يبدو أن الحرب هي العنوان الرئيسي للعالم الحديث، حيث ما أن تتوقف حرب في بلد، حتى تندلع في بلد آخر، وكأن الحياة حرب لا نهاية لها.
يتساءل المرء أحيانًا عن المعنى العميق للحياة وبداهتها: أن يعيش الإنسان في بيت آمن، في صحة جيدة، لديه مستلزماته الأساسية من طعام وشراب وتدفئة وكتب وقليل من الرفاهية، تلفزيون أو سينما أو ربما مقهى قريب. هل تبدو هذه الطلبات معقدة؟ ولماذا، رغم الحداثة وما بعدها، وكل هذه الثورات التقنية، لا تزال البشرية عاجزة عن صناعة السلام؟
في عالم الحيوان، لا شيء اسمه حرب. هناك صراع، نعم، لكنه صراع البقاء، تحكمه الضرورة لا الرغبة، الفطرة لا الفكرة. الأسد يفترس ليعيش، لا ليؤكد ذاته. الذئب يقاتل دفاعًا عن صغاره، لا عن مبدأٍ أو إيمانٍ أعمى. في الطبيعة، الصراع محدود بزمن الجوع، أما عند الإنسان، فهو لا يشبع أبدًا. يخلق الحروب كما يخلق الأساطير، ويُؤسس لها بأسماء براقة: العدالة، الحرية، الشرف، الإيمان. ومع كل حربٍ جديدة، يكتشف أنه يقتل ذاته أكثر مما يقتل عدوه.
هذه المفارقة بين الحيوان والإنسان هي مدخل لسؤالٍ يبدو ساذجًا بقدر ما هو مرعب: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا حرب؟ هل مطلب العيش في سلام، بلا حدودٍ ولا جيوشٍ ولا قتلى، هو فعلًا حلم فانتازي خارج الواقع؟
من الصيد إلى الإبادة
يبدو أن توماس هوبز، في كتابه “الليفياثان”، كان من أوائل من أدركوا أن حالة الطبيعة البشرية هي “حرب الكل ضد الكل”، حيث يحكم الخوف والرغبة في السيطرة. فحين تحول البشر من الصيد إلى التفكير، لم يتخلوا عن الصيد، بل نقلوه إلى مستوى آخر: صيد الأفكار. كل جماعة تصيد الحقيقة التي تناسبها، وكل أمة تصيد عدوّها لتثبت ذاتها. هوبز يرى أن هذا الصراع الدائم يجعل السلطة المركزية ضرورية للحد من الفوضى، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب للحروب المنظمة بين الدول. وهكذا بقي الإنسان أسيرًا لغريزةٍ بدائية بثوبٍ فلسفيٍّ حديث، حيث تطورت وسائل التدمير إلى درجةٍ تهدد الكوكب بأكمله، دون أن تتطور القيم بالقدر نفسه.
الحيوان، في أبسط أشكاله، لا يقتل إلا ليحيا. الإنسان يقتل ليؤكد أنه على حق. وهذا هو الخطر الأعظم: حين تتحول الفكرة إلى سلاح. فريدريك نيتشه، في أعماله مثل “هكذا تكلم زرادشت”، يرى الحرب ضرورية لتجاوز الإنسان نفسه، معتبرًا أنها “صحة الأمم” ووسيلة لخلق القيم الجديدة. الأيديولوجيات الكبرى بنت حروبها على مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، فأزهقت ملايين الأرواح باسم العدالة أو الثورة أو الدين أو التقدم. إنها نفس المعادلة القديمة، لكن بوجهٍ جديد: موت الآلاف كي يحيا الملايين. غير أن ما يحدث فعليًّا هو موت الملايين كي تحيا فكرة واحدة. في الطبيعة، لا وجود لمفاهيم مثل النصر أو الهزيمة، بل فقط للحياة والموت. أما في العالم الإنساني، فالنصر غالبًا ما يكون وجهًا آخر للهزيمة. فالحروب، حتى حين تنتهي، تترك وراءها بشرًا محطمين، ذاكرةً مشوّهة، وأجيالًا تنمو على الخوف. ومع ذلك، ما زال الإنسان يطلب الحرب كما يطلب الهواء. كأنها شرط كي يشعر بأنه موجود. ربما لأن الحرب تمنحه معنىً، فيما السلام يتركه عاريًا أمام عبث الحياة. فالحروب تصنع الحكايات، تصنع الأبطال، وتمنح الحياة “دراما” تبرر وجودها. أما السلام، فيجعل الإنسان وحيدًا في مواجهة ذاته، بلا عدو خارجي، بلا قضية كبيرة.
الحرب كحاجة للمعنى أو هي يوتوبيا ممكنة
سيغموند فرويد، في “الحضارة وما يسخطها”، يفسر هذه الحاجة الغريبة للحرب كتعبير عن “الغريزة الموتية” التي تدفع البشر نحو التدمير كتوازن للغريزة الحياتية. فالحرب ليست مجرد صراع خارجي، بل انعكاس للصراع الداخلي في النفس البشرية، حيث يسعى الإنسان إلى تفريغ عدوانيته المتأصلة. هنا تظهر الحاجة الغريبة للحرب، لا كحاجة للبقاء، بل كحاجة للمعنى. لكن هذا الوهم يؤدي إلى موتٍ آخر، حيث يصبح الإنسان مجرد وسيلة لتحقيق “حلم جماعي”، تُمحى فردانيته، وتُقتل حريته باسم الفضيلة.
أما ألبير كامو، الذي عاش رعب الحربين العالميتين، فيرى في كتابه “لا ضحايا ولا جلادون” أن الحروب نتيجة مباشرة للصراع بين اليوتوبيات الزائفة، ويدعو إلى رفض العنف كمسؤولية فردية. كامو لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكًا، بل أن يتحمل مسؤوليته، أن يقول “لا” للعنف، ولو بدا هذا الرفض عبثيًا أمام آلة القتل. ففي زمنٍ باتت فيه الأيديولوجيات تبرر الجريمة بالجريمة، لم يعد أمامنا سوى خيارٍ واحدٍ: أن نعيد تعريف الإنسانية نفسها. حلم كامو بنظامٍ عالميٍّ يتجاوز الدول، برلمانٍ للإنسانية كلّها، تكون له سلطة تشريعية وتنفيذية على مستوى الكوكب. حلمٌ بدا آنذاك خياليًا، لكنه في جوهره ليس أكثر جنونًا من فكرة أن يستمر البشر في قتل بعضهم باسم الأوطان. فإذا كان العالم قادرًا على توحيد اقتصاده وتكنولوجيته، فلماذا لا يوحّد أخلاقه أيضًا؟ لماذا نقبل بالعولمة في التجارة ونرفضها في الضمير؟
بين العدالة والحرية والسلام
في نظر إيمانويل كانط، في مقالته “السلام الدائم”، لا خلاص إلا بتوازن بين العدالة والحرية من خلال اتحاد جمهوريات ديمقراطية، حيث تمنع الديمقراطية الحروب غير الشعبية. فالعدالة بلا حرية تتحول إلى قمع، والحرية بلا عدالة تصبح فوضى. هذا التوازن هو ما افتقده الإنسان حين منح الدول حق القتل باسم القانون، والأنبياء الجدد حق النطق باسم الحقيقة. وحده الوعي الفردي، الذي يرفض الانخراط في لعبة الضحية والجلاد، يمكن أن يوقف الدائرة. الحيوان يعيش في دورةٍ مغلقة من الحياة والموت. الإنسان وحده قادر على أن يخرج من هذه الدورة، لكنّه لا يفعل. لأنه يخاف من الحرية التي تعني، أول ما تعني، أن يتحمل مسؤوليته عن كل رصاصةٍ تُطلق، وكل كذبةٍ تُقال، وكل جريمةٍ تُبرَّر باسم “المصلحة العامة”.
لكن العالم المعاصر يلهث صوب الحرب بطريقة علنية لم يعد يُخفي فيها رغبته لعبادة الحرب وتقديسها، فهذا هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوقّع أمرًا تنفيذيًا بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب. وتُعيد هذه الخطوة اسمًا كانت تحمله الوزارة آخر مرة في أربعينيات القرن الماضي، وستستخدم الوزارة الاسم الجديد في البداية “كلقب ثانوي” بينما تسعى الإدارة الأميركية للحصول على موافقة الكونغرس لجعل هذا التغيير دائمًا.
ترامب الذي أشعل الحروب، يسعى اليوم ليوقف الحرب في غزة حالمًا بنوبل للسلام، ولأنه لم يحصل عليها، ربما يخترع حروبا جديدة ثم يسعى لوقفها، ليصبح بطل سلام. كأن الحرب حاجة وجودية لدى أشخاص يحلمون بالمجد على أنقاض الآخرين.
يبدو أن الحرب ليست قدرًا بيولوجيًا، بل تُعتبر فشلًا أخلاقيًا. والسلام ليس خرافة، بل التحدي الحقيقي لذكاء الإنسان. فحين يتصالح البشر مع فكرة أنهم قادرون على العيش دون أن يقتلوا، سيتحررون من أسوأ قيودهم: فكرة أن الحرب ضرورية.
أما إلى أن يحدث ذلك، فسيظل الحيوان أكثر براءةً من الإنسان، لأنه لا يبرر صيده بفلسفة. ربما كانت دعوات الفلاسفة مثل حنه أرندت، في “عن العنف”، آخر ما يمكن التمسك به في عالمٍ فقد بوصلته، حيث ترى أن العنف يدمر السلطة الحقيقية ويجب رفضه كوسيلة سياسية. فإذا كان الإنسان حقًا هو الكائن العاقل، فلن يُثبت عقله إلا حين يختار الحياة لا الحرب، والمسؤولية لا التبرير، واليوتوبيا الممكنة بدل الوهم الدموي الذي نسميه واقعًا.
ضفة ثالثة
