دراسة نظرية وتطبيقية على الشعر السوري نموذجاً
مقدمة البحث
أنا شاعر سوري، وجدتُ نفسي – مثل كثيرين من أبناء جيلي – أعيش في قلب تناقض رهيب: أكتب الشعر بحثاً عن الحرية والصدق والدهشة، بينما أرى هذا الشعر يُلاحق أحياناً، أو يُصادر أحياناً أخرى، ليصبح سلاحاً في يد السلطة نفسها التي يناهضها. لقد كتبتُ ثلاثة دواوين شعرية، رفض اتحاد الكتّاب العرب في دمشق نشرها عام 2010، لأنها تهاجم تفاهات النظام العربي وسقوطه. فيما سُمح لي بنشر ثلاثة دواوين أخرى تتحدث عن (الحب وفلسطين؟!). أحمل في ذاكرتي قصائد لشعراء دفعوا حياتهم ثمناً لكلمة حرة، مثل حسن الخيِّر، الذي قُطع لسانه وأُعدم لأنه تجرأ على هجاء النظام علناً بقصيدته الشهيرة (ماذا أقول؟) ولُقّب لوركا العرب.
لذلك لم يكن هذا البحث ترفاً معرفياً بالنسبة لي، ولا مجرّد محاولة أكاديمية لجمع النصوص وتحليلها. إنه جزء من سيرتي الشخصية ومن تجربة أعيشها يومياً كشاعر وإنسان.
ينطلق هذا البحث من أطروحة الناقد الفرنسي إريك بيير هاوزر، الذي ميّز في دراسته «الشعر المصادر، الشعر الملعون: صورتان للشعر الملتزم» (2019) بين شكلين جوهريين من الشعر الملتزم:
الشعر الملعون (La poésie maudite): وهو الشعر الذي يرفضه المجتمع أو تُطارده السلطة بسبب تمرّده أو خروجه عن المألوف أو فضحه المستور. إنه الشعر الذي يُلاحق صاحبه بالموت أو المنفى أو الحظر، ويبقى دائماً غريباً حتى عن أرضه أو جمهوره.
الشعر المصادر (La poésie confisquée): وهو الشعر الذي تستولي عليه السلطة وتصادره، فتفصله عن سياقه، وتحوّله إلى أداة للدعاية أو التمجيد، حتى لو كان في أصله شعراً معارضاً أو ثورياً. بل وحتى لو توفي قائله منذ قرون، ولكنه يخدم الأيديولوجيا الفكرية للنظام السائد.
ويبدو لي أن الشعر العربي الحديث – خصوصاً في سوريا – يقدّم نموذجاً صارخاً لهذه الجدلية، إذ نجد شعراء كبار مثل نزار قباني، بدوي الجبل، حسن الخيِّر، منذر المصري الأخير الذي صودر ديوانه بعد أن طبعته وزارة الثقافة السوية ذاتها نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وغيرهم، تأرجحت قصائدهم بين أن تكون «ملعونة» في حياة الشاعر، أو «مصادرة» بعد وفاته بل وحتى خلال حياته، حين تستولي عليها الأنظمة لتجميل صورتها أو لتصويرهم رموزاً ثقافية في ظِلّها وكأنهم خرجوا وأزهروا شعراً برعايتها.
إن هذا البحث هو أول مقاربة عربية موسعة لهذين المفهومين ضمن سياق الشعر العربي الحديث. وهو لا يكتفي باستعراض نصوص شعرية، بل يسعى إلى تفكيك آليات القمع والمصادرة، واستجلاء تلك الحدود الملتبسة بين الشعر الذي يُلاحق صاحبه حيّاً، وبين الشعر الذي تتحوّل قصائده – بعد موته – إلى مديح مجاني للطغيان.
هذا البحث بالنسبة لي محاولة لفهم السؤال الأهم: إلى ماذا تصلح الكلمة الحرة في وجه سلطة لا ترى في الشعر سوى خطر؟ وهل ينجو الشعر من مصيره بين اللعنة والمصادرة؟
ومن هنا تبرز إشكالية هذا البحث:
هل يمكن للشعر الملتزم أن يظل خارج قبضة السلطة؟ أم أن مصيره المحتوم إما أن يُلعن ويُقصى، أو يُصادَر ويُوظَّف؟ وهل ثمة حدّ فاصل بين «الشعر الملعون» الذي يُضطهد صاحبه حتى الموت أو النفي أو الحظر، و«الشعر المصادر» الذي تتحوّل نصوصه لاحقاً إلى أبواق مدح للأنظمة نفسها التي حاربها؟
هذه الأسئلة ليست نظرية فحسب، بل لها جذورها العميقة في التجربة الثقافية والسياسية العربية، حيث صودرت أصوات شعراء كبار، وأُعيد توظيف قصائدهم بعد موتهم أو على حياتهم ضمن خطاب الأنظمة، حتى غدا بعضهم رموزاً رسمية للنظام الذي كان يوماً خصماً لهم.
أهداف هذا البحث:
- توضيح مفهومي «الشعر الملعون» و«الشعر المصادر» كما طرحهما هاوزر، وبيان مدى أصالتهما وراهنيتهما في سياق الشعر العربي الحديث والمعاصر.
- تحليل نماذج شعرية عربية (من سوريا خصوصاً) لتحديد كيف تجسدت فيها حالتا اللعنة أو المصادرة.
- إظهار العلاقة الجدلية بين الشعر والسلطة، وبيان كيف يتحول الشعر من سلاح مقاومة ورفض لتلك الأنظمة إلى أداة دعاية.
- تقديم مساهمة عربية أصيلة في النقاش النقدي حول حرية الإبداع، وسؤال الالتزام الشعري.
منهجية البحث:
- الاعتماد على المنهج النقدي التحليلي، بمزج بين الدراسات الأدبية، والتحليل النفسي (حيث يلزم)، والتاريخ الثقافي.
- قراءة النصوص الشعرية قراءة قريبة (Close Reading) لاختيار مقاطع قصيرة جداً من قصائد مختارة (بيت أو مقطع نثري لا يتجاوز بضعة أسطر) دون إطالة أو تكرار، لتوضيح الفكرة المطروحة.
- الاستعانة بالترجمة الكاملة لدراسة إريك بيير هاوزر كنصّ مرجعي أساسي، مع وضعه في سياقه الغربي ومقارنته بالسياق العربي. والذي قمت بنشره في موقع رابطة الكتاب السوريين لأنهل منه.
- إيراد أمثلة عربية محددة تدعم أو تُعارض أطروحة هاوزر، لتبيان خصوصية التجربة الشعرية العربية.
هيكل البحث:
الفصل الأول: الإطار النظري: مفهوم الشعر الملعون والشعر المصادر بين الفلسفة والأدب والتحليل النفسي.
الفصل الثاني: الشعر الملعون في التجربة السورية والعربية (أمثلة شعرية وتحليل موجز).
الفصل الثالث: الشعر المصادر في التجربة السورية والعربية (أمثلة شعرية وتحليل موجز).
الفصل الرابع: جدلية الشعر والسلطة في السياق العربي: مصائر الشعراء ونصوصهم بين اللعنة والمصادرة.
الخاتمة: إلى ماذا يصلح الشعر؟ محاولة إجابة على أسئلة الحرية والالتزام والمصير الشعري.
بهذا البحث، أحاول أن أسلّط الضوء على مأساة الشعر الحرّ في بيئات القمع، وعلى المفارقة المريرة: أن القصيدة التي كانت تُلعن قد تصبح لاحقاً وساماً على صدر الطغاة الذين حاولت فضحهم.
