غفران طحان: ابتسام تريسي.. حين يحكي الخيال الحقيقة كاملةً

حين تعجز كتب التاريخ عن سرد خبايا الأحداث الكبرى كلها، ينجح الأدب في ذلك، ويغوص عميقًا في التفاصيل، يمسك بالنبض الإنساني، بالقصص الصغيرة التي تقدم الحقيقة كاملةً عاريةً واضحة، ليكون صوت الإنسان المقهور الذي يرغب في أذن تسمعه لتدرك فداحة ما مر به.
هنا يظهر صوت الروائية السورية ابتسام تريسي، ابنة أريحا، التي اختارت أن تكون شاهدة على ثورة وطنها، موثقةً الألم والأمل معًا في صفحات رواياتها.
وعلى الرغم من محاولات التهميش والتعتيم، ومحاولات التجاهل الحقيقي لصوتها، لم تنحنِ ابتسام تريسي أمام الضغوط، بل واصلت الكتابة بعزم لا يتزعزع، مؤمنة بأن الصمت لم يعد خيارًا. وكما تقول: لا أكتب لكي أرضي أحدًا، بل لأنني لا أستطيع الصمت.
في ورقتي هذه سأقدم بانوراما لروايات الأستاذة ابتسام تريسي خلال فترة الثورة السورية، وسأحاول في عجالة أن أتحدث عن أهم القضايا التي طرحتها تلك الروايات، والتي سأحاول تلخيصها في ثلاثة محاور: (الواقع وتجليات المأساة خلال الثورة السورية، الفانتازيا التاريخية في خدمة الواقع، المرأة السورية وتفاصيل الثورة والجمال).

أولاً: الواقع وتجليات المأساة في الثورة السورية
لا ريب في أنّ الأدب ينطلق من الواقع ويؤسس لرؤيته من خلال تفاصيله، وحين يكون الحديث عن واقع مرعب كالذي مرت به سوريا سيكون للمأساة حضورها اليومي في تفاصيل الإنسان السوري، ومن ثم الشخصيات الروائية التي تمثله ضمن يومياتها. ولأن عين الأديب تكون واعية ثاقبة مستشرفة لأحداث عظيمة، فقد أسست ابتسام تريسي لصوتها الثوري قبل انطلاق الثورة السورية، حين أصدرت رواية «عين الشمس» (2010) فقدمت فيها تأسيسًا لواقع تكرر بشكل أكثر تجليًا خلال الثورة، إذ عادت من خلال قصة الحب الجميلة التي رسمتها بين نسمة وشمس إلى أحداث الثمانينيات، ورسمت كيف تجرأ الأسد الأب على افتعال المجازر وهدم البيوت وتهجير الناس وزرع الخوف في قلوبهم؛ مقدمةً من خلال القصة وأحداثها التاريخية تمهيدًا روائيًا لانفجار الثورة بعد عقود من الانتظار.
ومع اندلاع الثورة، صدرت رواية «مدن اليمام» (2014)، لتكون من أوائل الروايات السورية التي وثقت بداية الاحتجاجات السلمية، وأحلام الشباب بالحرية، قبل أن تتحول الثورة سريعًا إلى دائرة الدم والاعتقال. استطاعت تريسي في هذه الرواية أن تدمج بين ما هو خاص -وهو اعتقال ابنها نور- وما هو عام –وهو الثورة السورية- لتقدم شهادة إنسانية نادرة عن أهم ما حدث في بدايات الثورة والتحولات الكبرى التي حدثت فيها.
في «لعنة الكادميوم» (2016) استعارت الكاتبة عنصر الكادميوم السام رمزًا للتلوث السياسي والاجتماعي، لتصوير الخراب الذي حل بسوريا تحت وطأة الاستبداد. وقد تناولت في هذه الرواية الجانب الآخر من أوجاع الإنسان السوري الذي وجد نفسه ضحية أطراف تتصارع وتقامر بدمه، فقدمت في هذه الرواية قصة حقيقية عن اختطاف تنظيم داعش لناشطتين إيطاليتين مع صحفي في الشمال السوري.
وفي رواية (الشارع 24 شمالًا) (2019) ركزت الرواية على حياة النساء في اللاذقية، ورصدت تاريخ الحياة في تلك المدينة ضمن حقبة تمتد لقرن من الزمن وصولًا إلى الثورة السورية حيث حكت عن حركة النزوح والهجرة للجدة وحفيدتها، ورصدت تفاصيل الوجع الآخَر للحرب؛ الذي تجلى في الهرب واللجوء والنزوح والخوف الذي كان يظهر في جميع التفاصيل اليومية في رحلة بحث الإنسان السوري عن أي خلاص.
وفي (سلّم إلى السماء) (2020) تحدثت عن عودة الحب القديم واستعادة الأمل في ظل الحرب على الرغم من الظروف القاسية والغربة النفسية والجسدية.
أما رواية (بنات لحلوحة) الصادرة عام 2021 التي وصفتها بـ “الرواية القاتلة”، فقد فضحت فيها عناصر المخابرات المتورطين في الانتهاكات، مقدمة شهادة أدبية نادرة بالجرأة والمباشرة.
كما أظهرت جرائم داعش ضد المدنيين واستلاب الدين كغطاء للقتل، بشكل خاص في (ليلاف الثلج الجاف) صدرت عام 2023، حيث رسمت صورة مأساوية لضحايا التنظيم من النساء والأطفال، وربطت ذلك بانهيار النسيج الاجتماعي السوري.
رسمت الروائية في هذه الروايات بانوراما يومية للحياة في الثورة: شوارع تتحول إلى مسارح للدم، بيوت مدمرة، خوف وقلق ومحاولات للخلاص، خلافات بين الفصائل، خيبات وآمال تموت، معتقلون وصرخات مكتومة، وسرد لتجارب التعذيب والصمود الروحي.

ثانياً: الفنتازيا التاريخية في خدمة الواقع
لا ريب في أن الأديب غالبًا ما يلجأ إلى الخيال لخدمة عمله وتقديم الواقع برؤيا استشرافية جديدة، وقد يلجأ إلى التاريخ ليحكي تجدده وإعادة خلقه في الحاضر. ولكن الروائية ابتسام تريسي لجأت إلى التاريخ بطريقة مختلفة، فجعلت من الفنتازيا التاريخية وسيلة لتقديم رؤيتها لما حدث ولما يمكن أن يحدث.
في روايتها (لمار) (2015) قدمت سيرة ذاتية لعائلة الأسد ونشأتها المريبة، العائلة التي بدأت من الصفر وراحت تتوغل وتنمو من خلال تربية الحقد والسعي للانتقام. ربما تستطيع أن تحيل جميع الشخصيات التي تتعرف إليها في الرواية إلى شخصيات واقعية حقيقة فتبدو أمام سيرة واضحة لا لبس فيها، ولكنك ستجد الفانتازيا متجلية في شخصية لمار، العمة التي استطاعت أن تؤسس لمفهوم الانتهازية واللؤم والحقد بتجلياته القبيحة، شخصية مثيرة قدمتها الروائية بطريقة مدهشة أحالت إليها كل السوء الذي بدأ يظهر في شخصية صخر/ حافظ الأسد الذي كان الظل البارز والأكثر تفوقًا وجدارة بتمثل الحقد وتمثيله كما ينبغي للشر الذي ربته العمة لمار عليه.
شخصية لمار لا نجد لها مكافئًا في عائلة الأسد، ولكننا نجدها تتبدى في جميعهم حقدًا ولؤمًا وشرًا.
ولم تقدم الرواية أحداثها ضمن مسميات المدن السورية بل استعاضت عنها بدار ميساك مثلًا بدلًا من دمشق، وتل الجرب بدلًا من القرداحة.
أمّا في رواية (كاليجولا في دمشق) عام 2022 استعارت الروائية شخصية الإمبراطور الروماني الطاغية (كاليجولا) لتقدّم رؤيتها لمستقبل سوريا إذا استمر العبث السياسي فيها. قدمت في الرواية فانتازيا تاريخية أعادت فيها تشكيل الواقع السوري المحكوم من عصابة تتشهى الدم وتعيش عليه. مرت ضمن شخصيات متخيلة بدءًا بكاليجولا الذي وصف داخل الرواية بالهجين، أي نسخة مشوهة عن الإمبراطور العظيم، وشخصية (الملكة الحمراء) الأم التي اختارت ابنها الهجين الذي كان والده يرفضه ليكون هو الحاكم الوحيد للبلاد، وشخصية (إيما) وهي زوجة كاليجولا، وهذا الاسم يحيل لصاحبته التي لم يخف على سوريّ من تكون.
قدمت الرواية أحداثًا غرائبية تليق بأجواء الفنتازيا التي وضعتنا فيه الروائية ببراعة لافتة، وجعلت قارئها يحيل كل حدث فيها على غرابته إلى واقع عاشه وانتمى إليه وناله من قسوته الكثير.

ثالثًا: المرأة وتفاصيل الثورة والجمال
لا يخفى على أي قارئ لروايات ابتسام تريسي أنها تعتني بشخصياتها النسائية عناية خاصة، فلن يخرج من أي رواية منها إلا وقد تربعت في ذاكرته صورة بطلة الرواية بكل تجليات الحضور الخاص ضمن مسارات العمل.
غالبًا ما قدمت لنا شخصيات نسائية قوية وصانعة للقرار، شخصيات قيادية عاشقة مجنونة وقادرة على قلب الأحداث وإحداث التغيير المطلوب.
من شخصية نسمة القوية التي لم تتهاون في كرامتها على الرغم من الحب، إلى شخصية وداد التي ما زالت تخزن تاريخها ضمن صندوق يحمل أفراح وأحدث الماضي، إلى شخصية لمار التي أسست لحقد عائلة كاملة، إلى شخصية إيما التي حاولت الهرب من زوج مستبد مجنون، إلى لحلوحة التي صنعت تاريخ بنات الهوى وأسست لفضائح المخابرات.
ومن الروايات التي كانت تحمل أكثر من بطلة في أحداثها رواية «القمصان البيضاء» (2020)، إذ حكت الروائية عن مجموعة من النساء اللواتي أصبن بسرطان الثدي وقد عشن الثورة بكل تفاصيلها بما فيها الاعتقال والتنكيل، فكانت لهن قصصهن الخاصة. ومن خلال نافذة التوعية النفسية ضد المرض كانت زوجة الرئيس تمد رأسها بوصفها مصابة أيضًا، ففضحت من خلال الرواية الزيف والكذب الإعلامي، وتطرقت إلى تفاصيل يومية نسائية ضمن الحرب.
واستعادت في (سلّم إلى السماء) حكاية الحب الذي تهرب إليه الأنثى التي تتمرد أخيرًا على واقعها لتعيد تشكليه كما تريد، متحدية المجتمع وتفاصيل الحرب معًا.
ووسط هذا السيل من الأعمال التي تناولت وحشية الواقع السوري في ظل الاستبداد والطغيان والقتل والظلم وسرقة الأمل، ووسط شخصيات نسائية عانت الكثير، قدمت لنا الروائية روايتها «كتاب الظل» (2020)، لتكون متنفسًا إنسانيًا وجماليًا نادرًا في زمن الثورة، يعكس قدرة الكاتبة على الموازنة بين الالتزام بالقضية والبحث عن الجمال، ويفتح نافذة للبوح الحر خارج ضغوط السياسة. فالنساء المعذبات الحزينات اللواتي عانين أنواع القهر والخوف والخيبة والاستلاب كلها، كنّ في هذا العمل زهرات ينسجن روائح الجمال ويحكين حكايات كل زهرة وكل نبتة بشكل أسطوري آسر وخاص.

ختامًا:
إنّ روايات الأديبة ابتسام تريسي تتميز بقدرتها على مزج التوثيق الفني بالتحليل الاجتماعي والنفسي، فهي لم تكتف برصد بطش النظام أو انتهاكات المعتقلات، بل فضحت أيضًا انحراف الفصائل المسلحة وجرائم داعش، مقدمة صورة بانورامية لتعقيدات المشهد السوري. بل كانت تلك الروايات وثيقة أكثر تاريخية من كل ما يمكن أن تجده في كتب التاريخ مستقبلًا؛ لأنها دائمًا ما تنطلق من وقائع وقصص حقيقية وتنسج من الحقيقة خيالًا ممتزجًا بكل ما يمكن أن يجعله عصيًا على التصديق لشدة واقعيته بالنسبة لمن عاشه.
بهذا الصمود والإبداع، رسخت ابتسام تريسي مكانتها كإحدى أصوات الرواية السورية التي لن يُمحى صداها من ذاكرة الثورة. قراءة أعمالها اليوم ليست مجرد متابعة لمصائر شخصيات نحبها ونتعلق بها، بل هي عودة إلى تاريخ حي لم يُكتب بعد بالكامل.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply