نافذ سمان: المجلس الإسكندنافي والديمقراطية اليونانية

إنه لمن المجحف القول بداية: إن الديمقراطية كانت اختراعًا ولد في التوّ واللحظة. وحقيقة الأمر أن الديمقراطية، وككل المعارف البشرية ومراحل تطور التفكير البشري الباحث عن الحلول، كانت ردة فعل، وحل لمشكلة أوجدها عصر التغطرس والاستبداد اليوناني خلال العصر القديم (٧٠٠-٤٨٠ ق. م).

بعد دعوات عديدة لمشاركة أكبر عدد ممكن من المواطنين في الحكم والإدارة، جمعت أثينا عام 508 ق. م نحو ستة آلاف رجل في ساحة عامة لاتخاذ القرارات المهمة حينها وعلى أساس التصويت والإدلاء بالرأي وتقديم المقترحات.

على المنقلب الآخر، يكاد لا يعلم أحد شيئًا عن نظام المجالس المحلية السيادية الإسكندنافية، والتي نجد أقدم ذكر لها في أعمال المؤرخ الروماني تاسيتوس منذ عام 98م، إذ كانت نظامًا جدَّ قديمٍ لترتيب العلاقات بين الأفراد الأحرار في المجتمع على المستوى السياسي في شمال غرب أوروبا.

إن نظام المجالس الذي كان مُتّبعًا في الشمال الغربي الأوروبي، لم يكن لينبثق فجأة من التاريخ من دون مقدمات، بل هي ظاهرة تطورية استهلكت ما يقارب ألف عام لتصل إلى صورتها في ذلك الوقت، وهي لا تزال تحتفظ بجذورها في المجتمعات الإسكندنافية الحديثة، حسب البروفيسور النرويجي تورغريم تيتلستاد والذي سنعتمد على خلاصة بحوثه غير المترجمة إلى العربية بعد، فيما يلي من مناقشة.

يرى تيتلستاد أن نظام المجالس صمد منذ وقت الهجرات الإسكندنافية إلى الداخل الأوروبي، منذ عصور الفايكنغ، وحتى دولة العصور الوسطى وفترة التوسع الدنماركي وما بعدها، وحتى أيامنا هذه. 

على منقلب آخر، يقول تيتلستاد: إن نظام الديمقراطية اليونانية كان يتمتع بلمسة ثورية، فقد نشأ في عهد كلايسثينس سنة 508 ق.م بعد سقوط نظام الطغيان اليوناني. ذلك النظام الديمقراطي استمر بعدها إلى نحو المئة وخمسين عامًا، ثم اختفى بعدها ولم يظهر مرة أخرى إلا بشكله الجديد في القرن التاسع عشر.

يقارن تيتلستاد نظام المجالس الإسكندنافي بالديمقراطية المباشرة اليونانية من حيث إن كل منهما نظام يتعلق بتمثيل الناس في العصور القديمة جدًا، وبرغم أن النظامين قد حُرِم من مزاياهما كلّ من العبيد والأقنان، إذ كان الرجال الأحرار فقط من يعنيهم كلا النظامين، كان للنساء بعض التأثير في نظام المجالس الإسكندنافي مقارنة بالنساء تحت ظل نظام الديمقراطية اليوناني. علاوة على ذلك، كان نظام المجالس الإسكندنافي ذو استمرارية فريدة من نوعها، ففي حين جمع الأثينيون نحو ستة آلاف رجل في تجمعهم الديمقراطي في ساحة بنيكس فقد كان نظام المجالس الإسكندنافي هو عبارة عن تجمّعات صغيرة للمعنيين بالأمر.

إن هذا يُظهر أن نظام المجالس الإسكندنافي أعطى خيارات أوسع وأشمل للممارسة الديمقراطية. إن وجود ستة آلاف شخص في تجمّع واحد يؤدي بهؤلاء للوقوع بسهولة في فخاخ الديموغوجيين والمتفوهين البليغين من السياسيين، في حين أن تجمّع ما لا يزيد في الأغلب عن مئة رجل، يعطي الفرصة الأكبر لممارسة كلّ منهم حقه في إبداء الرأي والدفاع عنه، هنا نرفع صوتنا ونؤكد أنه بحق أن أول ديمقراطية مباشرة قد تم تطبيقها بنحو دائم، وُجدت في الدول الإسكندنافية.

أصبحت كلّ من “غولاتنغن” و”فروستاتنجن” و”آيدسيفاتنغن” فيما بعد من أهم التجمعات الديمقراطية. لم يكن النرويج قد أصبح مركزي الحكم بعد، إذ لم يكن هناك لوجود ملك واحد يوحّد تحت سيطرته كلَّ البلاد، لذا كان أقسى ما وصل إليه نظام المجالس الديمقراطي هو التجمعات السنوية في كل منطقة على حدة، ربما إلى حدود القرن التاسع.

تم حفظ القوانين في الذاكرة ودون تسجيل أو توثيق إلى حدود القرن الحادي عشر.

لحفظ القوانين ومراقبتها، كان يتم تلاوة ثُلث القوانين كلّ عام أمام مترأس المجلس لمراجعتها ومراقبتها. عندما تم تدوين القوانين في القرن الحادي عشر، أدى ذلك إلى تقليص صلاحيات مترأس المجلس في مراقبة القوانين، وذلك لتوفرها مكتوبة، فانتقل الامتياز، من مترأس المجلس الذي يحفظ ويراجع القوانين، إلى ذلك الذي يُحسن القراءة وذلك تحت إشراف الملك والكنيسة، ومن المثير أن نذكر هنا، أن بعض القوانين الإسكندنافية تُشكّل بعضًا من أقدم مجموعات القوانين في أوربا المسيحية.

لم تكن مهمة الكتابة الوحيدة هي الحفاظ على المعرفة فحسب، بل كان وسيلة الملكية المسيحية للقضاء على الثقافة السياسية الوثنية القديمة القائمة على الشفهية.

من غير المعروف تأكيدًا إلى أيّ مدى كان نظام الشفهية يعمل في الماضي، ربما لم يتم تطوير هذا النظام بعد موسم الهجرات بشكل أكبر مما كان التطوير بعد بداية عصر الفايكنغ في القرن التاسع، ومع ذلك فمن الغريب أنّ نظام الملكية الإسكندنافي لم يجذب حتى الآن ذلك الاهتمام من العالم، وربما يعود ذلك إلى عدم ترك الإسكندناف وراءهم أيّ مبانٍ ضخمة أو أيّ أوابد أثرية، كما فعل المصريين القدماء واليونانيين أو حتى حضارة المايا، علاوة على أن الدول الإسكندنافية لطالما كانت على هامش الحضارة، متطرفة في البُعد، قليلة إن لم تكن نادرة التعداد السكاني، مما سمح للعلماء الأوربيين ومن بعدهم أيضًا العلماء الإسكندناف الانجذاب إلى تلك المباني والتماثيل المثيرة للإعجاب التي شوهدت في أوروبا، مما أدى لانتشار معتقد يقول بأنك إن لم تبنِ مثل هذه المباني، فلن يكن لك أيّ أهمية في عملية التطوير الحضارية التاريخية، وقد كان لدى الاحثين الإسكندنافيين القليل من الثقة بالنفس والمعرفة للادعاء بخلاف ذلك.

إنّ جوهر نظام المجالس الديمقراطية الإسكندنافي، أثبت أنه يتمتع بحيوية أكبر بكثير من الديمقراطية الأثينية، ومع مرور الوقت، بدأ علماء الآثار باكتشاف ما يفترض وبدرجة عالية من اليقين أنها مواقع لإقامة محاكم، أيّ الآثار المادية الباقية الدالة على الديمقراطية الإسكندنافية، ونحن نتحدث هنا عما يُسمى بهياكل الحدائق ذات الشكل الدائري والتي يمكن العثور عليها في كل أرجاء النرويج من زمن الهجرات الكبرى.

تم رسم خرائط لما مجموعه سبع وعشرون مكانًا مشابهًا لهذا، تواجدت بشكل ملحوظ في جنوب منطقة روجالاند حيث وُجدت ثمانية أماكن من هذا القبيل، وقد تم اكتشاف أحدث المواقع في صيف عام 2011م.

تناقل الإسكندنافيون من جيل إلى جيل الأفكار الجرمانية القديمة حول القانون والحكومة الشعبية، وهو النظام الذي أشاد به الروماني تاسيتوس، وسوف نستمر في متابعة هذا المسار في عصر الفايكنغ، ولكن الاستنتاج الأكثر أهمية فيما يتعلق بتفشّي عصر الفايكنغ قرابة عام 793م هو أنّ القارة لم تكن مجهولة لدى دول الشمال الإسكندنافية، فلقد زاروها منذ فترة طويلة، بل وأقاموا بها أيضًا، وقاموا بممارسة التجارة بها ومعها واقترفوا الحروب أيضًا.

لقد طوّر الإسكندنافيون أشكالًا سياسية وعسكرية فعّالة من التنظيم جعلتهم خطرين، وكان النشاط البحري والسفن أساس لإقامة اتصال بينهم وبين العالم الخارجي. على هذه الخلفية، نفهم أن فترة الهجرة وضعت الأساس لانتشار عصر الفايكنغ في أوروبا وغيرها، ابتداءً من الدول الإسكندنافية.

أوراق/ 26

*المراجع والاحالات موجودة في رابط مجلة أوراق

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply