نجيب كيالي: فيلسوف حارتنا أبو ضحكة حلوة

إنه يختلفُ عن كل الرجال في حارتنا، ففوقَ وجهه دوماً ضحكة أو ابتسامة، تجعلكَ تحبُّ الدنيا عندما تراه، بينما الآخرون لا يبتسمون إلا مرةً في الأسبوع، وقد لا يبتسمون أبداً.

كان في العَقد الخامس مَزَّاحاً، خفيفَ الظل، وقد أطلقنا عليه في الحارة اسم: إسماعيل ياسين اقتداءً باسم الممثل المصري المعروفِ بخفَّة دمه، معَ أنَّ إسماعيلَنا يختلف شكلاً عن إسماعيل مصر، وله أيضاً طُربوش يهزُّ شَرَّابتَهُ هزَّاتٍ مرحة.

في طفولتي- وهو يجلس مع والدي على كرسيين من القَش أمام بيتنا- كان يُخيَّل إليَّ أنَّ في قلب طُربوشه خزَّاناً من الضحكات، وهي تنزل لفمه من خلال أنبوب داخلي رفيع، فأتمنى لو أن لي أنبوباً مثلَ أنبوبه، وطُربوشاً مثلَ طُربوشه.

سأحكي لكم حكايتين عن العم إسماعيل الذي نناديه أبو جلال.

الحكاية الأولى:

بعد وفاة والدي ببضعةِ أشهرٍ جننتُ وتزوجتُ، يقول العقلاء: لا بدَّ من نوبة جنون لِتُـقْدِمَ على هذه التجربة. وجدتُ نفسي أقع على أُمّ رأسي في جُورةٍ كبيرة تشبه الجُوَرَ الكثيرةَ المحفورةَ في طرقات بلدنا، والتي تتأخر البلدية في معالجتها، فيقع فيها بعضُ العابرين! العروس لا بأس بها، لكنَّ الغلاءَ ذئبٌ يعضُّ يدَكَ عندما تأتي لتشتري أيَّ شيء، عضَّاتُه لا تتوقَّف ما دمتَ في السوق! وأنا صرتُ مسؤولاً عن أمي، وزوجتي حامل تحتاج لثياب حَمْل وتغذية، بينما دخلي يأتي بالقطَّارة من أعمال متقطعة أحصل عليها بعد عناء.

متجهماً مُبَوْزِماً كنتُ ذاتَ عصر، زفراتي تخرجُ من فمي، وتلذع أطرافَ شواربي فالتقيتُ به، وعلى وجهه نورُ ابتسامته الأبدية. ابتسامتُهُ هذه صارت مفهومةً عندي أكثرَ في سن الشَّباب، إنه يحبُّ الحياةَ لاشكّ، لكنه أيضاً يُرقِّع بالبسمات والضحكات عمراً متعَباً مهترئاً، فقد اشتغلَ العم أبو جلال بعشرات الأعمال، فربحَ، وأفلس، وتدهورَ حالُه، ثمَّ وقف من جديد، وأفلس من جديد، غيرَ أنه لم يرفع رايةَ الاستسلام، ظلَّ يطرقُ الأبواب راكباً حمارَ الصبر، كما يقول، صائحاً به: حَا، وَلَكْ حَا، وهو يعلن في كل مناسبة: الدنيا أبخلُ البخلاء علينا بالسعادة، فاضحكْ يا بني آدم، وأزعِجها، فرفشْ، وافلقْها، غافِلْها وانهبْ ما في خزائنها من كيفٍ وطمأنينة، ومسرَّات. لهذا وجدتُ نفسي أصفُه بأنه فيلسوفُ حياة، فيلسوف عملي خِريجُ مدرسة الشَّحشطة والتعتير.

ما كاد يرآني حتى قال:

– بسيطة وَلَكْ عين عمك، نص المية خمسين. رُوْقْ. برحمة أبوك، رُوْقْ.

جاءَهُ صوتي جافاً: صعب. الدنيا خوزقَتْني.

دار حولي ضاحكاً: لا أرى في قفاكَ أيَّ خازوق، أنتَ تُكبِّر المسألة.

ابتسمتُ دونَ إرادتي، فإذا به يقول: والدواء، هل أخرجتَهُ معك من البيت؟ هل جرَّبتَهُ؟

ابتسمتُ مرةً ثانية دونَ إرادة، فالدواءُ الذي يقصده لا علاقةَ له بأدوية الأطباء، إنه الكلمة المؤلفة من طاء وزاي (طز)، يُسمّيها: دَوَا الهَمّ، ويوصيني حين خروجي من البيت أن أضعَها في جيبي أولاً، قبلَ النقود، والهوية الشخصيَّة، ومفاتيح الدار!

قلت: جرَّبتُ الكلمة إياها، فلم تنجح، ولم تنفع. الطز يا عمَّنا لم تعد فعَّالة مع ما نعانيه هذه الأيام!

