فراس المحيثاوي: الصراع الداخلي للقيم الإنسانية في رواية “باب السلام السماوي”

تضع الروائية الصينية “سان شا” القارئ في قلب الحدث منذ السطور الأولى لروايتها الملحمية: “باب السلام السماوي” التي ترجمها إلى العربية “إسكندر حبش” وصدرت عن منشورات “المركز الثقافي العربي” عام 2006، فالمكان يعبق برائحة الموت، معتصمون يواجهون جنوداً ورصاصاً وسلاسل دبابات، وصديق يحاول إقناع صديقته بالابتعاد عن ساحة الاعتصام ثم يسقط ميتاً برصاص الجنود، مجزرة يرتكبها الجنود في باب السلام السماوي، كل ذلك في مشهد واحد.

من مفارقات هذه الرواية أنها تحمل عنواناً يشي بالهدوء، بينما هي تعجّ بالصخب، ولكن هذا العنوان ليس بعيداً عن تجسيد المقولة النهائية للنص، فالرواية هي دعوة للسلام والمحبة ونبذ الشمولية التي لا تنتج سوى المزيد من الدماء، وهذه المقولة تتجلى واضحة في الكلمات التي وجّهها أحد الطلاب المعتصمين إلى الضابط “زاوو”:

  • أنت، أيها الضابط، تعال واجلس معنا! أنت المدافع عن الشعب، ونحن الشعب. ما الذي يفرّقنا؟ إننا شبان ونحب وطننا، هذه النقاط تجمعنا، إن هدف حركتنا هي دمقرطة الحكومة، وإلغاء الفساد، حان الوقت لأن تتخلّص الصين من الأشياء عديمة الفائدة التي تثقل كاهلها، وتحلّق عالياً. (ص 26)

تروي “باب السلام السماوي” أو “تيان آن مين” حسب اللفظ الصيني قصة الفتاة إيمي ونشاطها الثوري ضد دكتاتورية “ماو” الزعيم الصيني المستبد، كما تتحدث عن ملاحقة الملازم زاوو لها، فهي رواية قائمة على الصراع بين شخصيتين رئيسيتين تعيشان تحولات داخلية، تصوغ أفكارهما وتنسج مصائرهما كلاً على حدة:

  • الملازم زاوو المؤمن بالأفكار الماويّة عن الماركسية اللينينية، الذي يعتقد بضرورة استخدام القوة لتحقيق العدالة الاجتماعيّة
  • إيمي التي تؤمن بالحرية الفردية وتطبيق الديمقراطية على الجميع

وهذا الصراع يبرز من خلال ملاحقة زاوو لإيمي، كما يبرز من خلال التحولات التي تطرأ على شخصية زاوو، عندما يصطدم بأفكار مختلفة عن أفكاره، ليتحول إلى صراع داخلي يعانيه بمفرده.

ثمة انحياز واضح في الفكرة التي تطرحها الرواية صوب الحسّ الفطري بالعدالة، فسائق الشاحنة “وانغ”، الأمّي الذي ينحدر من أسرة صيادين، الذي لا يهتم مطلقاً بالشأن السياسي، لم يحجم عن إيواء الشابّة “إيمي”، الشخصية المحورية في الرواية، في منزله. بل إنه أقنعها بالاختباء في منزل والديه القابع في ركنٍ معزول على شاطئ البحر، ولم يخفِ إعجابه بشجاعة إيمي، واستياءه من المسؤولين الذين أطلقوا النار على الأبرياء حسب تعبيره.

يبدأ الخط الدرامي في الرواية بالتصاعد بعد أن ينهي زاوو قراءة مذكرات إيمي.

اعتمدت سان شا على أسلوب السرد البسيط البعيد عن التكلف والزخرفة اللفظية، والتركيز على الحكاية بصورة تدفع القارئ إلى أن يتماهى مع عوالم القصّ بشغف.

ولكن الذروة الدرامية في الرواية تبدأ حين ينتهي زاوو من قراءة دفتر مذكرات إيمي، ليعتمل في نفسه الصراع بين ما بقي يؤمن به طويلاً، وبين ما تركته هذه المذكرات من انطباع.

تطرح الرواية أحد أعمق أسئلتها حول مفهوم الدكتاتور حين تورد إيمي في دفتر مذكراتها صوراً مختلفة من تأثير خبر موت الزعيم ماو على الناس، إذ تشعر البطلة أنّ ردود الأفعال تثير لديها الرغبة في الضحك، وبخاصة من جانبها المشهدي الكوميدي الذي لا يقوم على أبسط قواعد المنطق، ولكنها – حين تنتبه إلى ما قد يجرّه عليها هذا الموقف من مشاكل – تلجأ إلى استحضار وتخيّل أقسى المشاهد، لتعتصر الدموع من عينيها.

في مرويات دفتر المذكرات الخاص بإيمي يشهد القارئ تفاصيل تجربتها الأولى في الحب، تلك التجربة التي عاشتها مع زميل دراستها “مين” الكائن الذي يؤمن بالخيال والفن، ويمقت العلوم المادية، الذي أقسِر على الابتعاد عن إيمي وطرِد من المدرسة، وانتحر في نهاية المطاف. وقد أثّرت هذه التجربة في تشكيل وعي إيمي فيما بعد:

“للمرة الأولى، في هذه الوحدة الجديدة، فكّرت في عذابي. في الواقع، لا علاقة لانتحار مين أو لمذبحة “تيان آن مين” أو لهروبي من بكين بالأمر. إن الألم الذي ينهشني منذ سبع سنوات، ليس سوى الرغبة المستمرة في الموت”. (ص 101)

يبدو الموت وكأنه سيّد الموقف في الرواية، فقد حضر بقوة عندما مات زميلا إيمي في مشهدين مختلفين: أحدهما مات منتحراً، والآخر مات برصاص الجنود وهو يحاول إبعاد إيمي عن بؤرة الخطر، كما حضر في مذبحة ساحة “تيان آن مين”، وفي حوار زاوو الداخلي وهو يصف كيف قتل العديد من أعداء الوطن حسب تعبيره، ولكن “سان شا” تصوّر الموت بطريقة تدعو البشر جميعاً إلى نبذه، ومن ثم يبدو الموت في روايتها بمثابة دعوة إلى تمجيد الحياة، كما أن “باب السلام السماوي” ليس مجرد ميدان اعتصام، وليس مجرد معقل ثورة، بل إنه يحمل معنىً دلالياً أكثر عمقاً من ذلك بكثير؛ إنّه نافذة على السلام الإنساني، السلام القائم على نبذ العنف وقبول الآخر.

تتجلّى مقولة الرواية في خطاب إيمي عندما كانت مختبئة عند والدَي وانغ في منزلهما المنعزل قرب شاطئ البحر:

“لقد أحرقتني الشهوة مثل النار. بعد موت مين، شعرت بتعاسة كبيرة لدرجة أن حبي للحياة قد تحوّل إلى بغض. أفهم اليوم، أخيراً، الخطأ الذي كاد يؤدي إلى خسارتي: لقد طلبت الكثير من الحياة، ظننت أنها مدينة لي بالسعادة والطمأنينة. في الواقع، لا تهبنا الحياة، لا الشر ولا الخير. ليست السعادة سوى ثمرة نزرعها ونحصدها في نفوسنا. لا يمكن أن نحصل عليها من الخارج. لم عليّ أن أكتئب مثل طفل لم تقدّم له أية هدية؟ لا زالت أمامي سنوات بأسرها لأكون سعيدة”. (ص 101-102)

تمزج “سان شا” في روايتها الواقع بالأسطورة، فالصيادون يروون لزاوو حكاية تراثية عن فتاة بارعة الجمال تعيش في الجبل، تمضي متنقلة على متن فهد وتصادق الحيوانات، تقع في غرام شاب كان يتلصص عليها، يغادرها واعداً إياها بالعودة، غير أنه يهجرها، تلك الفتاة ذاتها تعثر إيمي على تمثال منحوت لها حين تكون مختبئة في الجبل، ثمّ تحلم إيمي بشخص يزورها في الحلم ليخبرها عن وجود باب يصل إلى السماء، لتربط بينه وبين الساحة التي تعارف الناس على تسميتها “باب السلام السماوي”، وهي بهذا السرد – أعني الكاتبة – تطعّم روايتها بنكهة الخيال والشعر والأساطير.

تلعب الكاتبة بذكاء على دلالة العنوان، فالشخصية التي أثّرت بعمق في حياة إيمي هي “مين”، ومين باللغة الصينية تعني الباب. والحدث الذي أثّر بعمق في حياتها، إضافةً إلى انتحار مين، هي المذبحة التي جرت في باب السلام السماوي/ تيان آن مين، ولهذا التشابه بين اسم الساحة التي جرت فيها المذبحة واسم حبيبها المنتحر معنى دلالياً واضحاً، فالحدثان كانتا بوابة إيمي لتعيد صياغة شخصيتها ولتعيد صياغة تعاريفها لحياتها.

إنّ “سان شا” توظّف آليات السرد ومفهوم العنوان بمعناه الكلي: عنوان الرواية واختيار أسماء الشخصيات بصورة تشي بكاتبة مبدعة.

اللغة الشعرية واضحة في الرواية، وكذلك الوصف المشهدي لعناصر الطبيعة، والاستعارات تبعث على الدهشة، ثمة تناغم عذب بين حداثة الموضوع الذي يتقنه الكتّاب الغربيون والوصف التصويري المتجذر في تقاليد الثقافة اليابانية التي ورثتها الكاتبة من أسلافها في الكتابة: “ياسوناري كاوباتا، ويوكيو ميشيما، وكينزابورو أوي، وجونيشيرو تانيزاكي، وشوساكو إندو، وشيتشيرو فوكازاوا…” لكأني بالروائية تصوغ أنشودة مدهشة قوامها قصيدة هايكو ممزوجة بتيار الموجة الجديدة في الرواية الفرنسية، رواية عن الموت الذي يتجلّى واضحاً برغبة إيمي عبور باب السلام السماوي للوصول إلى مين، وكذلك عبور زاوو أسطورة الفتاة التي تمتطي نمراً للوصول إلى إيمي. إنها قصيدة في تمجيد الموت الشكسبيري مطعّماً بنكهة الساموراي، الموت الذي تتفتّح بين طياته أزهار الحياة.

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like