تواجه البيئة في وقتنا الراهن تهديدات متصاعدة بفعل النشاط البشري الذي تجاوز حدود التوازن، من حرائق الغابات، والجفاف، إلى التلوث، وفقدان التنوع البيولوجي، ما عدا جشع التصنيع، والمكننة وما تنتجه من مخلفات مدمرة، وقد بات واضحاً أن الحلول المفترضة للأزمات البيئية لم تعد شأناً علمياً أو تقنياً فحسب، بل هي أيضاً مسألة وعي وثقافة.
وهنا تبرز أهمية ما نسميه الأدب الأخضر، بما يطرحه من أسئلة ويقدمه من صور، تسهم في إعادة تشكيل علاقتنا مع الطبيعة من موقع مختلف: موقع الإنسان الواعي، لا المسيطر…
يُعرف “الأدب الأخضر” أو “الأدب البيئي”، بأنه الأدب الذي يركّز على العلاقة بين الإنسان والبيئة، ويتناول القضايا البيئية من منظور إنساني، جمالي، وأخلاقي. لا يكتفي هذا الأدب بوصف الطبيعة خلفيةً للأحداث، بل يتعامل معها بوصفها كائناً حيّاً وشريكاً فاعلاً في الحياة، وينطلق من الإحساس العميق بالأرض ومكوناتها، ويهدف إلى توعية القرّاء بخطورة التدهور البيئي، ودفعهم للتفكير والتأمل، بل واتخاذ مواقف حاسمة تجاه ما يحدث في محيطهم.
قد يكون هذا الأدب روائياً أو شعرياً أو سردياً أو حتى مقالياً، ولكنه يتسم بحس بيئي عالٍ، ويطرح أسئلة واعية حول مسؤولية الإنسان، وجشع الصناعة، واختلال التوازن البيئي، وانقراض الكائنات، وتغير المناخ، وغيرها من القضايا الحيوية.
وهو في حقيقته حاجة وجودية قبل أن يكون خيارًا إبداعيًا، ومن شأنه تصحيح المفاهيم التي تتعلق بالبيئة بشكل يعيد صناعة وعي الإنسان تجاه الكوكب الذي يعيش عليه.
وهو بجوهره فعل مقاومة، لا ينتصر للبيئة فحسب، بل لكل أشكال الحياة بما فيها حياة المدمِّر العاقل فيها “الإنسان”. فيعيد ترتيب العلاقة المختلة بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان وبقية الكائنات.
تعود الجذور الفكرية للأدب البيئي إلى منتصف القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الثانية، فقد ظهر نوعاً من المقاومة الأدبية والفكرية على القيم الرأسمالية، والاستهلاكية التي تدمر البيئة، ولكن الربط بين الأدب والبيئة أكاديمياً لم يظهر إلا في السبعينات، وتحديداً في الولايات المتحدة. ولم يتبلور بوصفه مجالاً نقدياً وأدبياً واضحاً إلا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، مع تأسيس جمعية دراسات الأدب والبيئة.
ومنذ أوائل الألفية الجديدة، اتّسع حضور الأدب البيئي في الأدب العالمي، وباتت الجامعات تُدرّسه أكاديمياً في الجامعات بتصنيف مستقل.
ومع أن الأدب لا يملك أدوات سياسية أو اقتصادية مباشرة، ولكن تأثيره في تشكيل الوعي لا يمكن إنكاره. فهو يقدّم ثلاثة أدوار أساسية:
أولاً: يسهم في نشر الوعي البيئي، من خلال لغة تصل إلى وجدان القارئ، لا إلى عقله فقط.
ثانياً: يقدّم شهادة على ما يحدث، ويوثق الانتهاكات التي تتعرض لها البيئة. والتوثيق هنا ليس غاية في ذاته، بل بداية لأي تغيير حقيقي.
ثالثاً: يحفّز على الفعل، من خلال زعزعة النظرة المستهلكة للطبيعة، وطرح بدائل أخلاقية في العلاقة معها.
من الأعمال الأدبية التي جسدت هذا التوجه بوضوح (على سبيل المثال، لا الحصر):
- رواية “سنتي من اللحوم” للكاتبة روث أوزيكي، التي تفتح نقاشاً حول صناعة اللحوم، وتأثيرها في الصحة والبيئة.
- رواية “شعب الحيوان” للكاتب إندرا سينا، إذ تسرد كارثة بيئية من وجهة نظر أحد الناجين، لتكشف الأثر العميق للكارثة على الإنسان والطبيعة معاً.
- قصيدة “اعتذار للطبيعة” للشاعر والت ويتمان، وتعكس ندم الإنسان على ما ألحقه بالأرض.
- قصة “من أجل قطرة ماء”، المدرجة في منهاج اللغة العربية للصف السابع في قطر. تحذر القصة من استنزاف الموارد المائية، وتدعو لحماية حق الأجيال القادمة في الماء.
وفي الحديث عن دور الأدب البيئي في العالم العربي، فرغم ريادة عبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني، في هذا المجال عربياً، فإنه ما زال محدود الانتشار بوصفه تياراً أدبياً لأسباب مفهومة جزئياً، إذ طغت مواضيع الحرب والهوية والمنفى على النتاج الأدبي في العقود الأخيرة نتيجة الظروف التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط.
لكن هذا التبرير لم يعد كافياً اليوم. فتغيّر المناخ، وحرائق الغابات، وشحّ المياه، والتصحّر، وانقراض بعض الأنواع، لم تعد قضايا مؤجلة. بل هي واقع يهدد حاضرنا، وليس مستقبلنا فقط.
من هنا تبرز حاجتنا اليوم إلى كتابة مسؤولة، ترى الأرض بيتاً كبيراً لكل المخلوقات، لا مخزناً مفتوحاً للاستهلاك. أدب يذكّرنا بأننا لسنا فوق الطبيعة، بل جزء منها، وأن أي خلل في هذا النظام سيطالنا نحن، ولعل أهم ما يمكن التركيز عليه في هذا السياق، أدب الطفل لإنشاء جيل واعٍ، مسؤول، وملتزم بقضايا الأرض والبيئة.
حيث يصبح الأدب الأخضر خطوة صغيرة في طريق طويل نحو إصلاح العلاقة المشروخة بين الإنسان والكوكب.
كاتبة وفنانة تشكيلية سورية
مجلة أوراق/ العدد 24