أهمية البحث وحدوده
تأتي أهمية هذا البحث من كونه، حسب ما توصلت إليه حتى اللحظة، أول محاولة عربية جادّة لتأصيل مفهومي «الشعر الملعون» و«الشعر المصادر» لا بوصفهما توصيفات إنشائية أو نقدية عابرة، بل كمصطلحين نقديين محددين، مستندين إلى إطار نظري غربي (دراسة هاوزر) مع محاولة تفكيكهما وإعادة قراءتهما في ضوء التجربة الشعرية العربية، وخاصة في سوريا.
ومع ذلك، يدرك هذا البحث حدوده جيداً؛ فهو لا يطمح إلى حصر كل حالات الشعر الملعون أو المصادر في التاريخ العربي أو العالمي، ولا إلى تقديم موسوعة شاملة في هذا الباب، بل يركّز على إبراز النموذج التحليلي وكيفية تطبيقه على نصوص عربية محددة. كما يكتفي باستعراض أمثلة موجزة من قصائد منتخبة دون استطراد في استعراض الأعمال الكاملة للشعراء، تجنّباً للتكرار والإطالة.
وقد اخترت التركيز بصفة خاصة على الشعر السوري في الحقبة البعثية وما تلاها، لسببين أساسيين:
- لأن هذه التجربة تجسّد مثالاً صارخاً على جدلية «الشعر الملعون» و«الشعر المصادر»، إذ لم يخلُ تاريخ سوريا الثقافي من شعراء جرى نفيهم أو حظرهم أو حتى تصفيتهم، مقابل آخرين جرى استيعابهم وإعادة توظيفهم بعد وفاتهم داخل الخطاب الرسمي.
- ولأنني نفسي عايشت جزءاً من هذه التجربة، وواجهت رفض اتحاد الكتاب العرب لنشر ثلاثة من دواويني الشعرية، ما يجعل هذا البحث بالنسبة لي ليس مجرد عمل أكاديمي، بل أيضاً شهادة شخصية في سياق ثقافي وسياسي معقد.
انطلاقاً من ذلك، سيكون هذا البحث محاولة لفهم السؤال الكبير الذي أنهى به هاوزر مقاله: «إلى ماذا يصلح الشعر؟» ولكن في سياق عربي محلي، حيث تتحوّل القصيدة أحياناً إلى تهمة تكلف صاحبها حياته، أو إلى وسام يعلقه الجلادون على صدورهم بعد موت الشاعر.
منهج البحث وخطته
ينطلق هذا البحث من مقاربة مزدوجة: نظرية وتطبيقية. ففي القسم النظري، سأعرض بشكل وافٍ نص إريك بيير هاوزر الذي وضع الإطار المفهومي لما أسماه «الشعر الملعون» و«الشعر المصادر»، مع توضيح مرجعياته الفلسفية والنقدية، مثل علاقة الشعر بالالتزام، والتحليل النفسي، وسؤال التلقي والاستلاب. ويُرفق هذا بعرض موجز لرؤية دانتي أليغييري حول الشعر الملعون، لاستكمال الإطار النظري الذي ينطلق منه البحث.
أما في القسم التطبيقي، فسأختار أمثلة شعرية محددة من التجربة السورية والعربية، لأبرز كيف تندرج بعض القصائد أو التجارب الشعرية في أحد هذين المفهومين (أو كليهما أحياناً)، مثل تجربة نزار قباني، بدوي الجبل، حسن الخيِّر وغيرهم، مع الاكتفاء باقتباس بيت أو مقطع قصير من كل تجربة دون استطراد أو تكرار، احتراماً لاختصار البحث وتركيزه على الفكرة النقدية لا على السرد التاريخي أو التوثيقي.
وسوف أقسّم البحث إلى الفصول التالية:
الفصل الأول: الإطار النظري لمفهومي الشعر الملعون والشعر المصادر
- العودة إلى نص إريك هاوزر كاملاً مع ترجمته في موقع رابطة الكتاب السوريين.
- مناقشة موجزة لرؤية دانتي للشعر الملعون.
- تحديد الخصائص الفارقة بين الشعر الملعون والشعر المصادر.
الفصل الثاني: الشعر المصادر في التجربة العربية (دراسة تطبيقية)
نماذج مختارة من شعراء خضعوا للمصادرة أو أُعيد توظيف إرثهم لخدمة السلطة.
الفصل الثالث: الشعر الملعون في التجربة العالمية والعربية والسورية (دراسة تطبيقية)
نماذج مختارة من شعراء دفعوا ثمن قصائدهم بالملاحقة أو القتل أو المنفى.
الخاتمة: استنتاجات البحث، وإجابة جزئية على سؤال «إلى ماذا يصلح الشعر؟» في السياق العربي.
أسعى من خلال هذا البحث إلى تقديم إسهام نقدي جديد في دراسة علاقة الشعر بالسلطة، وبالحرية، وبالمصير الشخصي للشاعر، وإلى فتح باب مزيد من الدراسات العربية حول مفهومي الشعر الملعون والشعر المصادر، اللذين لم يُطرقا في النقد العربي المعاصر بهذه الصيغة النظرية الدقيقة حتى الآن.
الفصل الأول: الإطار النظري لمفهومي الشعر الملعون والشعر المصادر
- الشعر الملعون والشعر المصادر: مدخل مفاهيمي
ينطلق هذا البحث من قناعة أساسية عبّر عنها إريك بيير هاوزر حين قال:
«لقد صار واضحاً أن الأمر هنا لا يتعلق بـ«شعر يلتزم»، بل بشعر «تم التزامه» رغماً عنه».
بهذه العبارة يضع هاوزر يده على لبّ التمييز بين الشعر الملعون والشعر المصادر، وهما مفهومان وإن كانا يبدوان متقاربين في معاداتهما للسلطة أو وقوعهما في قبضتها، ولكنّ بينهما فارقاً جوهرياً.
الشعر الملعون (Poésie maudite) هو شعرٌ يكتبه صاحبه بكامل إرادته، غالباً في نزوع احتجاجي أو ثوري أو فردي متطرّف، يجعله عرضة للنفي أو الاضطهاد أو الموت أو العزلة. هو الشعر الذي يدفع الشاعر ثمنه جسدياً أو اجتماعياً أو حياتياً. إنه شعرٌ «مدان» من السلطات أو المجتمع بسبب جرأته أو خروجه عن المألوف، فيكون صاحبه أشبه بمن اختار أن يعيش ملعوناً أو منبوذاً. وهو ما جسّده شعراء كأوسيب ماندلشتام حين هجا ستالين، أو حسن الخيِّر حين هجا النظام السوري، أو شعراء المنفى والثورات العربية.
أما الشعر المصادر (Poésie confisquée)، فهو شعر قد يُكتب أحياناً من موقع غير سياسي أو من دوافع جمالية أو قومية أو روحية، لكنه يُصادَر لاحقاً من قبل الأنظمة أو الأيديولوجيات أو حتى الجمهور العام، ويُعاد تأويله أو توظيفه لخدمة مشاريع سياسية أو سلطوية لا علاقة للشاعر بها في الأصل. وقد يجد الشاعر نفسه، حيّاً أو ميتاً، وقد صار صوته جزءاً من بروباغندا السلطة، كما حدث لهولدرلين حين اقتطع النازيون قصائده لتبرير قوميتهم، أو كما حدث لبعض شعراء العرب ممن جُعلوا رموزاً في خطابات السلطة بعد وفاتهم، رغم مواقفهم المعارضة.
ويبيّن هاوسر أنّ الفارق الأساسي بين الحالتين هو أنّ الشعر الملعون هو شعر «يُلعن كاتبُه» بسبب ما كتبه، فيدفع الثمن مباشرة، بينما الشعر المصادر هو شعر «يُلعن لاحقاً» حين يُعاد توظيفه قسرياً في خطاب سلطوي لا صلة له بنيّة الشاعر الأصلية.
في كلا الحالتين، الشعر هنا ملتزم بمعنى خاص جداً: ليس بالضرورة أنه يتناول السياسة أو الاجتماع مباشرة، بل لأن وجوده نفسه يصبح حدثاً سياسياً أو أخلاقياً أو وجودياً، سواء أراد الشاعر ذلك أم لم يرد.
- موقف التحليل النفسي من الشعر الملتزم
يلفت هاوزر في مقاله إلى أنّ التحليل النفسي ينظر بعين الريبة إلى كل إنتاج يُعلن نفسه «محايداً» أو «منفصلاً» عن الالتزام. فهو يرى أن اللامبالاة المعلنة ليست إلا قناعاً يغطي تورّطاً باطنياً أعمق. حتى العمل الفني الأكثر تجريداً أو عبثية يحمل في داخله علاقة التزام، وإنْ كانت غير مباشرة.
ويضرب هاوزر أمثلة بأعمال فنّية مثل «المبولة الخزفية» لدوشامب أو المربع الأسود لماليفيتش، ليؤكّد أنّ «الفن لا يمكن أن يكون منفصلاً بالكامل عن الالتزام».
من هنا، يتعامل التحليل النفسي مع الشعر الملعون والشعر المصادر كظاهرتين تنبعان من العلاقة العميقة بين الرغبة، والسلطة، والخوف، واللغة. فالشاعر الملعون، في لحظة كتابته، يجرؤ على إعلان رغبته وتمرده، بينما الشاعر المصادر يجد نفسه ضحية رغبات أخرى تحوّل نصه إلى أداة دعائية.
- دانتي والشعر الملعون
ليس إريك هاوزر وحده من لامس هذا المفهوم. بل إن دانتي أليغييري كان من أوائل من أشاروا إلى فكرة «لعنة الشاعر» أو «شقاء الشاعر» الذي يرى أكثر مما ينبغي، ويدفع ثمن ما يرى. في «الكوميديا الإلهية»، يضع دانتي شعراءَ كباراً في مواقع العذاب أو التيه، ويرى أن الشعراء يتلقّون رؤى لا يقدرون على احتمالها أحياناً. وفي كتابه «De vulgari eloquentia»، يشير دانتي إلى الشاعر ككائن مختار، يلامس العلو، ولكنه في الوقت ذاته قد يصبح وحيداً ومنفياً.
هذا البعد بين «الاختيار» و«اللعنة» هو ما سيظل يطارد مفهوم الشعر الملعون عبر العصور، وصولاً إلى بودلير ورامبو في أوروبا، ونزار قباني وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة وحسن الخيِّر في التجربة العربية.
- نحو تعريف مبدئي للشعر الملعون والمصادر في السياق العربي
بعد استعراض هاوزر وقراءة دانتي، يمكننا صياغة تعريف مبدئي موجز:
الشعر الملعون في السياق العربي هو ذلك الشعر الذي يكتبه صاحبه بروح احتجاجية أو رؤيوية أو أخلاقية أو جمالية، يجعله عرضة للاضطهاد أو الرقابة أو العزلة أو حتى الموت، مثلما حصل مع حسن الخيِّر الذي أعدم بعد قصيدته الهجائية، أو مع شعراء المنفى السياسي بعد الثورة السورية وحتى قبلها.
الشعر المصادر في السياق العربي هو ذلك الشعر الذي تُعيد السلطة أو الإيديولوجيا توظيفه، غالباً بعد وفاة الشاعر أو تغيّر الظروف السياسية، لتحوله إلى أداة خطابية تخدم شرعيتها، كما حدث لنزار قباني حين جرى احتكار إرثه من النظام السوري، أو بدوي الجبل الذي استُخدم شعره الوطني رغم معارضته السياسية. أو عمر أبو ريشة رغم كشفه في قصيدة شهيرة عن جرائم النظام بمدينة حماة عام 1982.
وسيتناول هذا البحث في الفصلين القادمين تطبيقات عملية لهذين المفهومين، لإبراز كيف يعيش الشعر العربي بين مطرقة اللعنة وسندان المصادرة، وما الذي يظل منه حراً، أو حراً جزئياً على الأقل.
الفصل الثاني: تجليات الشعر الملعون والشعر المصادر في الشعر العربي المعاصر
- الشعر الملعون في التجربة العربية
أ- حسن الخيِّر وقصيدة «ماذا أقول؟»
يُعدّ حسن الخيِّر أحد الأمثلة العربية الصريحة على الشعر الملعون، حيث كتب قصيدته الشهيرة «ماذا أقول» عقب مقتل صديقه على أيدي الأجهزة الأمنية في سوريا. القصيدة هجاء صريح للنظام السوري ولحزب البعث ولجماعات الإسلام السياسي معاً، ما جعله هدفاً مباشراً للقمع، وانتهى به الأمر إلى إعدامه بعد قطع لسانه.
يقول حسن الخيِّر:
«لكنني ومصير الشعب يدفعني
سأنطق الحق إن شاؤوا وإن غضبوا»
هذا البيت وحده يلخص جوهر الشعر الملعون: الشاعر يختار قول الحقيقة مهما كان الثمن، ويعي تماماً أنه يدفع حياته مقابل كلماته.
ب- أوسيب ماندلشتام وقصيدته ضد ستالين (مقارنة)
وإن كان المثال خارج السياق العربي، فإن أوسيب ماندلشتام يشكل نموذجاً عالمياً للشاعر الملعون. قصيدته الهجائية الشهيرة ضد ستالين كلّفته حياته. كتب:
«كل إعدام بالنسبة له متعة فاخرة،
يضخّم بها صدره الأوسيتي واسع الأضلاع».
مثل حسن الخيِّر، دفع ماندلشتام حياته ثمناً مباشراً لكلماته. والاثنان ينتميان إلى الشعر الملعون لأنهما كتبا قصائد صريحة حملت رأس النظام مسؤولية الفساد والقتل.
ج- نزار قباني
شاعر آخر من شعراء الملعونين العرب، وإن كان لم يُعدم، هو نزار قباني. عاش حياته مطارداً من الرقابة، ومنفياً عن وطنه، ساخراً من السلطة وهجّاءً للأنظمة العربية، حتى صار صوته مرادفاً للتمرد واليأس في آن.
من نصه «هوامش على دفتر النكسة»، يقول نزار:
«نمدح كالضفادع
نشتم كالضفادع
نجعل من أقزامنا أبطالا..
نجعل من أشرافنا أنذالا..
نرتجل البطولة ارتجالا..»
هنا يتجلى الشعر الملعون في تصوير بؤس الوطن، بلا أية زينة أو محسنات، الأمر الذي وضع نزار دوماً في مرمى الرقابة.
وفي مهاجمته الشهيرة لنظام الأسد الأب بقصيدته الشهيرة “هذي البلاد شقة مفروشة” يصف نزار قباني حافظ الأسد بعنترة وهو ما سبب نفيه لسنوات طويلة ليقول في مطلعها:
هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره…
يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا، ويجمع الإيجـار من سكـانهـا..
ويطلب الزواج من نسـوانهـا، ويطلق النـار على الأشجـار…
والأطفـال… والعيـون… والأثـداء… والضفـائر المعطـره…
هـذي البـلاد كلهـا مزرعـةٌ شخصيـةٌ لعنـتره…
أما في قصيدته لرثاء زوجته بلقيس التي اغتالتها ميليشيات تابعة لنظام الأسد ونظام الملالي في طهران بتفجير السفارة العراقية في بيروت خلال احتدام الحرب العراقية الإيرانية وتم التفجير حينها في شهر كانون الثاني 1981 فيهاجم نزار وحشية هذا النظام الإجرامي وقد منع النظام نشر قصيدته في سوريا وكأنه ينتقم من نزار مرتين مرة باغتيال زوجته ومرة بمنع صوته حين يقول:
سأقول في التحقيق..
إني أعرف الأسماء.. والأشياء.. والسجناء..
والشهداء.. والفقراء.. والمستضعفين..
وأقول إني أعرف السياف قاتل زوجتي..
ووجوه كل المخبرين..
وأقول: إن عفافنا عهرٌ..
وتقوانا قذارة..
وأقول: إن نضالنا كذبٌ
وأن لا فرق..
ما بين السياسة والدعارة!!
سأقول في التحقيق:
إني قد عرفت القاتلين
وأقول:
إن زماننا العربي مختصٌ بذبح الياسمين
وبقتل كل الأنبياء..
وقتل كل المرسلين..
د. رشا عمران: جسد القصيدة في المنفى
تمثل رشا عمران نموذجاً معاصراً للشاعرة الملعونة، لا بمعنى النفي الجسدي فقط، بل بما تحمله قصيدتها من قلق وجودي ولغة مأزومة تعكس اغتراب الذات. تعيش عمران في منفاها القسري منذ اندلاع الثورة السورية، وتكتب شعرها من موقع الانفصال القسري عن الوطن، حيث تتحول القصيدة إلى “بيت شعري هشّ”، كما وصفت في أحد حواراتها.

في إحدى قصائدها بعنوان «أمامي يفردُ البحرُ الغامقُ جسدَهُ» تقول:
“أمامي
يفردُ البحرُ الغامقُ جسدَهُ
متمدِّداً كالكلامِ المُكتهلِ
حيثُ المكانِ دائماً
لهُ
حيثُ يَدومُ صوتي
كشاطئٍ
بلا نهايةٍ”
هذه الصور تكثف لحظة المنفى الشعري والجسدي في آن، إذ يتحول البحر إلى امتداد للذات المتعبة، والجسد إلى شاطئ لا قرار له. تستبدل عمران الخرائط السياسية بجغرافيا شعرية حسيّة، تجعل من الصوت امتداداً للمكان، وتعيد صياغة النفي كصوت داخلي لا يمكن خنقه. بهذا المعنى، تصبح رشا عمران استمرارية حديثة لتقليد “الشعراء الملعونين”، حيث القصيدة هي الفضاء الوحيد المتاح لممارسة الحرية في وجه سلطة القمع والنفي بعد الثورة السورية.
- الشعر المصادر في التجربة العربية
أ- نزار قباني ومصادرة إرثه
كان نزار قباني صوتاً جريئاً كما ذكرنا ضد القمع السياسي والاجتماعي، خصوصاً في قصيدته «هوامش على دفتر النكسة». يقول فيها:
«يا وطني الحزين
حولتني بلحظة
من شاعر يكتب الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين».
ورغم وضوح موقفه، صودرت نصوص نزار لاحقاً وسابقاً ضمن خطاب النظام السوري، مثل قصيدة “هوامش على دفتر النكسة” وقصيدة بلقيس كما ذكرنا. وأعيد تقديمه باعتباره شاعرا قومياً “داعماً” للنظام، بينما كان في حياته معارضاً شرساً حين فرض قصيدته على المنهاج الدراسي وهي القصيدة الشهيرة عن أطفال الحجارة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. هذا نموذج للشعر المصادر: يُقتطع الشاعر من سياقه، ويُعاد توظيفه دعائياً. ويقول نزار في قصيدة “يا تلاميذ غزة”: «علّمونا كيف الحجارة تغدو/ بين أيدي الأطفال ماساً ثمينا/ كيف تغدو دراجة الطفل لغماً/ وشريط الحرير يغدو كمينا/ كيف مصاصة الحليب/ إذا ما اعتقلوها تحوّلت سكينا».
ب- بدوي الجبل
بدوي الجبل من أشرس المعارضين لحكم البعث في سوريا، كتب قصائد هجاء قاسية ضد النظام، مثل قصيدته «من وحي الهزيمة» والتي تسببت بالاعتداء عليه ومحاولة اغتياله واختطافه لشهرين وكانت من ضمن الشعر الملعون أيضاً والتي يقول فيها:
«رمل سيناء قبرنا المحفور
وعلى القبر منكر ونكير».
ورغم معارضته، استُخدم شعره لاحقاً في احتفالات وطنية، وظهرت له مختارات في الإعلام الرسمي، بوصفه شاعر الوطنية السورية، متجاهلين مواقفه المعارضة. وهذه مصادرة صريحة لإرث شاعر متمرّد.
ج- عمر أبو ريشة
الشاعر المعروف بهجائه للأنظمة العربية، وقد هاجم سفاح سوريا حافظ الأسد ووصفه بهولاكو فبقي بالمنفى، وكان شعره لعنة حتى عاد كما نزار لوطنه بكفن، ويصف مجزرة حماة الشهيرة عام 1982 بقصيدته الشهيرة “عودة مغترب” فيقول:
سـكِّينـه في شـدقه ولعـابُه.. يجري على ذكر الفريسة مُزبدا
ما كان هولاكو، ولا أشـباهه.. بأضلَّ أفئـدةً وأقسـى أكـبُدا
هذي حماة عروسةُ الوادي على.. كِبْر الحداد، تُجيل طـرفًا أرمدا
هذا صلاح الدين يخفي جرحه.. عنها، ويسأل: كيف جُرْحُ أبي الفدا
سرواتْ دنيا الفتح هانتْ عنده.. وأصاب منها ما أقـام وأقعـدا
ما عفَّ عن قذف المعابد باللظى.. فتناثرت رِممـاً، وأجَّتْ موقـدا
وبعد وفاته قام النظام كعادته بمصادرة قصائده ونشرها ضمن وزارة ثقافته ما يعجبه منها مخفياً حقيقة معارضة الشاعر الراحل لهذا النظام.
- آلية المصادرة ولعنة الشعر
من خلال الأمثلة السابقة، يتضح أن الشعر الملعون والشعر المصادر يشكلان وجهين لعملة واحدة:
الشعر الملعون يدفع فيه الشاعر حياته أو حريته ثمناً لكلمته الحرّة.
الشعر المصادر يدفع فيه الشاعر حريته الفكرية ثمناً لأن نصّه يُسحب من سياقه الأصلي، ويُعاد توظيفه في خدمة خطاب السلطة.
وإذا كانت لعنة الشعر الملعون هي الموت أو النفي أو القمع، فإن لعنة الشعر المصادر هي تحريف الذاكرة وإعادة صناعة صورة الشاعر على نحو يخدم السلطة. فكلاهما إذن يقعان في صلب علاقة الأدب بالسياسة والسلطة، ويعكسان قدرة النص على البقاء حيّاً رغم محاولات إسكات أو مصادرته.
خاتمة الفصل:
يبيّن هذا الفصل بجلاء أنّ الشعر العربي المعاصر يعيش حالة شدّ وجذب بين لعنة القول الحرّ وخطر المصادرة. ويبقى السؤال معلقًا كما ختم هاوسر مقاله:
«لماذا يُصنَّف شاعر في حالة ما كبطل قومي، بينما لا يُقدَّر له في حالة أخرى إلا الجحيم جزاءً على كتاباته؟».
وهل يمكن للشاعر أن ينجو حقاً من مصيره بين لعنة الكلمة وسيف المصادرة؟
الفصل الثاني: الشعر الملعون والشعر المصادر: تأصيل نظري ومقاربات تحليلية
- مفهوم الشعر الملعون (La poésie maudite)
يرتبط مفهوم «الشعر الملعون» (poésie maudite) في النقد الغربي بظاهرة شعرية وأدبية خرجت عن المعايير الأخلاقية والاجتماعية والسياسية لعصورها. وقد صكّ المصطلح الشاعر الفرنسي بول فيرلين (Paul Verlaine) في كتابه «شعراء ملعونون» (Les Poètes Maudits, 1884) ليصف شعراء مثل بودلير، رامبو، مالارميه وغيرهم ممن دفعوا ثمن تمرّدهم بالعزلة أو الفقر أو الاضطهاد.
يتميز الشعر الملعون بسمتين أساسيتين:
الصدام مع السلطة أو المؤسسة الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية. (وهذا ما حصل بالفعل بين نزار قباني والبرلمان السوري خمسينيات القرن الماضي حين وصفت قصائده عن المرأة آنذاك بأنها خادشة للحياء العام؟!).
حياة الشاعر الشخصية المتمردة التي غالباً ما تتحول إلى أسطورة أدبية.
لكن المصطلح اكتسب لاحقاً أبعاداً سياسية أشد عمقاً، إذ صار يشمل الشعراء الذين دفعت كتاباتهم الثمن أمام أنظمة استبدادية أو قمعية، فتعرضوا للسجن، أو القتل، أو المنع، أو الرقابة، أو التشويه الإعلامي.
وهنا يلتقي الشعر الملعون مع مفهوم أوسع وأشد خطورة، هو الشعر المصادر.
- مفهوم الشعر المصادر (Poésie confisquée)
يطرح الناقد الفرنسي إريك بيير هاوزر (Éric-Pierre Hauser)، في مقاله «الشعر المصادر، الشعر الملعون: صورتان للشعر الملتزم» (Topique, 2019/2, n°146)، إشكالية الشعر الملتزم من زاويتين متمايزتين:
شعر ملعون: يدفع فيه الشاعر شخصياً ثمن كلماته جسدياً أو معنوياً.
شعر مصادر: تتم مصادرته بعد وفاة الشاعر أو حتى أثناء حياته، حيث تُستلب قصائده لتوضع في خدمة أيديولوجيا سياسية أو قومية أو دينية، أحياناً رغم إرادة الشاعر نفسه.
يقدم هاوزر مثالين:
هولدرلين الذي صودرت قصائده من قبل النازيين وأُعيد توظيفها في دعايتهم، رغم أنه عاش قبلهم بقرن ولم تكن له علاقة بأيديولوجيتهم.
ماندلشتام الذي كتب هجائية ضد ستالين دفع ثمنها حياته، وهو نموذج للشاعر الملعون أكثر من كونه مصادر.
وبهذا يوضح هاوزر أن الشعر المصادر قد يكون:
- مصادَراً سياسياً: حيث تُستلب القصائد لصالح نظام أو سلطة.
- مصادَراً أيديولوجياً أو دينياً: حيث يُعاد تأويل الشعر ليخدم خطاباً لا صلة له بالشاعر.
- مصادَراً قومياً أو ثقافياً: كما حصل مع هولدرلين أو مع شعراء عرب صاروا رموزاً في أدبيات الأنظمة القومية.
وهذا هو جوهر الفرق بين الشعر الملعون (حيث يُطارد الشاعر شخصياً) والشعر المصادر (حيث تُطارد نصوصه لتوضع في سياق قسري).
إضافة نظرية: إدوارد سعيد والمثقف بوصفه منفياً
يعد إدراج رؤية إدوارد سعيد في هذا السياق أمراً ضرورياً لفهم العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة. في كتابه “صور المثقف”، يصف سعيد المثقف الحقيقي بأنه دائماً في موقع النفي الرمزي أو الواقعي لأنه يصر على قول الحقيقة في وجه السلطة. وهو بذلك يشبه كثيراً ما يعيشه الشاعر الملعون، لا باعتباره كاتباً فقط، بل باعتباره شاهداً وشهيداً في آنٍ واحد.
إن المثقف عند سعيد لا يمكن أن يكون جزءاً من ماكينة السلطة أو بوقاً لها، بل عليه أن يظل خارج تلك المنظومة حتى وإن دفع ثمناً باهظاً لذلك، تماماً كما دفعه شعراء مثل حسن الخيِّر أو أحمد مطر. وبذلك، يمكن القول إن الشاعر الملعون عند هاوزر هو التجلي الشعري للمثقف المنفي عند سعيد.
أما بالنسبة للشعر المصادر، فإن سعيد ينبّه إلى خطورة استيعاب خطاب التمرد داخل النظام الذي كان يعارضه، عبر ما يسميه “تدجين المقاومة” أو “إعادة تدوير الخطاب الناقد”. وهي آلية تُسكت بها السلطة صوت الشعر، لا بالقمع المباشر، بل بتجريده من سياقه وتحويله إلى أداة تزويق أو تضليل.
وهكذا تلتقي أطروحة سعيد مع هاوزر في تشخيص مأزق الكلمة الحرة: بين لعنة الحقيقة ومخلب التوظيف السلطوي.
- الشعر الملعون والشعر المصادر في السياق العربي
في السياق العربي، قلما جرى استخدام مصطلح «الشعر الملعون» أو «الشعر المصادر» بهذه التسمية النظرية الدقيقة، رغم وجود الظاهرة عملياً. إذ ارتبط الشعر العربي الحديث بالصراع مع الأنظمة المستبدة، سواء القومية أو العسكرية أو الدينية. وتشهد أعمال شعراء مثل:
حسن الخيِّر الذي كتب قصيدته الشهيرة «ماذا أقول»، فدفع حياته ثمناً لها بعد قطع لسانه وإعدامه عام 1979.
بدوي الجبل الذي هاجم السلطة بمرارة وتعرض لمحاولة القتل فضلاً عن الاختطاف، ثم صودرت قصائده لاحقاً لتُقدّم كجزء من التراث الوطني الرسمي في سوريا.
نزار قباني الذي واجه المصادرة بعد كتابته قصائد مثل «هوامش على دفتر النكسة»، رغم تحويل إرثه لاحقاً إلى سلعة ثقافية تروّجها الأنظمة نفسها التي هاجمها.
يظهر هنا أن:
بعض الشعراء كانوا «ملعونين» لأنهم دفعوا شخصياً ثمن مواقفهم (السجن، القتل، المنع).
وبعضهم كان «مصادَراً» لأن نصوصهم سُحبت من سياقها النقدي لتُستعمل في تزيين صورة الأنظمة نفسها التي هاجموها.
ولعل المثال الأوضح على الشعر المصادر في العالم العربي هو استحضار رموز التراث الشعري العربي (المتنبي، عنترة، وغيرهما) في خطاب الأنظمة القومية والعسكرية. إذ تم توظيف صور «الشاعر الفحل» أو «الفارس» أو «البطل» لتكريس عبادة الفرد في الحكم، تماماً كما استخدمت النازية هولدرلين.
- جدلية الشعر والسلطة: بين اللعنة والمصادرة
تكشف الأمثلة الغربية والعربية عن مفارقة كبيرة:
في الحالة الملعونة، يظل الشاعر حرّاً لكن حياته مهددة.
في الحالة المصادَرة، يظل الشاعر أو إرثه محفوظاً، لكنه يُجرّد من حريته الفكرية.
ولهذا يُطرح سؤال هاوزر الجوهري:
«هل الشاعر الميت أخطر أم أقل خطراً من الشاعر الحي؟»
فالشاعر الميت يمكن أن يصبح رمزاً يوظف في بروباغندا السلطة، بينما الشاعر الحي يظل خطراً متحركاً يهدد خطابها المبني على القمع والتزوير.
ولهذا لا يمكن دراسة الشعر السياسي أو الملتزم دون مساءلة علاقته بالمصادرة، باللعنة، وبالسلطة.
- الشعر الملعون والتحليل النفسي
يرى هاوزر أن التحليل النفسي لا يمكنه تجاهل ظاهرة الشعر الملعون أو المصادر، لأن كليهما يكشف:
- الصراع بين الفرد والسلطة الأبوية (الأب – الحاكم).
- الصراع بين اللاوعي والرقابة الاجتماعية.
- الصدمة النفسية الناتجة عن المصادرة أو القمع.
فالشعر الملعون يصبح مساحة تفجير مكبوت، بينما المصادرة تعيد خنق هذا المكبوت ضمن خطاب السلطة.
ولهذا يظل الشعر الملعون والمصادر، حتى في أقسى ظروف الرقابة، شكلاً من أشكال الصمود النفسي، أو «اللاوعي المقاوم» حسب تعبير هاوزر.
يمكن النظر إلى العلاقة بين الشاعر والسلطة بوصفها صراعاً رمزياً بين الذات ورغبتها المكبوتة من جهة، وبين ما يُسميه جاك لاكان “الآخر الكبير” (Le grand Autre) من جهة أخرى، وهو الذي يتجلى هنا في صورة السلطة السياسية أو الأيديولوجية. فالشاعر الملعون، في لحظة الكتابة، يخرق هذا النظام الرمزي المفروض عليه، ويقترب من “الواقعي” – ذلك الحيز الذي لا تستطيع اللغة ولا السلطة احتواؤه أو التحكم به. ولهذا يُنظر إلى كلمته بوصفها تهديداً وجودياً للنظام، لا مجرد تعبير جمالي أو رأي سياسي عابر (Lacan, 2001).
أما في حالة الشعر المصادر، فإن النص الشعري يُعاد تدجينه وإعادة إنتاجه ضمن بنية السلطة الرمزية، ليُصبح أداة تزويق لا تهديد. ويمكن فهم هذه العملية من خلال ما أشار إليه فرويد في Civilization and Its Discontents، حيث تُمارس المجتمعات كبتاً جماعياً على رغبات أفرادها، وتُعيد ترويضهم رمزياً عبر الثقافة والسياسة، خصوصاً حين تُصادر خطاب التمرد وتحوله إلى وسيلة تطبيع (Freud، 1961).
ويضيف سلافوي جيجك بعداً نقدياً معاصراً لهذا التحليل، حين يرى أن السلطة لا تقمع الرغبة دائماً، بل تعيد تأويلها ضمن ما يسميه “التمثيل الإيديولوجي للرغبة”، حيث يصبح التمرد ذاته جزءاً من بنية السلطة، بعد أن يُعاد توظيفه في خطابها الرسمي (Žižek، 1989). وهكذا يُمكن القول إن الشعر الملعون يمثل لحظة تفجّر للمكبوت الرمزي، بينما الشعر المصادر هو لحظة استيعابه من جديد في البنية السلطوية، لا عبر المنع بل عبر إعادة التأويل والإفراغ من المضمون الثوري.
- الخلاصة النظرية
يتيح لنا المفهومان:
فهم كيف يتحول الشعر من مساحة حرية إلى أداة أيديولوجية.
التمييز بين الشاعر الذي دُفع إلى الجحيم بسبب كلماته (الملعون) والشاعر الذي استُلبت قصائده بعد موته لتخدم ما لم يكن يقصده أبداً (المصادر).
رصد ظاهرة المصادرة الثقافية، ليس كإجراء رقابي فحسب، بل كعملية إعادة تأويل قسري للنصوص ضمن بروباغندا السلطة.
وبهذا يشكل الشعر الملعون والمصادر معاً شاهدين على علاقة الفن بالحرية والسلطة.
الفصل الثالث: الشعر الملعون والمصادر في السياق العالمي والعربي: نيرودا، لوركا، درويش، زيّاد
لا تقتصر ظاهرتا الشعر الملعون والشعر المصادر على السياق العربي فقط، بل تتكرران عالمياً مع اختلاف السياقات السياسية. ففي أمريكا اللاتينية، شكّل بابلو نيرودا نموذجاً للشاعر الذي بدأ متمرداً وناقداً شرساً لأنظمة القمع والاستغلال، ثم تحوّل لاحقاً إلى رمز وطني رسمي بعد وفاته، حيث جرى توظيف إرثه الشعري ضمن الخطاب السياسي التشيلي الرسمي، رغم أنه قضى حياته مطارداً سياسياً. قال في قصيدته “أنا أُدين” (Yo acuso):
“أنا لا أغفر للجلاد،
لا أضع يدي في يد القاتل،
ولا أصافح من يبيع تراب الوطن”.
أما فيديريكو غارسيا لوركا، فقد دفع حياته ثمناً لكلمته الحرّة، حيث أُعدم على يد قوات فرانكو عام 1936 بسبب أشعاره المناهضة للفاشية. قصيدته «عرس الدم» (Bodas de Sangre) ومسرحيته «بيت برناردا ألبا» كانت إدانة رمزية للعنف الأبوي والقمع، فصار لوركا النموذج الأوروبي الأشهر للشاعر الملعون.
في السياق الفلسطيني، يجتمع المفهومان بشكل مركّب، إذ إن الشعر الفلسطيني الملتزم كثيراً ما كان “ملعوناً” من قبل سلطات الاحتلال، و”مصادراً” لاحقاً في الخطاب الرسمي العربي. يمثل محمود درويش هذا الازدواج المأساوي؛ فعلى الرغم من نفيه القسري وملاحقته السياسية، أصبح رمزاً وطنياً يُستدعى في كل خطابات “الهوية”. في قصيدته «سجل أنا عربي»، كتب:
“أنا اسم بلا لقب
صبور في بلاد كل ما فيها
يعيش بفورة الغضب.”
أما توفيق زيّاد، الشاعر الفلسطيني من أراضي 48، فقد دفع حياته المهنية والشخصية ثمناً لكلمته، لكنه لاحقاً أُدرج ضمن سياقات خطابية تطبيعية تحجب جذور نضاله. قال زيّاد:
“كأننا عشرون مستحيل
في اللد والرملة والجليل
هنا على صدوركم باقون كالجدار
وفي حلوقكم كقطعة الزجاج كالصبار…”
تدل هذه النماذج على أن لعنة الشعر لا تقتصر على القتل أو النفي، بل قد تستمر عبر مصادرة الصوت في سياق مؤسساتي يحوّل القصيدة من أداة مقاومة إلى أيقونة معقمة داخل بروباغندا السلطة أو الهوية.
الشعر الملعون والشعر المصادر في الشعر السوري: نماذج تطبيقية
- حسن الخيِّر: صوت الحرية المقطوع
أحد أبرز الأمثلة على الشعر الملعون في السياق السوري الشاعر حسن الخيِّر (سوريا). انتسب إلى حزب البعث في شبابه، ولكنه سرعان ما انقلب على النظام بعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم وانتشار الفساد. كتب قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
«ماذا أقول وقول الحق يعقبه
جلد السياط وسجنٌ مظلمٌ رطبُ»
في هذه القصيدة، هاجم حسن الخيِّر النظام علناً، كاشفاً عن زيف الشعارات القومية ومندداً باستغلال الدين والبعث معاً. دفع حسن الخيِّر حياته ثمناً لهذه القصيدة؛ إذ أُعدم بعد قطع لسانه عام 1979، ليظل اسمه رمزاً للشاعر الملعون الذي دفع حياته ثمناً لشعره.
- بدوي الجبل: الوطني الذي صودر صوته
الشاعر السوري بدوي الجبل (1905-1981) كتب هجائيات سياسية مبطنة ضد الأنظمة المستبدة، منها قصيدته «من وحي الهزيمة»، حيث يقول:
«هزم الحاكمون والشعب في الأصفاد
فالحكم وحده المكسور»
ورغم علو نبرته النقدية في حياته، صودر شعر بدوي الجبل لاحقاً ليُعرض في المناهج المدرسية السورية بوصفه صوتاً وطنياً مؤيداً للدولة، محذوفاً منه ما يحمل نقداً مباشراً للسلطة. وهكذا تحوّل إلى نموذج للشعر المصادر بعد موته.
- نزار قباني: هجاء النظام الذي صار أيقونة النظام
الشاعر السوري نزار قباني (1923-1998) كتب أحد أشهر نصوص الشعر الملعون العربي، قصيدته «هوامش على دفتر النكسة»، التي جاء فيها:
«لأن نصف شعبنا
ليس له لسان
ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان؟»
واجه نزار قباني حملة هجوم شرسة من الأنظمة العربية بعد نشره هذه القصيدة، واتُهم بالإساءة إلى الأمة والجيوش العربية. ولكنه في مفارقة لافتة، صار لاحقاً جزءاً من الرموز الثقافية التي يتغنى بها الإعلام السوري الرسمي خاصة والعربي عامة، وصودرت قصائده لتُعرض كجزء من التراث الوطني والقومي دون الإشارة إلى نقده اللاذع للنظام أو للواقع السياسي.
إنه الشاعر الملعون الذي صار مصادراً في حياته وبعد موته.
- استحضار المتنبي وعنترة وأبو فراس الحمداني: من رموز التمرّد إلى أبواق الأنظمة
تقدّم ظاهرة استدعاء الرموز التراثية دليلاً آخر على الشعر المصادر. فقد استخدمت الأنظمة العربية، خاصة في خطاب البعث، صور المتنبي وعنترة بن شداد لتقديم صورة «الشاعر الفحل» أو «الفارس البطل» كتمثيل لقائد النظام نفسه.
استُحضر المتنبي كرمز للشاعر الحكيم المادح للبطل الفاتح، فحوّلت خطب حافظ الأسد إلى خطاب ملحمي يُشبه أسلوب المتنبي.
استُخدم عنترة رمزاً للشجاعة، ليصير إسقاطاً مباشراً على شخص حافظ الأسد باعتباره «الفارس الأسود» المخلّص.
وبذلك صودرت الرموز التراثية بالكامل وأُفرغت من سياقها النقدي والإنساني لتحويلها إلى أدوات تبرير للاستبداد.
- الشعراء الملعونون بعد الثورة السورية: استمرار اللعنة في زمن الرقابة الرقمية والمنفى
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، شهد الشعر السوري تحوّلاً حاداً، حيث تجلت ظاهرة “الشعر الملعون” في أقسى صورها: أصوات حُوصرت، وشعراء نُفوا، أو تعرّضوا للاعتقال والتجاهل المتعمّد أو حتى قتلوا في قصف او أعدموا، ضمن آليات قمع جديدة أكثر مرونة وشراسة، امتدت من الأرض إلى الفضاء الرقمي. فقد برز شعراء سوريون كتبوا بجرأة عن القمع، والدم، والانهيار الوطني، فدفعوا أثماناً باهظة لكلماتهم، سواء بالمنفى، أو العزلة، أو الرقابة الرمزية.
من بين هؤلاء ياسر خنجر، الشاعر القادم من درعا، والذي اعتُقل في بداية الثورة بسبب مشاركته الشعرية في التظاهرات، قبل أن يغادر إلى المنفى. في قصيدته “فوهة بندقية” يكتب: “أحمل قصيدتي كأنها صليبي، وأجري نحو الضوء المنفيّ من الوطن”، مما يجسّد بوضوح صورة الشاعر الذي يدفع جسده وروحه ثمناً للكلمة.
أما رائد وحش، فمثّل نموذجاً مختلفاً، حيث كتب من داخل خيبة الثوار والمنفيين معاً. في دواوينه، يتجلّى ما يمكن تسميته “لعنة ما بعد الثورة”، حيث تُصاغ القصيدة من رماد الأمل، ويكتب: “لا أحد يسمع جرحك، حتى صدى الصوت صار على سفر”.
كذلك برزت لمياء حسن، بصوت أنثوي يزاوج بين الحميمي والسياسي، وتكتب من موقع الشاعرة المنفية، التي ترى جسدها امتداداً لأرض تم اغتصابها. وتقول في إحدى قصائدها: “كنت امرأة… ثم صرت خريطة”، في إشارة مباشرة إلى اغتراب الذات السورية النسوية بعد الثورة.
ولا يمكن تجاوز تجربة فرج بيرقدار، رغم أنه بدأ تجربته الشعرية قبل الثورة بسنوات، ولكن إرثه الشعري المقاوم تحوّل إلى مرجع ملهم لشعراء الثورة أنفسهم. اعتُقل 14 عاماً في سجون النظام السوري (1987–2000) بسبب قصائده ومقالاته، وقد تحوّلت دواوينه مثل “حمامة مطلقة الجناحين” إلى مصدر للتمرد الجمالي واللغوي في أوساط الشباب الثائر.
أما رامي العاشق، فيمثل الجيل الفلسطيني–السوري الذي كتب الثورة من موقع المنفى والهامش، ولكنه حوّل القصيدة إلى سلاح لغوي مقاوم. في ديوانه “سيراً على الأحلام ” يكتب:

“وضعوه في أرض الظلام
أعطوه متراً كي ينام وآخرين لكي يقف!
وتكرموا من بعد ساعات العذاب بقطعة
من خبز أحجار البلاد
وماء بول طغاتها!
كي يستطيع بقصره الوطني
أن يعطي انتشاراً للحديد وللدماء على اختلافات المساحة في الجسد
ثم انتشر!”
ما يجعل من شعره شهادة مزدوجة على فقد الوطن والهوية.
إن ما يجمع هؤلاء الشعراء هو أن أصواتهم لم تُلاحق فقط بالجسد، بل بالمحو الرمزي أيضاً: غُيّبوا عن مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، والمشهد الثقافي الرسمي، رغم أن قصائدهم تمثّل أنبل تجليات “الشعر الملعون” في زمن ما بعد الطغيان. كما تعرض بعضهم لحظر مؤقت أو دائم من النشر في المجلات أو الصحف حتى في أوساط المعارضة، ما يكرّس مفهوم “المنفى المزدوج”: جسدي وثقافي.
يمكن القول إن شعر المنفى والثورة في سوريا هو اليوم نموذج صارخ للشعر الملعون:
- يُكتب الشعر في سياق المنفى والتهجير.
- يظل الشعراء مطاردين أو ممنوعين من العودة.
- تتحاشى وسائل الإعلام الرسمية ذكر أسمائهم أو قصائدهم، خشية على صورتها أمام الناس.
- هؤلاء الشعراء محرومون من وطنهم ومن جمهورهم في الداخل. إنهم شعراء ملعونون، مقصيون، ومصادَرون في آن واحد.
خلاصة الفصل التطبيقي
يتبيّن من النماذج السابقة أنّ الشعر العربي الملتزم في مواجهة السلطة:
إمّا دفع ثمنه الشاعر بجسده أو حياته (شعر ملعون).
وإمّا دُجّن إرثه الأدبي لاحقاً ليصبح جزءاً من بروباغندا السلطة (شعر مصادر).
وهو ما يجعل الفصل بين الملعون والمصادر أحياناً صعباً جداً في السياق العربي، إذ كثيراً ما يلتقي المصيران في الشاعر ذاته.
خاتمة البحث
يمثّل هذا البحث محاولة أولى – على مستوى الدراسات العربية – لتقديم مقاربة مفهومية وتحليلية لمصطلحي الشعر الملعون والشعر المصادر، بوصفهما صورتين متكاملتين للشعر الملتزم في مواجهة السلطة السياسية والاجتماعية والثقافية.
استندت هذه الدراسة إلى تأصيل نظري دقيق بالرجوع إلى بحث إريك بيير هاوزر (2019)، الذي ميّز بين الشاعر الذي تُصادر السلطة نصوصه لتوظيفها (كما حدث مع هولدرلين في الحقبة النازية)، وبين الشاعر الذي يعلن تمرّده بوضوح فيدفع ثمن التزامه (كما حدث مع ماندلشتام في مواجهة ستالين).
وحين اختبرنا هذين النموذجين في سياق الشعر العربي الحديث، تبيّن لنا أنّهما حاضران بقوة وبصورة مأساوية أحياناً. فقد رصدنا عبر أمثلة مختارة – حسن الخيِّر، بدوي الجبل، نزار قباني، ظاهرة استحضار المتنبي وعنترة والحمداني – كيف دُفع الشعراء إمّا إلى لعنة الصمت أو السجن أو الموت بسبب قصائدهم، أو جرى لاحقاً مصادرة إرثهم الشعري وتحويله إلى أداة ترويجية في يد الأنظمة الاستبدادية التي طالما هاجموها.
وقد أكدت الدراسة أنّ الفصل الحاد بين «الشعر الملعون» و«الشعر المصادر» ليس ممكناً دائماً في السياق العربي، إذ كثيراً ما يجتمع المصيران في الشاعر نفسه: شاعر يُلعن حيّاً ويُصادر حيّاً وميتاً.
إنّ السؤال الذي ظل يلوح في أفق هذه الدراسة – تماماً كما ختم هاوزر مقاله – هو: إلى ماذا يصلح الشعر؟ أهو احتجاجٌ على العالم أم مجرد صدى له؟ أهو خلاصٌ فردي أم نداءٌ جماعي؟
لكن الواضح أنّ الشعر، في أكثر لحظاته صدقاً وخطورة، يظل عملاً محفوفاً بالموت أو بالتشويه. وربما لهذا السبب، يظل الشعر – حتى حين يُصادر أو يُلعن – أحد آخر معاقل الحرية في عالمٍ تبتلعه السلطة، والسيطرة، والبروباغندا.
المراجع:
1. هاوزر، إريك بيير. الشعر المصادر، الشعر الملعون: صورتان للشعر الملتزم. ترجمة: محمد زعل السلوم. رابطة الكتاب السوريين.
2. روزييه-كاتاش، إيرين. دانتي، العقاعق والشعراء. ترجمة: محمد زعل السلوم. رابطة الكتاب السوريين.
3. قباني، نزار. هوامش على دفتر النكسة. موقع الديوان: https://www.aldiwan.net/poem5827.html
4. بدوي الجبل. من وحي الهزيمة. بوابة الشعراء: https://poetsgate.com/poem.php?pm=12922
5. الخيِّر، حسن. ماذا أقول. بيضيبيديا (اللاموسوعة): https://beidipedia.com/wiki/لاقصيدة:قصيدة_رائحة_الحرية_لحسن_الخيِّر
6. المصري، منذر. لمن العالم اليوم؟ وسير مشبوهة أخرى. دار نينوى، دمشق، 2011.
7. قباني، نزار. يا تلاميذ غزة. القدس العربي: https://www.alquds.co.uk
8. قباني، نزار. قصيدة بلقيس: https://www.aldiwan.net/poem6229.html
9. قباني، نزار. هذي البلاد شقة مفروشة: https://www.aldiwan.net/poem5833.html
10. عمر أبو ريشة. خاتم الحب الذي هجا حافظ الأسد. عنب بلدي: https://www.enabbaladi.net
11. مأساة حماة في الشعر المعاصر. رابطة الأدب الإسلامي: https://www.odabasham.net
12. السلوم، محمد. أدب اللجوء السوري، الشتات والتعبير الأدبي. مركز حرمون للدراسات المعاصرة: https://www.harmoon.org
13. عمران، رشا. “أمامي يفرد البحر الغامق جسده.” موقع أنطولوجي. https://antolgy.com/gameg-mtaalem-hazeen
14. Hauser, Éric Pierre. Poésie confisquée, poésie maudite: deux figures de la poésie engagée. In Topique, 2019/2, n° 146.
15. Sartre, Jean-Paul. Qu’est-ce que la littérature? Gallimard, 1948.
16. Mandelstam, Ossip. Œuvres complètes. Le Bruit du Temps / La Dogana, 2018.
17. Dutli, Ralph. Mandelstam, mon temps, mon fauve. Le Bruit du Temps / La Dogana, 2012.
18. Stein, Gertrude. Mrs. Reynolds. Cambourakis, 2018.
19. Hölderlin, Friedrich. Œuvres. Gallimard, Bibliothèque de la Pléiade, 1967.
20. Collectif. Toi aussi tu as des armes – poésie & politique. La Fabrique, 2011.
21. Lacan, Jacques. Écrits: A Selection. Translated by Alan Sheridan, Routledge, 2001.
↳ المرجع الأساسي لمفاهيم “الآخر الكبير”، والعلاقة بين الذات والنظام الرمزي، وتفكيك السلطة في التحليل النفسي اللاكاني، والتي بُني عليها التحليل النظري للعلاقة بين الشاعر والسلطة.
22. Freud, Sigmund. Civilization and Its Discontents. Translated by James Strachey, W.W. Norton & Company, 1961.
↳ يتناول فيه فرويد فكرة النكوص الجماعي، والكبت الحضاري، وكيف تُعيد المجتمعات إخضاع الفرد وترويض رغبته عبر مؤسساتها، بما فيها السلطة والدين والثقافة.
23. Žižek, Slavoj. The Sublime Object of Ideology. Verso, 1989.
↳ يناقش كيف تعمل الإيديولوجيا على ترويض الرغبة الفردية باستخدام آليات رمزية ونفسية، في تقاطع مع الخطاب الشعري والفني، وهو مرجع معاصر مهم لربط الأدب بالتحليل النفسي والسياسة.
24. Neruda, Pablo. Selected Poems. Trans. Nathaniel Tarn. Vintage Books, 1990.
25. Lorca, Federico García. Selected Poems. Trans. Langston Hughes. Penguin Classics, 2005.
26. درويش، محمود. أوراق الزيتون. دار العودة، بيروت، 1964.
27. زيّاد، توفيق. أشد على أياديكم. منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1970.
28. Vidal, Gore. The Second American Revolution. Random House 1982. (يتحدث عن توظيف الرموز الثقافية بعد موتهم.)
29. Allen, Roger. The Arabic Literary Heritage: The Development of its Genres and Criticism. Cambridge University Press, 1998.
30. Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. Columbia University Press, 1997.
31. Khnejar, Yaser. Official Website – https://yaserkhanejar.com
32. Al-Jumhuriya. Raeed Wahesh: A Poet of Disillusioned Revolutions, 2021 – https://aljumhuriya.net
33. Antolgy.com – Lamia Hassan Poems, https://antolgy.com/poet/lamia-hassan
34. PEN International. Fruj Birqadar: Imprisoned for His Poetry, https://pen-international.org/case-studies/fruj-birqadar
35. Qantara.de. Ramy Al-Asheq and the Poetics of Displacement, https://en.qantara.de
© جميع الحقوق محفوظة للباحث محمد زعل السلوم – يوليو 2025
(يُمنع النسخ أو الاقتباس أو إعادة النشر دون إذن خطي من المؤلف).
مجلة أوراق/ العدد 24
