخي وأسرته، كانت زيارة سياحية لا أكثر. اكتشافاً لعاصمة لم تجذبني كما كانت تجذب قريناتي اللواتي كنّ يحلمن بالعيش فيها، لكن دمشق في 8 كانون الثاني 2025 كانت مختلفة تماماً، بدت كبيت العائلة السورية: مزدحمة، دافئة، مبتهجة، يغمرها فرح منكسر.
لم يسعني الفرح بلا دمعة تباغتني كلما نظرت إلى الأماكن التي أعرفها، وأسعدني أنها بقيت كما هي. لكن لا يمكن لأي زاوية أن تمر دون أن تروي حكاية حزينة، تختصر خمسة عشر عاماً من المأساة، وتردد صيحات الحرية التي التصقت بجدران الأبنية المدمرة وبقايا البيوت، صيحات لا يسمعها إلا السوريون والسوريات.
في ذلك اليوم، أطلقت “الحركة السياسية النسوية السورية” مؤتمرها الصحفي الأول في دمشق. التقيت زميلاتي اللواتي جمعتني بهن الغربة، وأخريات عرفتهن عبر العالم الافتراضي. لم يكن هناك فارق بين القادمات من عالمين مختلفين، سوى تلك الغبطة التي غمرت احتضاننا لبعضنا، كما لو كنا نسكن حياً واحداً من أحياء دمشق.
لكن غربة جديدة ما لبثت أن سكنتني بعد ثلاث ليالٍ في الشام. كان هناك شوق ينتزعني من دفء الصحبة مع زميلات النضال.
في صباح 11 كانون الثاني، انطلق بولمان الاتحاد من البرامكة نحو دوار الصاخور في حلب، حيث.. اللازمكان.
الطريق من دمشق إلى مدخل حلب كان مثيراً للقلق، مشوشاً، لا يخلو من التوجس والاضطراب. سمعت قصصاً لا تبعث على الاطمئنان، رغم الغبطة التي كانت تغمرني كلما اقتربنا من حلب. ربما لأنني كنت وحدي، وربما لأن الجو العام كان مختلفاً إلى حد جعلني أتحسس خطواتي، لا أرغب في لفت الانتباه إلى أنني قادمة من أقاصي العالم.
ما أثار حيرتي أن الحافلة توقفت عند حاجز قبل مدخل مدينة حمص. صعد شبان ملثمون، أكبرهم لا يتجاوز السابعة والعشرين، يرتدون بزات سوداء غير رسمية، غير متماثلة، أطلق عليهم اسم “الأمن العام”. ما جمعهم كان اللون الأسود، والجعبات التي تحيط بصدورهم، والأسلحة الرشاشة المعلقة على أكتافهم. اعتلوا الحافلة دون أن يلتفتوا إلى النساء، كانوا مهذبين، طلبوا البطاقات الشخصية من الرجال فقط، ولم يمض وقت طويل حتى أعادوها، واعتذروا عن التأخير.
راقبت بقية العناصر من نافذة الحافلة، يترقبون السيارات القادمة، كانوا فتياناً أثاروا عطفي، ذلك العطف الذي كان قبل دقائق قلقاً وترقباً. تساؤلات كثيرة راودتني، مثل ازدحام الشام، حرّضت بنات أفكاري اللاتي لم تهدأ منذ وصلت إلى سوريا.
“دوار الصاخور يا شباب، مين نازل هون؟” قالها السائق، لتعلن تلك العبارة بداية فصل جديد من الرحلة، حيث الذاكرة والواقع يتعانقان في مدينة لا تشبه إلا نفسها.
هَيْ وصلْنا ع حلب!
المنطقة الصناعية.. اسمٌ ظل يتردد في أذني منذ طفولتي، حين كان أهلي يذكرونه وكأنه عنوانٌ مألوف في ذاكرة الجماعة. هناك، على أطراف الدوار الذي بدا وكأنه نجا من الدمار، وقد فقد شيئاً من ملامحه، انتصبت الأبنية بانتظام صارم، كأنها جنود في صفٍ لا يعرف الفوضى. ومن بعيد، حيث امتد بصري كمن يبحث عن أثرٍ قديم، ظهرت الهياكل الإسمنتية مصطفةً بجانب بعضها بعضاً، تشبه أحجار الدومينو التي تنتظر من يلمس أولها لتنهار الذكريات دفعةً واحدة. وفي تلك اللحظة، رنّ الهاتف.. أخي يتصل من بلدٍ أوروبي، كأنما يربط بين زمنين ومسافتين، بين من بقي ومن غادر.
“الحمد لله ع السلامة أختي.. لوين أوصلك؟”
في الطريق، كان السائق يبادر بأسئلته المعتادة، تلك التي يوجهها غالباً للعائدين بعد غياب طويل.. وكم كان غيابي طويلاً، لا يقاس بالسنوات وحدها، بل بما تراكم فيها من تغيّرات وانكسارات. كنت أستمع إليه، لكنني في الحقيقة كنت غارقة في مزيج غريب من الذهول والغبطة والابتهاج، أراقب من نافذة السيارة كل مشهد على جانبي الطريق، كمن يحاول أن يلتقط الزمن بعينيه.
بعض الأماكن بدت كما عهدتها، واقفة بثبات كأنها تتحدى النسيان، بينما أماكن أخرى بدت كأنها مساكن أشباح، خالية من الحياة، لكنها مشبعة بالذكريات. وما إن دخلنا مشارف المدينة، حتى انهمرت الذكريات كوميضٍ خاطف، من أزمنة متباينة، بعضها يعود إلى أيام مراهقتي التي قضيتها متنقلة بين أحياء سيف الدولة وحلب الجديدة.
لم تكن تلك الأحياء مسكني، لكنها كانت مسرحاً لنشاطي الأول، حين كنت منتمية لاتحاد الشباب الديمقراطي، نخطط ونحلم وننظم فعالياتنا بعيداً عن أعين الرقابة، في مناطق حديثة النشأة، لم تكن بعد تحت المجهر الأمني.
عند وصولنا إلى دوار الجامعة، انفتحت أبواب الذاكرة على مصراعيها، وانتقلت بي الصور إلى تلك المرحلة التي امتزج فيها الكفاح بالدراسة، والشغف بالمعرفة. هناك، في قلب تلك السنوات، تراءت لي وجوه صديقاتي وأصدقائي، من مختلف التخصصات والصفوف، كنا كأننا فسيفساء بشرية، متنوعة المشارب والتوجهات، لكننا متآلفون في الحلم.
في الردهة المؤدية إلى كلية العلوم، التي كنا نختصرها بـ(ر-ف-ك)، كانت نقطة التقاءنا، تتوسط الكليات كأنها القلب النابض للجامعة، وهناك كنا نجتمع بمن لم نرهم صباحاً، دون الحاجة لهاتف أو رسالة. لم تكن الهواتف الجوالة قد غزت حياتنا بعد، لكننا كنا نجد بعضنا بسهولة، وكأن بيننا خريطة خفية من الود والاعتياد. رغم الزحام، كنا نلتقي أكثر، نضحك أكثر، ونحيا تلك اللحظات بكل ما فيها من دفء وانتماء.
وفي 2012 كانت آخر مظاهرة أحضرها هناك، تفاصيل هجوم عناصر الأمن وهم يخرجون من سيارة الفان البيضاء، ويطلقون النار على الحشد في المظاهرة السلمية. كانت أول مرة أشهد فيها سلاحاً يطلق رصاصاً حياً، التجأ بعضنا ممن استطاع الولوج إلى المكتبة على الشارع العام، تعاطف صاحبها معنا، فأغلق الواجهة الزجاجية لكن أحدهم صرخ فجأة (اتركوني هاد رفيقي اتصاوب… اتصاوب الله!!)
باغتني السائق بسؤاله/ هل أرغب بالتوقف في مكان ما؟ استغرقت لحظات لأستوعب أين وصلنا، لكن رائحة حلويات سلورة في حي الجميلية قطعت شكوكي، فطلبت منه التوقف. هناك، امتزجت صور الطفولة والدراسة الجامعية، والرائحة ذاتها ما زالت تأسرني.
مررنا بجامع الصديق، خالٍ من المصلين، تحيط به أبنية من زمن العثمانيين وأخرى ذات طراز أوربي مثل مشفى فريشو، الذي بقي على ما هو عليه لكن الكهولة نالت منه. كان حي الجميلية الذي بناه أثرياء حلب من مختلف الطوائف، طريق مدرستي وبيتي القديم، فاستيقظت ذكريات الطفولة.
في حي السبيل، لمعت قبة جامع الرحمن تحت شمس المغيب، كأنها تهمس بما مضى. اقتربنا من حي السريان، ومررنا بجسر 16 تشرين، حيث ذكريات لا تُروى. قبل الوصول إلى الأشرفية، اضطر السائق لإنزالي عند حاجز يمنع دخول غير السكان. هناك، اصطدمت الذكريات بواقع الحرب، وجوه مرهقة لنساء ببزات عسكرية. إحدى النساء بدت أنها المشرفة هناك، فتّشت حقيبتي المحشوة بتوتر، وكأنها تؤدي واجباً لا يسمح لها باللين أو التراخي، لم تكمل التفتيش حين أخبرتها أنني من خارج البلد، ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة، بدت كمن يحاول التوفيق بين المهمة والانسانية، وكأنها توحي لي بأنها لا تملك خياراً سوى الالتزام بما فُرض عليها، حتى وإن لم يكن التعامل الطبيعي متاحاً. تلك اللحظة، على بساطتها، حملت شيئاً من التفاهم الصامت، ثم أوعزت إلى أحد الفتيان الواقفين إلى جانبها أن يساعدني في حمل الحقيبة الثقيلة، وكأنها بذلك تستعيد شيئاً من هويتها الأصلية، وتمنحني عبوراً إنسانياً وسط واقع مشوه.

كان المساء مغطى بغبار رمادي، والأبنية العتيقة مثقلة بأسلاك الكهرباء، كأنها ستنهار.
الزحام يملأ الشارع، والناس يقتنصون رزقهم. أخطأت المبنى الذي تسكنه أختي، فكل الأزقة باتت متشابهة بما لحفها من دمار ولون قاتم. شعرت بالغربة، كما لو أنني دخيلة على حيٍ كان يوماً مألوفاً.
تحوّل الشوق إلى حلب إلى شعور بالقهر، إذ بدت الإجازة القصيرة هناك طويلة وثقيلة. كثير من الأماكن بقيت على حالها، لكن الانكسار تسلل إلى تفاصيلها، ليس فقط في الدمار الظاهر، بل في أعماقها أيضاً.
وحدهم الأطفال واليافعون والشباب كانوا النور وسط القتامة، يحملون الأمل بعزيمة لا تنكسر، جيل الحرب الذي لم يعرف غير هذا الواقع، فصار هو عالمهم الطبيعي.
صور الأحياء المدمرة بقيت عالقة، وبيتنا في الأشرفية كان من بين تلك الذكريات. كانت البيوت منفردة، لا عمارات شاهقة، لكن حين عدت وجدت الأبنية تعلو حوله حتى حجبت ضوء الشمس، والمكان بدا مظلماً ككهف مهجور، تتخلله فتحات في الجدران كشواهد على زمنٍ أثقلته الحرب.
خلال زيارتي لقبر أخي، في منطقة “حقل الرمي”، لاحظت كيف تحولت المقبرة إلى حقل زيتون تحيطه أشجار الزينة، وتساءلت: لماذا لا تُزرع مثل هذه الأشجار في المناطق السكنية أيضاً؟ الطريق الطويل إلى هناك مكتظ بالعشوائيات التي امتدت بعد 2011، والأبنية إما دمرتها البراميل أو الزلزال، تتجاور فيها أكوام الحجارة والقمامة بلا تنظيم.
في ساحة سعدالله الجابري، شعرت بالغربة بين وجوه لا أعرفها، كأن أهل حلب الذين كنت ألتقيهم قبل 2011 قد اختفوا. لم أعتد رؤية إقامة الصلاة في الساحة أمام تمثال الشهداء، ولا اللحى الطويلة التي توحد المارة بلون واحد مقلق.
الشمس في كانون الثاني كانت دافئة، وفي محطة بغداد استعدت ذكريات القاطرات ومحل البوظة بطوابيره المألوفة. مررت بمقهى النخيل، ملتقى الأدباء والنخب، فرأيت داخله رجالاً مسنين يشبهون المكان في هدوئه الكلاسيكي، فشعرت ببعض الطمأنينة.. على الأقل، هذا لم يتغير كثيراً.
في الأزقة الضيقة لشارع قسطاكي الحمصي بحي العزيزية، حيث كنيسة فرحات، والحياة التي بدت على حالها، استيقظت ذاكرتي على تفاصيل دقيقة من زمن مضى، وكأن الاستذكار كان نعمة أرحم من الحاضر.
الحاضر بصوره انفجر في داخلي دون سابق إنذار. لم أستدعه عن قصد، بل راودني من تلقاء نفسها، تسلل إلى ذهني كما لو أنه يعرف طريقه، ثم ما لبث أن تحول إلى لوحة عشوائية، غير مرتبة، زلزلت الذاكرة النائمة، وأيقظت فيها طبقة جديدة من الذكرى، لا تمت للأولى بصلة، ولا تربطها بها أي خيوط منطقية أو تسلسل زمني.
لكن ما جمع بين تلك الذكريات القديمة والجديدة كان أنا، وكانت حلب.
أنا التي احتفظت لها بكل صورها البهية في مخيلتي، بكل ما فيها من دفء وتفاصيل، وهي التي أظهرت لي وجهها الآخر، وجه الشقاء الذي لم أحتمله، رغم أنني كنت أظنني قادرة على ذلك.
لم يكن الشقاء في الأبنية المهدمة وحدها، بل في الأرواح التي تسكنها، في الشوارع التي فقدت ملامحها، وفي الأطفال الذين كانوا يلعبون بين ردهات الحطام، وكأنهم اعتادوا على هذا الواقع، وكأنهم وجدوا فيه مساحة للفرح رغم كل شيء.
مجلة أوراق/25