أمسكني من كتفي قائلاً:

– يا روحَ عمّك، جرّبها مرةً ثانيةً، وثالثة. الطز قد لا تزبط من أول مرة، هي مثلُ القدَّاحة قد لا تشعل من القَدحة الأولى.

الحكاية الثانية:

إثرَ أحداثِ ثمانينيات القرن الماضي العنيفة المؤلمة في سوريا، وهذه وقعتْ بين الحكومة وخصومِها الإخوانيين، ساءت الحالةُ المعيشية للعم أبو جلال، فاحتملَ واستعانَ بدواء همومه المفضَّل، فكان يُطَزْطِز، لكنَّ طَزْطَزاتِه قد تنتهي بغصّة أو دمعة!

يومئذٍ استغلَّ الديكتاتور الكبير التوترَ الحاصل، فشمَّرَ عن زنده، ووضع البلدَ كلَّه في طنجرة الضغط الأمني! راحَ يَسلقُ الناسَ، ويفصص عظامَهم في الفروع الأمنية، ثمَّ سلَّط بعضَهم على بعض، فظهر بعبع لا مثيلَ له يتجوَّل حراً في كل مكان، ولا أحدَ يجرؤ على التصدي له، إنه التقرير الأمني! ولكثرة هذه التقارير علَّقَ عليها إسماعيل ياسين حارتِنا هَمْساً:

– ما شاءَ الله، خَزِيْتْ العين، يصير منها لو جُمعتْ برجٌ أطولُ من برج إيفل، قولوا لفرنسا: ما حدا أحسن من حدا، وباريس مَربط خيلنا.

لم تعد صناديقُ البريد تزدحم برسائل العشاق، ومكاتيبِ الشوق للغُيَّاب، وإنما بتقارير الكَيْد!

صار الجار إذا انزعج من جاره يَنْتُرُهُ تقريراً!

التاجرُ إذا نافسَهُ آخَرُ ينتره تقريراً!

معلمةٌ تتضايقُ من مديرة مدرستها، فتداويها بتقرير!

باعةُ العربات يتشاجرون على أماكن وقوفهم في السوق، فيشحذون تقاريرهم!

الطفل إذا تأخرت أمه عن إرضاعه ينظر إليها شَزَراً، وكأنه يهددها بتقرير!

وفي صندوق بريدٍ واحد قد يلتقي تقريران من خصمين ذاهبان إلى جهة واحدة، فيتبادلان نظراتِ الوعيد!

في هذا الجو الذي يشبه أجواء رواية 1984 لجورج أورويل وقعت حادثة لجارنا إسماعيل، ستقشُّ عناقيدَ الضحكات عن دالية فمه.

كتبَ أحدُ اللئام تقريراً في ابنه جلال، من النوع الذي لا يداويه حكيم، كما يقال، وعندما جاءت الدورية للقبض عليه هربَ من السَّطح، فضربَ عناصرُ الدورية أباه الذي تجاوز السبعين، واعتقلوا بدلاً عنه أختَهُ الصبيَّة القمُّورة دلال التي تدرس في الجامعة/ قسم الهندسة!

حاول الأب إخراجَ ابنته البريئة، فلم يفلح!

دقَّ كلَّ أبواب الرجاء، وتمرَّغَ على عتباتها، فلم يفتح أيُّ منها!

سافر إلى الشام، واللاذقية، وعاد بخفي حُنين!

بعد ثلاثةِ أعوام من الحادثة التقيتُه محطَّماً، وقد اختفى طربوشُه وضحكاتُه! أدخلتُه إلى بيتنا، ومع الشَّاي الذي شربه بصعوبة أفضى إليَّ بخبرٍ صاعق أنهم اغتصبوا ابنته في المعتَقل، وصار لها ولد!

هجمتْ عليَّ الغُصَّاتُ من كلّ ناحية، فلم أنبس ببنت شفة.

في بيت جارنا إسماعيل أخذنا نسمع في الأيام التالية أصواتَ تكسير صحونٍ وألواحِ زجاج، فقد وقعَ الرجل في مَهبّ نوباتٍ عصبية كثيرة، ومرةً، اندفعَ خارجاً من منزله ليلاً بعينين ملتهبتين، تسلَّلَ نحو تمثال الديكتاتور الكبير المقامِ في رأس الحارة أنزل سحَّابَ بنطاله، وأفرغَ ما في جوفه هناك، وتحت عبارة: عظيمُنا إلى الأبد

كتبَ: سافل إلى الأبد

وأضافَ بلونٍ أحمر: طز بمعاليكم.

اختفى بعدها لا ندري ما حلَّ به، ولمَّا أتى رجالُ الأمن، وطمسوا عباراتِهِ بالدهان بقيَ نصفُ حرف الطاء ظاهراً، مطلِّاً من خلفه وجه رجلٍ يهزأ بكل شيء.

*خاص بالموقع

Share:

You Might Also Like