فراس المحيثاوي: قلم النجار: بين شعرية المسرود وغنائية القسوة

يُعد الكاتب الإسباني “مانويل ريفاس”، المولود في “غاليسيا” عام 1957، أحد ألمع ممثلي تيار الموجة الجديدة في الرواية الإسبانية. كما أن هناك شبهَ إجماعٍ على اعتبار رائعته المعنونة (قلم النجار)، التي صدرت بطبعتها العربية الأولى عن دار “نينوى” عام 2001، نموذجًا بارعًا في تمثيل خصائص هذا التيار.

فالرواية، التي قامت على سردٍ رشيقٍ يأخذ القارئ إلى عوالم الحكاية بسلاسة موسيقية مدهشة، وجعلت من الحرب الأهلية الإسبانية مسرحًا لأحداثها، تروي تفاصيل المصائر المتداخلة للدكتور “دانييل دا لا باركا” الجمهوري الذي يتحدى الموت باستمرار وينجو منه في كل مرة داخل سجون الجنرال فرانكو، و”هيربال” الكتائبي الأمّي الذي يتبع لا باركا مثل ظله، و”الرسام” الذي يبقى أداة ربط بينهما في حياته ومماته.

يجري سرد معظم أحداث الرواية على لسان “هيربال”، وهو يقص ذكرياته على “ماريا دا فيسيتاساو”، ويتخذ الكاتب من هذه الجزئية محطةً يعود إليها كلما أراد الانتقال بالحدث أو الزمن، وهو بذلك يحاكي أسلوب “أنطونيو تابوكي” في روايته “بيريرا يدّعي”.

تبدأ الحكاية من زيارةٍ يقوم بها الصحفي “كارلوس سوسا” إلى منزل الدكتور “دانييل دا باركا” لإجراء حوار صحفي معه، قبل أن (يسبق سيفُ الموت العذل) كما يقال. فالدكتور في ذلك الوقت كان قد بلغ من العمر عتيًّا، غير أن الصحفي يفاجأ برجلٍ صلبٍ لا يزال قادرًا على القيام بثورة جديدة، كما أن شغفه بزوجته (الفاتنة رغم كهولتها) “ماريسّا ماللو” لا يزال متقدًا. لم يكن هذا الغرام المتقد والمتبادل خافيًا على الصحفي الذي افتتح حواره بسؤال الزوجين عن قصة بداية الحب بينهما.

بعد ذلك يرسم الكاتب الخطوط العريضة لشخصيات ثلاث:

  • هيربال: الذي يدير نزلًا تتصدّره لافتة مضاءة تحمل صورة إحدى “الفالكيريّات”، ويقدم الأطعمة والمشروبات غطاءً لأقدم مهنة في التاريخ: “الدعارة”. 
  • مانيلا: التي تعيش معه، وتتقاسم وإياه العمل والنوم في حجرة واحدة، من دون أن يعلم أحد طبيعة العلاقة بينهما.
  • ماريّا دا فيستياساو: القادمة حديثًا من إحدى جزر الأطلسي الأفريقية، من غير أوراق ثبوتية، للعمل في النزل بائعةَ هوى بعد أن بيعتْ لمانيلا.

وسيلاحظ القارئ حضور شخصية هيربال في معظم فصول الرواية، على عكس الشخصيتين الباقيتين اللتين يكاد يكون حضورهما معدومًا لاحقًا.

تُبرز الرواية تداخلات الحرب الأهلية الإسبانية من خلال وصف الصراع بين الجمهوريين والكتائبيين من جهة، وبين الماركسيين والفوضويين من جهة أخرى. كما تصف وسائل التعذيب التي شاعت في عهد نظام الجنرال فرانكو بحسّ مأساوي ساخر؛ فقد كان يُطلق على الحملات التي يقوم بها الحراس لاعتقال الثوار اسم “رحلات الصيد”، كما كان يُطلق على الحراس الذين يأخذون المحكوم عليهم بالإعدام إلى حتفهم اسم “المنزّهين”.

ويبدأ التنامي الدرامي للحدث الروائي عندما يسرد هيربال على ماريّا تفاصيل قيامه بـ “تنزيه” الرسّام، حيث أطلق النار عليه حين كان يعتذر منه بنظرة عينيه، مستحضرًا عمّه الذي كان يفعل الشيء نفسه في أثناء ممارسته صيد الثعالب.

بعد ذلك يشرع في سرد ذكرياته حين كان حارسًا في سجن “الفالكونا” بمدينة سانتياجو، مستحضرًا حواراتِ المعتقلين حول السياسة والقضايا الأنثروبولوجية المرتبطة بنظريات نشوء الإنسان وتطوره، إضافةً إلى رواية فولكلورية (شعبية) عن أختين: إحداهما تُدعى “حياة”، والأخرى تُدعى “موت”، في مناخ ساخر يتسم بمرارة اللحظة والتحايل على المأساة لتبديد الوقت الذي لا ينتهي، 

إلى أن يصرخ أحد المعتقلين: 

“أنتم هناك تثرثرون وتثرثرون، مرددين حكايات العجائز، ولا تدركون أنّهم سيقتلوننا جميعًا، سيقتلوننا جميعًا! جميعًا”. (ص33) وبهذه الصرخة يوقظهم من حلمهم على واقع قاس.

رحلة القلم ورمزيته:

يتداخل السرد بين ما هو مسرود على لسان هيربال، الذي يوجّه خطابه إلى ماريا دا فيسيتاساو، وبين ما هو مسرود على لسان راوٍ عليم يستعين به الكاتب عندما يريد أن يحيّد هيربال عن مسرح الأحداث.

وعندما يريد الكاتب وصف رحلة الحج التي مرّ بها “قلم النجار” إلى أن حطّ رحاله بين يدي الرسام، فإنه يلجأ إلى القص بلسان راوٍ عليم. أما القلم فإنه يتجاوز وظيفته العادية متحولًا إلى رمزٍ للثورة ورفض الدكتاتورية؛ فهو ينتقل من يد ثائر إلى يد آخرَ ليستقر أخيرًا في يد الرسام، الذي يقوم برسم حكاية الثورة من خلال تجسيد “بوّابة المجد في كاتدرائية سانتياغو دي كومبوستيلا” تارة، وتصوير وجوه رفاق الثورة تارة أخرى، في شغفٍ محموم يعصف به التوق إلى الحرية.

الرسام، الذي يعتقد أن أفضل سيناريو لخلق العالم هو ما ورد في الكتاب المقدس، يعمد إلى إعادة تشكيله من خلال رسوماته؛ فيُطوّب “كاسال”، الذي كان عمدة كومبوستيلا قبل اعتقاله، باسم “موسى” حامل ألواح الشريعة. و”كاسين”، المنتسب إلى نقابة سكك الحديد، يصبح “يوحنا الإنجيلي”. والملازم مارتينيث يغدو “القديس بطرس”. والمعتقلان العجوزان يصبحان مرافقَي عازف الأرغن في جوقة القيامة. أما “دومبودان” فإنه يغدو الملاك الذي ينفخ في البوق. وأخيرًا فإن دا باركا يصبح “النبي دانيال”.

يستمر السرد على لسان الراوي العليم في وصف المصادفة التي جمعت بين الدكتور دا باركا والرسام، عندما كان هذا الأخير في زيارة إلى مستشفى الأمراض العقلية في “كونسكو” ليرسم الأثر الذي يُحدثه الألم النفسي في الوجوه. وبعد ذلك يحاول المغادرة متأخرًا نصف ساعة عن الوقت الممنوح له، ليفاجأ بالبوابة موصدة. ويخرج الدكتور دا باركا على نداء استغاثته، ويحاول إخافته وكان قد أوهمه بأنه نزيل هذا المستشفى منذ سنتين نتيجة ظرف شبيه بظرف الرسام الذي كان قد تعرض له فيما مضى. غير أنه يكشف عن دعابته وهويته الحقيقية حين يستبد الخوف بالرسام، لتنشأ بينهما بعد تلك المصادفة علاقة وطيدة. ثم يعود الكاتب إلى السرد على لسان هيربال ليصف الحدث الذي دفعه إلى مراقبة الدكتور دا باركا والالتصاق به كظله.

ولا يلبث أن يقدم للقارئ جوانب من شخصية الدكتور دا باركا من خلال مراقبة هيربال له وكتابة تقرير مفصل عن تحركاته، يقوم بتقديمه إلى الرقيب “لانديسا”. ولا يغفل مانويل ريفاس عن الإيحاء للقارئ بالحب الذي يكنّه هيربال لماريسّا، خطيبة الدكتور دا باركا، ليمنح الأول مسوغًا يجعله يكره الثاني، برغم ادعائه أمام الرقيب أنه لا شيء شخصيًا دفعه إلى قبول مهمة المراقبة.

تتجلى الضغينة بصورة واضحة في شخصية هيربال حين يقوم مع مجموعة من الحراس باعتقال الدكتور دا باركا، الذي كان يتمتع بشعبية دفعت عاملاتِ مشغل الخياطة إلى شتم الحراس والصراخ في وجوههم احتجاجًا على اعتقاله:

“كان بإمكاني تفهّم صراخ أمه، أما صراخهن فقد كان يخرجني عن طوري. وعندئذٍ بحت بما كان ينهشني من الداخل: ما الذي ترينه في هذا القواد؟ ما الذي يعطيكن إياه؟ إنكن عاهرات، جميعكن عاهرات”. (ص50(

ثمّ يرجع الكاتب بالزمن إلى الوراء ليسرد جوانب من الطفولة البائسة التي عاشها هيربال، تلك الطفولة التي أرهصت كائنًا يمور بالحقد والحسد.

غير أن براعة المخيال الأدبي عند مانويل ريفاس راحت تتجسد في أبهى صورها في الفصول التي جاءت بعد قيام هيربال بتنزيه الرسام (قيادته إلى حتفه)، إذ يتحول شبح الرسام إلى صورة عن ضمير هيربال، صورة تحركه على ما تبقّى من جسد الرواية بخصوصية سيكولوجية تبرز تقلبات النفس البشرية التي يتصارع داخلها الخير والشر. ويزداد هذا الصراع حدة عندما يرفض الدكتور دا باركا الموت بعد أن قام الحراس بتنزيهه في المرة الأولى، إذ كان من حسن طالعه أن يحظى جسده بالطلقة الخلبية التي يضمنها الحراس في حفلات قتلهم إمعانًا في التسلية. ومن هذا التفصيل جاء عنوان الرواية: “قلم النجار”، إذ إن هيربال عندما استولى على القلم من الرسام الميّت راح يكتسب صفاته من دون أن يشعر؛ فقد امتنع عن احتساء الكحول، وتحسن قاموس مفرداته، وغدا صوته هادئًا، وكأن من يرث قلم النجار يرث كذلك صفاتِ مالك القلم السابق.

مقاومة السجن: لعبة العقل والرمز

يمكن تصنيف رواية “قلم النجار” ضمن أدب السجون في سياقٍ ما، فالكاتب لم يحجم عن وصف السجن والمعتقلين مشهديًا وسيكولوجيًا:

“خير دليلٍ على إظهار الصداقة في السجن هو المساعدة في التفلية من القمل، مثلما تفعل الأمهات لأبنائهن. كان الحصول على الصابون مستحيلًا، وكانت الملابس تُغسل بالماء وحده، وبمقادير شحيحة جدًا منه. فكان لا بد من الأيدي الصبورة لانتزاع الطفيليات وقمل العانة.”

غير أن الرواية لم تكتفِ بالصورة النمطية لأدب السجون، بل تعدت ذلك إلى إظهار انعكاس أثر السجن على خطاب الشخصيات داخل الرواية، وقد بدا ذلك جليًا في حوار أحد المعتقلين مع الدكتور دا باركا داخل الزنزانة. (ص69)

يتنامى حسّ السخرية في الرواية خلال وقائع محاكمة الدكتور دا باركا؛ فعندما يطلب القاضي منه أن يدلي بأقواله، يشرع المتّهم في سرد وقائع علمية وتاريخية لا تمت إلى الاتهامات الموجهة إليه بصلة. ولا تجدي محاولات القاضي إرغامه على الالتزام بمضمون القضية أو حتى إسكاته. وهو -ظاهريًّا- يوحي بأنه ليس سويًا من الجانب الذهني، ولكن القارئ الحصيف سيكتشف في قرارة نفسه أن دانييل دا باركا يسخر بصورة مبطنة من المحاكمة الصورية التي تُجرى معه.

وفي نهاية خطابه يدعي أن اسمه الحقيقي هو “دومبودان”، والتي تعني “الطفل”. وسيكتشف القارئ بعد قليل أن “دومبودان” الحقيقي قد أعدم مسبقًا، بل إنهم نزّهوه بدلًا من الدكتور دا باركا عندما انتحل شخصيته ليفتديه. وهذا يعكس براعة لافتة عند “ريفاس” في الإمساك بخيوط الشخصيات وخيوط السرد والحبكة، وتوظيفها بذكاء في جسد النص.

لا تبدو الأمانة السردية، التي يروي بها هيربال الوقائع الخاصة بدانييل دا باركا لماريا دا فيسيتاساو، منسجمةً مع طبعه الشرير، وكأن الكاتب لا يريد أن يسمَ أيًا من شخصياته بالشر المطلق. فهو، عندما يتكلم عن الأمل الذي يبعثه سلوك الدكتور دا باركا مع زملائه المعتقلين، يبدو معجبًا به، خاصةً عندما روى كيف تمكن الدكتور من تنويم النزيل “جنكيز خان” مغناطيسيًا ليحوّل وجبته التقليدية، التي يطلق عليها النزلاء اسم “ماء غسيل اللحم” على سبيل السخرية، إلى مائدة عامرة مترافقة مع النبيذ والحلوى. فالكاتب يطعّم عناصر الحكاية بالنكهة الشعرية للارتجالات التي يبتكرها النزيل مقاومًا ظروف اعتقاله القاسية.

ويصف الكاتب ذكاء الدكتور دا باركا حين يدير ثورة من داخل المعتقل برسائل مشفرة تتحدث عن كرة القدم. وهذه الرسائل، التي يفتحها هيربال خلسة من دون أن يكتشف ما تخفيه بين طياتها، تجعله يستهجن اهتمام الدكتور دا باركا بكرة القدم، وهو اهتمام ليس له جذورٌ سابقة في حياة الدكتور حسبما يعرف هيربال:

“لقد كان أسطورة في صفوف المقاومة. فترتيب اللاعبين الذي كان يقترحه في رسائله، وتعليقاته حول تكتيكات كرة القدم، كانت في الواقع معلومات مشفرة للتنظيم السري”. (ص170)

وهو بذلك يقوم بربط عناصر الحكاية شيئًا فشيئًا ببراعة حكّاء وباحترافية كاتب مهجوس ينسج عوالم نصّه بصبر وأناة.

تداخل الأصوات: 

ولكن قلم النجار لم يُدفن مع الرسام حين قتله هيربال، بل بقي مع القاتل. ويمكن تخيل ما الذي يمكن للقلم فعله في يد نجار أو ثائر أو رسام، غير أن أحد أكثر أسئلة الرواية إلحاحًا هو:

 ماذا يمكن أن يقول القلم حين يقع بين يدي قاتل؟

مانويل ريفاس يجيب عن هذا السؤال من خلال وصف التحولات الحادة في شخصية هيربال؛ تلك التحولات التي تتناوبه بدءًا من صوت الرسام في رأسه، وصولًا إلى صوت “الرجل الحديدي” الذي يسيطر على أفكاره في فترات غياب الرسام بحثًا عن ابنه. وعلى هذا فإن رواية قلم النجار لا تندرج تحت أدب السجون فحسب، بل إنها كذلك تنتمي إلى روايات “القرين”. فالأصوات التي يسمعها هيربال في رأسه؛ صوت الرسام الذي يوقظ فيه الحس الإنساني التواق إلى الجمال في البداية، ثم صوت الرجل الحديدي الذي يعيده إلى نزعة السيطرة والحس السلطوي لاحقًا، توضّح بصورة جليّة أن هيربال يتحدث إلى قرينه، بل إلى أقرانه.

وهناك أمثلة كثيرة في الأدب على هذا النموذج من الكتابة، مثل رواية “كل الأسماء” لخوسيه ساراماغو، ورواية “مذكرات بقرة” لبرناردو أتشاغا، والقائمة تطول.

ينثر الكاتب استعاراته على جسد الرواية بطريقة تتناغم مع لغة المسرود الشعري، وتحيلنا إلى رواية أخرى تتقاطع معها في الفكرة والمضمون: “ساعي بريد نيرودا”، خاصةً في حوار هيربال مع عمه “نان” النجار، ويقترب هو نفسه من قطعة الحور، ويشم بعمق، مغمضًا عينيه: رائحة أنثى مستحمّة في النهر. (ص 95)

الطبيب دانييل دا باركا يدعو التدرّن الرئوي الجمال السلّي، والرسام يجسد حكايته مع أصدقائه الثوار برسم كنيسة سانتياغو دي كومبوستيلا.

 والكتائبيون يطلقون على عمليات الاعتقال “رحلات صيد”، والحراس يدعون عمليات إعدام المعتقلين “النزهة”. والكاتب يخلق شخوصًا تخترع أبجديتها الخاصة. إنها رواية عن طبيب يعيد تسمية الأمراض ليمنح المرضى الأمل، ورسام يصنع ثورة بقلم نجار.

إنها إحدى أجمل الروايات التي كُتبت عن الحرب الأهلية الإسبانية، لذا لم يكن ثمة غرابةٌ في أن يصرّح المترجم المرحوم صالح علماني بأن هذه الرواية هي أكثر عمل أدبي وجد متعة في ترجمته. ولا غرابة كذلك في أن يقول عنها الروائي الألماني غونتر غراس: “عرّفتني رواية قلم النجار بالحرب الأهلية الإسبانية أكثر من أي كتابٍ تاريخيّ قرأته.”

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply