الثابت في سلالة الإنسان، أو الهومو Homo، وأحدثهم سلفنا وجدّنا العاقل Homo sapiens أنه رسم على جدار كهفه، وخاطب الآخرين بالحركات، وكان قلمه حجرة صوان حادة يؤشر بها على جذوع الأشجار بضربات وأشكال ذات دلائل، كي لا يضيع في الغابة وهو يلاحق طرائده! وبهذه اللغة الشجرية كما شرحها “أرنست فيشر” كانوا يتواصلون.
بعد ملايين السنين تحورت خامة الصوت إلى تعبيرات مرموزة، ومن ثمّ إلى محكية، وبالمسمار والإزميل نقش “العاقل” وكتب.
عملية تطورية لا نعرف أمدها من آبدها؛ خربشات على عظام وقشور وطين ونباتات وبرديات وصحف وورق، انتهت إلى لغات ومخطوطات ومكتبات عامرة منذ آلاف مؤلفة من السنين.
مكتبة أهلي:
في جدار وصدر غرفة منعزلة، حفرتان وطاقتان مليئتان بالرفوف تحتويان على حوالي مئتي كتاب ومجلة، وستة أو سبعة أشقاء وشقيقات، هم الذين اقتنوا محتويات مكتبة أهلي البدائية. بقي في ذاكرتي، بمطالع خمسينيات القرن الماضي، وأنا في العاشرة من العمر، والصف الثالث الابتدائي، وفضولي في تقليب الورق والتدرب على قراءة العناوين، مجلة المختار (الريدرز دايجست) المنوعة الشهيرة، ومجلة الفصول ومروياتها عن تاريخ الحرب العالمية الثانية، ومجلة حواء المصرية.
ومن الكتب روايات إحسان عبد القدوس، وديوان رباعيات الخيام لأحمد رامي، واعترافات جان جاك روسو، وكتاب عن مهارة عمر الخيام بالرياضيات لعبد الحق فاضل (آقاي فاضل) ويبدو لي أنه فارسي!
وأهم كتابين مدرسيين وجدتهما في مكتبة أهلي، ولعلهما كانا لأحد أشقائي الذي توفي مبكرًا بمرض السل آنذاك، وترك دفترًا ينم عن موهبة كتابية واضحة وثقافة غزيرة، وقد رافقت هذين الكتابين زمنًا طويلًا، وهما “الزاد” و “الرائد”، وهما كتابان في تاريخ الأدب والشعر.
وكان من أبناء جيراننا طفلة جميلة من عمري اسمها “بثينة”، وفي بيتنا تتردد كلمة الحب ورسائل الحب وأسمعها ولا أعي مؤداها، وفي أحد هذين الكتابين المذكورين أعلاه، لمحت اسم الشاعر “جميل بثينة”، ونسخت من مطلع قصيدة له صدر بيت الشعر القائل:
أبُثَينَ إِنّْكِ قَد مَلِكتِ فَأَسجِحي ….
وسلمتُ الورقة بخط يدي لبثينة فسألتني: شكون هاي؟ وأجبتها: مدري!
وإلى اليوم لا أدري ولا أعرف معنى كلمة (أسجحي) ولا أستسيغها، ولا يهمني أن أعرف ما يعرفه غوغل والقواميس عن معناها، وأغلب الظن أن حب جميل لبثينة قد تعطل بسبب هذه الكلمة السمجة!
وللعلم، لم يكن هناك مكتبة في مدرسة عبد الرحمن الغافقي الابتدائية في دير الزور، وكيف يكون فيها مكتبة وسقوفها الخشبية ملأى بالأفاعي. وفرحنا ذات يوم حين قرر مديرنا “محتشم بقجه جي” أن نأخذ عطلة ونذهب إلى البرّية القريبة من المدرسة للعب كرة القدم، ريثما يخرجون الثعبان الكبير الذي كان يتلقى العلم والمعرفة معنا، وفي صفوفنا! لكن من حسن الحظ كان هناك مكتبة عامة تعير الكتب. وكنت أستعير الكتب التي ينصحني بها المسؤول عن المكتبة، وهو الذي اقترح عليّ قراءة الأوديسة، إذ قال لي يومها أنها قصة بوليسية فيها حروب، وأنها أجمل من قصص أرسين لوبين التي كنا نستأجرها من مكتبة “الركّاض” الخاصة بفرنكين.
نعم، قرأت الأوديسة وأنا في الصف الخامس، وكانت وزارة المعارف توظف حامل السرتفيكا الابتدائية للتدريس في الصفوف الابتدائية! فلم يكن هناك بلاي ستايشن وأتاري!
سنوات “الهوسات والسينمات”:
مثل كل العادات غير المتأصلة في النفس، انطفأت جذوة اهتمامي بمكتبة أهلي ومثيلاتها بعد حصولي على الشهادة الابتدائية، وانتقالي إلى دمشق لظروف عائلية خاصة، لإكمال تعليمي الإعدادي والثانوي في التجهيز الأولى، وهي الأرقى في سوريا.
في دمشق عشت في بيت عربي من طابقين تملكه عائلة عمّي، وعدد أفراد العائلة عشرة، وأنا الحادي عشر، حيث لا مكان لمكتبة في بيت مكتظ في السكان.
نسي قارئ الأوديسة تاريخه المعرفي الريفي، وانصرف إلى الملاهي بأنواعها، وعلى رأسها السينما. كنتُ كل يوم أشاهد فيلمًا، وأصبحت دور السينما ملاذي المكتبي، وفيها انتبهت نفسي لقراءة الدراما والروايات والقصص عَبرَ الصورة فحسب. ولأن التجهيز كانت أهم مدرسة في دمشق، أصبحت المظاهرات اليومية في أواسط الخمسينيات تنطلق منها. وفي أحضان السينما كفن، والهوسات والمظاهرات والإضرابات، ولعب كرة السلة ومتابعة كرة القدم، اكتفيت بقراءة الكتب المدرسية والنجاح من صف إلى صف.
وبعد هجر قسري للكتب والمكتبات استمر لأعوام، انتقلت أسرتنا من الدير إلى دمشق، ولحقتني مكتبة أهلي الأليفة إلى بيتنا الجديد، واختار أهلي أن يكون مكان المكتبة في غرفة نومي وقبالة سريري. يا للعظمة! وبدأت خطواتي الأولى في (تكويعي) من اللهو إلى اقتناء الكتب والقراءة الجادة دون إرشاد من أحد.
وآنذاك، صدر كتاب كولن ويلسون الشهير وعنوانه (اللامنتمي)، وقرأت مقالات عن سيرته الانفجارية في عالم الكتب والقراءة والكتابة والفكر. لقد أشعل هذا الكتاب شغفي بعالم الكتب. وكنت أتخيل نفسي في بيته الواسع الطبقات، والمزدحم بمكتبات موزعة بكل الغرف والأدراج والشرفات والزوايا، وهو يتنقل فيه وبيده مايكروفون ليؤلف كتبه بالصوت، لا بالنقر على أزرار الآلة الكاتبة، ومراجعه ومصادره مبثوثة في أرجاء المنزل كله. وهناك جدلية دائمة بين سعة المكتبة وقلم صاحبها، ومكتبة كولن ويلسون الحاوية لآلاف الكتب، أثمرت عن حوالي أكثر من مئة كتاب، وقرأت لأحدهم أن عددها 118 كتابًا.
وهكذا فعلتُ حين كبرت وتزوجت وغادرت بيت أهلي. لم اكتفِ بمكتبة واحدة في دمشق، بل بمكتبات عديدة صغيرة متفرقة في كل أرجاء وزوايا المنزل، ومحتويات كل مكتبة متخصصة: علوم، أدب، فكر، تاريخ، ثقافة عامة، نقد وترجمات. وفي مطبخنا مكتبة للشيف زوجتي!
وخلال إقامتي داخل شقق سكنية صغيرة كما في الرياض وفرنسا والكويت، أكتفي بمكتبة واحدة، وكراتين تخزين للكتب المقروءة والمبوبة. ومحاصرًا بشكوى زوجتي خلال 57 سنة: ألم تشبع من الكتب؟
مكتبات بين الخيال والواقع:
للمكتبات روح وتاريخ. تعيش وتنهض، وتموت وتُغتال. حيث استشهد البطل الإغريقي “أكاديموس” بنى “أفلاطون” مدرسته الأكاديمية ومكتبتها، ولم يكن يقبل في تلك الأكاديمية سوى المتفوقين في الرياضيات.
ومثل كل الظواهر العظيمة في تاريخ البشر، تحولت سيرة المكتبة تاريخيًا إلى أساطير، وهي لقيمتها الخيالية الرفيعة في الذاكرة الإنسانية، تستحق تلك البطولة.
فمن أعجوبة الإسكوريال الملكية ونوادر مخطوطاتها، إلى حريق مكتبة الاسكندرية الذي تكرر بين مخيالين ليوليوس قيصر وعمر ابن العاص، إلى تحول لون مياه دجلة والفرات إلى زرقة أحبار مئات آلاف الكتب التي أغرقها المغول في مياه النهرين، واختلطت بحمرة دماء الناس، إلى وفاة “الجاحظ” تحت أكداس كتبه ومخطوطاته، إذ تحولت المكتبة إلى أداةٍ قاتلة لئيمة. وفي مصر حريق مكتبة محمد حسنين هيكل الهائل!
لنترك المخيال البشري القابل لأكثر من تأويل، لأحدثكم باختزال عن المكتبات الشخصية لبعض أصدقائي الحميمين والجديرة بالذكر.
تعتبر مكتبة الأديب والروائي الكويتي “طالب الرفاعي” العامرة هي الأكثر تنظيمًا وترتيبًا وتبويبًا، لأنه استعان بمتخصصين في علم المكتبات والأرشفة لتنضيد كتبها، وفي فضاء دارته الواسعة، كنا نختار المكتبة للجلوس والحوار، مستأنسين برائحة الكتب الزاخرة بالمعاني.
أما المكتبة الأكثر اتساعًا في المساحة والامتداد التي وطأتها قدماي، فهي مكتبة الأستاذ “عبد العزيز السرَيّع“. طابق تحت أرضي كامل من مساحة الفيلا التي يسكنها، مليئة بالرفوف المتناسقة والممرات المحددة، يحتاج المرء فيها إلى ساعات للنظر فحسب على مصفوفات الكتب بعناية. إنها على طراز المكاتب العامة في بيت أديب وكاتب وأحد رواد الحركة المسرحية في الكويت.
وحديثي عن مكتبة الروائية والأديبة الكويتية الشهيرة “ليلى العثمان” مجبول بواقع أرفع صداقة ربطتني مع كاتبة في تاريخي الشخصي والأدبي، فالسيدة “ليلى العثمان” حرصت في دارتها العصرية أن تحتل مكتبتها ركنًا أصيلًا مكشوفًا من صالون بيتها الفسيح. ومكتبها الأنيق الصغير الذي جلست خلفه لكتابة خاطرة لإحدى الصحف الكويتية شغلني عن التركيز الذهني. ولا أبالغ إن قلت عن أناقة وجمال مكتبتها أنها مرآة صادقة لإحدى أكثر السيدات أناقة وحضورًا في الكويت. وكنت أستعير من هذه المكتبة الروايات العربية المبكرة التي لم تتكرر طباعتها.
أما الحديث عن مكتبة أحد أصدقائي فذي شؤون. فهاجس اقتناء الكتب وصل عنده إلى حدود الهَوَس. لا حصر لعدد الكتب، ولا حصر على الإطلاق لمساحة مكتبته. وليس هناك مكان للجلوس في بيته، لأن كامل البيت صار مكتبة. بقي مكان لشخصين في الشرفة المكتظة في الكتب أيضًا، ومنضدة صغيرة لوضع فنجان القهوة الألمانية التي يجلبها معه من ألمانيا في زياراته السنوية المعتادة لدمشق.
ومنذ ثلاث او أربع سنوات قرر إخلاء البيت من آلاف الكتب ويقدمها هدية للمكتبة الوطنية المركزية بدمشق، على شرط أن تكون في جناحٍ خاص يحمل اسمه، ويبدو أن قبول الهدية يحتاج إلى إجراءات. لكن في هذا البيت/ المكتبة، يصعب جدًا الحصول على كتاب في هذا الركام من الكتب الذي احتاج إلى سبعين سنة متواصلة ليحتل بيتًا من الباب للمحراب.
ومن المكتبات الشخصية الفاخرة كيفًا وكمًا لمسؤول ديري كبير (لا ضرورة لذكر الاسم) دعانا بعد إقصائه من منصبه الرفيع إلى فنجان قهوة، وبدا لنا جميعًا أن لا أحد لمس نافذة من نوافذ المكتبة الزجاجية اللامعة في الغرفة التي جلسنا فيها، والتي لا تحتوي إلا على مجلدات كتب بألوان براقة، وبحروف مذهبة للعناوين وأسماء المؤلفين، وأحجام المجلدات متناسقة، وأن المكتبة للفرجة والديكور في بيوت الأثرياء، وأصحاب المناصب.
وسمحت لي الظروف لزيارة مكتبات بسيطة لقامات فكرية عالية الشأن غير التي ذكرتها أعلاه، ففي زيارة لبيت المفكر الكبير “د. طيب تيزيني” برفقة الشاعر السوري علي كنعان، طلبت من أستاذنا كتابًا لعبد الرحمن بدوي برسم الإعارة، فغادر الجلسة ووضع سلّمًا وصعد إلى سقيفة للبحث عن الكتاب. بعض كتب المفكر الكبير مخزنة في السقيفة!
ومكتبة المؤرخ الكبير (د. شاكر مصطفى) على شرفة بيته الواسعة، وهناك السلّم الصغير لتناول الكتب في الرفوف العالية، وأحد أحفاده هو القيّم على المكتبة لخدمة جدّه. وتفحصت العديد من المكتبات لأدباء من أصدقائي مُحاطة بالاهتمام، لكن أقلام أصحابها عززت مكتبات آلاف القراء.
خاتمة:
بعد فقداني لكثير من المكتبات التي تعبت وشقيت لإنشائها، ومنها فقداني لمكتبتي في فرنسا الحاوية على كثير من الكتب الممنوعة في الدخول إلى سوريا في الثمانينيات، وفقداني لمكتبتي الكبيرة في مزرعتنا بسبب الحرب، وفقداني لمكتبتي الكويتية التي تبرعت بكل كتبها لمدارس البصرة، لأن مكتبات من أعرف بالكويت متخمة بالكتب.
وفي رؤية مستقبلية أوشكت على التحقق، يبدو جليًا أن الكتاب المسموع، والمقروء إلكترونيًا، سيحفران القبر للكتاب المطبوع، وبالتالي سيشارك العالم في جنازة المكتبات.
لقد أرسل لي صديق حميم من السعودية يعمل في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، هدية ثمينة هي مكتبة عربية متكاملة في شكل قرص صلب Hard Disk يحتوي على 45 ألف كتاب متنوع.
كما أهداني الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت الأستاذ “بدر الرفاعي” قرصًا سي دي CD يحتوي على نصف إصدارات سلسلة عالم المعرفة، ويعتبر القرص المحمول بالجيب مكتبة كاملة مكملة. وصار القرص فيما بعد متاحًا للتحميل المجاني من شبكة الإنترنت.
صحيح أن جيلي ما يزال يعشق الكتاب الورقي مع سبق الإصرار، ويتباهى بالمكتبة وعلو شأنها، لكن مكتبات أحفادي الجامعيين هذه الأيام في حواسيبهم المحمولة! وقصص الخيال العلمي ترى بعين الطموح العلمي الثوري انتهاء عصر القراءة، وأن الغد البعيد قد يتيح حقن نص كتاب كامل أثناء نوم المرء خلال لحظات قليلة في الشريحة النانوية المزروعة في الدماغ. وعصور الغد البعيد ستحمل نظرية استزراع الفكر والثقافة، وولادة (السوبر مان) الذي بشّر به “نيتشه” دون تحصيل مدرسي معرفي!
أوراق/ 26

Leave a Reply