سحبَ المسدّس من جرابه الجلدي المتدلّي من حزامه العريض، الشبيه بما كان يتمنطقه أبطال أفلام (الكاو بوي)، وأطلق تسع رصاصات على الأشخاص الثلاثة المكبّلين والممدّدين أمامه، خصّ كلّ واحدٍ منهم بثلاث رصاصات: الأولى في الرأس، والثانية في القلب، والثالثة في جهازه التناسلي. ثمّ نفخ في فوهة المسدّس ليطرد الدّخان المتبقّي في السّبطانة –تمامًا كأبطال الكاو بوي– وأعاده إلى جرابه دون أن تصدر منه أيّة علائم ظفر أو زهو أو استهجان أو توجّس. أفرغ في أجسادهم تسع رصاصات، وبقيت واحدة في المخزن.
غادر مسرح الجريمة وركب فرسًا شقراء، تركها تسير الخبب، تقطع السهول الراكضة تحته، وذهنه شارد يسترجع ذكريات من أيّام خلت: كيف كان يسرج عباب الريح ويحلّق فوق الغيوم السّكرى، يقبض على أمراس الرغبة ويطارد أوسمة المجد، يفترس غضة الندى، يباغت غفوة الزهور، يمجّ عطر الغوى، يتبختر في معبد الكبرياء، ساهمًا إلى لقاء موعود معها، عيناه تبثّان وميض الشغف، وقلبه يرفس أضلاعه اشتياقًا وهيامًا، وما أن يتقابلا حتّى يذوبا في العناق، وجهها يطفح بالتورّد والابتهاج، ولسانه يطلق مواويل الغرام.
يذكرُ كيف انتزعها من لوحة الجدار وألبسها حلّة الحياة، فاكتست لحمًا ودمًا يفور بضجيج الأنوثة. سافرا معًا إلى مجرّة الفرح، هناك عقد قرانه عليها، وطارحها الهوى فوق بساط اللّذة، واستولد منها ذريّة صالحة تحمل اسمه، وتوخّى أن تبرَّ به يوم يحزنون. صيّرته خزّافًا للمعاني ونسّاجًا للجمال، فصبَّ خلاصة إبداعه في بناته الفاتنات الرؤومات الحالمات.
ويذكر يوم اقتادوه ذات ليلة ليلاء، حين سحبوه من سريرها وهما شبه عاريين، لطموها على وجهها فبصقت دمًا، وسط عويل بناته النائمات في مخادع أوراقه، أو اللواتي ما زلن خدّجًا لم يفطمن عن ثدي محبرته.
……
هذا ما رواه لكم يا سادتي الرّاوي العليم، لكنّه لا يعرف لماذا قتل ثلاثة رجال تلك القتلة القاسية، فأنا سأروي لكم السبب. هؤلاء الرّجال، بل الجلادون، هم سجّانيّ الذين تمرّسوا على تعذيبي في السّجن.
طلبوني إلى حفلة تعذيب ليتسلّوا بي في سهرتهم تلك. أدخلني الحاجب إلى غرفة واسعة وركّعني في منتصفها، ثم تركني بينهم وأغلق الباب. كان الشراب قد أخذ منهم مأخذًا، والحشيش أكمل على ما تبقى لهم من همم. وبينما كانوا يشتمونني ويضحكون، قام أحدهم مترنّحًا وركلني، ثم عاد الآخر ليكمل ما فعل الأول. يتناوبون عليَّ تناوب الوحوش الضّارية على طريدة فائضة عن حاجتهم، يطلبون مني أن ألقي عليهم قصائد من أشعاري، فيسخرون مني ويسخّفونني ويقلّدونني بألسنتهم المتراخية، يحومون حولي ويطفئون سجائرهم في صدري. وأنا أتأمّلهم، عرفت أنّ قواهم أضحت خائرة، ومقاومتهم متلاشية، ولمحت مسدّساتهم على الطاولة. وفي غفلة لهوهم انتفضتُ بسرعة وأمسكتُ بمسدّس وغدٍ منهم، (فخرطشته) وطلبت منهم الانبطاح. خرسوا، امتقعت وجوههم، وانذهلوا من هول المفاجأة. أفهمتهم أن أي صوت أو كلمة سيكون مصيرهم الموت السريع، وطلبتُ من أحدهم أن يوثق الاثنين الآخرين ويكمّمهما ويبطحهما بحالة استلقاءٍ على ظهريهما، بينما تركته يستلقي على ظهره ويداه تحته. وفورًا عاجلته بطلقة في الرأس فأسلم لباريه حداء الروح، ثم تبعتُ الثاني به، فالثالث. وبعدها أطلقتُ على كل جثّة طلقتين: واحدة في القلب، والثانية في جهازه التناسلي. تسع رصاصات كانت كافية لأشفي غليلي من هؤلاء الجلادين، وبقيت رصاصة واحدة في المخزن ربما أحتاجها لمرة قادمة.
فاتني أن أقول لكم: إن هذه الجرأة لم تواتني صدفة، فقد سبق لهم أن استدعوني إلى مثل هذا الاحتفال أكثر من مرة، وكنت ألحظ أنّهم دائمًا مخمورون ومخدَّرون، فعقدت الرأي على فعلتي هذه. وزاد من إصراري أنّ أحد مسدساتهم التي يضعونها على الطاولة أثناء استرخائهم من نوع “براوننغ”، الذي خبرت استعماله جيدًا أثناء خدمتي العسكرية، وأقفلت في رأسي أية نية للعدول عما عزمت عليه.
وستسألون أيضًا لماذا أطلقت على كل شخص ثلاث رصاصات في الأماكن التي أشار إليها الراوي العليم وذكرتها أنا.
تقصدت أن أعطب أجهزتهم التناسلية لأنهم اغتصبوني، نعم اغتصبوني ولا أخجل من ذكر هذا، لأفضح فعائلهم الحيوانية. لم يكن جسدي مثيرًا لهم، ولست وسيمًا كما تظنون، ولم يكونوا محرومين جنسيًا، فسطوتهم توفر لهم أجسادًا أنثوية فاتنة متى أرادوا. ولم يكونوا شاذين، لأن الشذوذ يفترض الشهوة، والشاذ لا يمارس الاغتصاب لأنه سيفتقد للذة المنشودة من شذوذه. فعلوا ذلك لإذلالي وكسري وإهانتي، ولإثبات فحولتهم المتوحشة، وفرض فجورهم وجبروتهم.
أطلقت النار على قلوبهم لأنها ميتة أصلًا فهؤلاء بلا قلوب ولا يعرفون الحب ولا الرأفة ولا الإنسانية ولا أي نوع من الإحساس. فقد استدرجوني ذات مرة إلى مسرحية نسجوها ببراعة وانطلت عليَّ، حيث دعوني إلى غرفتهم وطلب مني اثنان منهم أن أكتب رسالة بلسان زميلهم الثالث الممدد على السرير ويدّعي الكآبة والحزن، أن أكتبها إلى زوجته التي وصمها بالخائنة، ويريد منها الابتعاد عن حياته وتركه وشأنه ونسيانه. وطلب مني أن أوبّخها وأصفها بأقذع الصفات من خلال الرسالة، وردد عليَّ كلمات سوقية خجلت من ذكرها، فاكتفيت بوصفها بالمومس والعاهرة والساقطة والنجسة. ومن مساوئ الصدف كان اسمها سعاد، نفس اسم زوجتي. يا لسذاجتي، فقد كتبت تلك الرسالة بخط يدي، وطمعت وقتها أن يحسنوا معاملتي.
علمت لاحقًا من السّيد الراوي العليم أنهم استبقوا هذه التمثيلية بشهور بمنع زوجتي سعاد التي كانت تأتي لزيارتي من مقابلتي، قائلين لها: لا يود رؤيتك. وأخبرني الراوي العليم أنهم أوصلوا تلك الرسالة المكتوبة بخط يدي إلى زوجتي، التي لم تتحمل الخبر حين تأكدت من الخط واللغة والأسلوب، فأقدمت على الانتحار بعد أن ابتلعت علبة دواء المهدئات دفعة واحدة.
أما لماذا أطلقت النار على رؤوسهم أولًا، فلأنني جبان، نعم جبان، فلا أستطيع أن أتحمل رؤيتهم يتخبطون بدمائهم ويصرخون وينتفضون إن لم أصبهم مقتلًا سريعًا، مقتلًا يخمد حركتهم ويشلهم. فلم تستغرق عملية التسديد والرمي إلى رؤوسهم ثوانٍ معدودة.
بلى، خططت لتلك الفعلة بعد تردد وخوف ومراجعة، ثم حسمت أمري ونجحت.
وأُنوِّه إلى أن امتشاقي للمسدس من جراب الحزام ثم النفخ في فوهته بعد إنهاء مهمتي هو محض خيال السيد الراوي العليم، ربما ليزيد التشويق لقصته ويجعلها أكثر غرائبية.
…..
مع الصباح الباكر ازداد الطرق على باب الزنزانة. استيقظ من نومه المستغرق هلعًا بعد حلم كاد أن يؤمّن له فرصة حياة جديدة، ويفرحه بشهوة الانتقام. أحس بصقيع يجتاحه من الداخل، وسرى في أوردته ماء مثلج، هطلت عليه سحابة خيبة غمرته بركامها الأسود، وانطفأت في قلبه فوانيس الأمل، وازداد الضجيج في أحشائه الهائجة النازعة لكسر قضبان صدره، لم يعد لرشده إلا بعد أن انفتحت طاقة صغيرة في باب الزنزانة الحديدي المخصصة لإدخال الطعام، قذف الحارس منها صحنًا معدنيًا يحوي ملعقة من اللبنة الزرقاء المتعفّنة، وبضع حبات من الزيتون المجعد تدحرجت على الأرض بعد أن انقلب الصحن، وقطعة خبز جافة كوجه عجوز نسيه الموت. عاد إلى نومه وغمر رأسه بحرام كالح تفوح منه رائحة العطن، حاول الرجوع إلى حلمه، ولم يعد يتذكر ما حدث.
…….
نعم.. أنا الراوي العليم سأخبركم ما جرى:
لقد نجح بطلنا في العودة إلى حلمه، وأول ما تذكر أنه مازال يحتفظ بالمسدس الذي انتهبه من سجانيه، ويتذكر تمامًا أنه مازال في المخزن طلقة واحدة، رفع المسدس وركّز فوهته على منتصف صدغه، وضع يده على الزناد.
لا أعلم بدقة إن كان قد ضغط على الزناد أم تراجع، أنا أيضا خرجت من كادر هذه الحكاية، الخيار لكم أن تضغطوا على الزناد، أم تتركوه يتعارك مع أحلامه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
أوراق/ 26

Leave a Reply