عبد الله المتقي: جمالية القفلة

“عزف منفرد” للمغربي أحمد رزيق أنموذجًا

ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان، صدرت في طبعة ثانية مجموعة قصص قصيرة جدًا لأحمد رزيق، اختار لها من الأسماء “عزف منفرد 1″، تشتمل على إحدى وستين قصيصة، على امتداد إحدى وثمانين صفحة من القطع المتوسط، وبإهداء دال جاء كالتالي: “إلى شخصيات هذه المجموعة شرارها وخيارها”.

والمقبل على هذه الأضمومة يثير انتباهه جمالية قفلاتها، وهذا ما نلمسه بجلاء في جماع متنها القصصي الذي يميل إلى الإيجاز والقصر والتكثيف، الذي فرضه الإيقاع السريع، وإفرازات العصر الذي نعيش فيه، حيث “أضحى التخييل الذري والأقصوصة الذرية ظاهرة أدبية لافتة”.

فإلى أي حد ساهمت قفلات قصيصات “عزف منفرد” في تحقيق جماليتها النصية؟ وبأية طريقة؟

بداية، دعونا نتفق على “أن القفلة مصطلح مناسب للقصة القصيرة جدًا، أكثر من مصطلح النهاية لأسباب عدة، لعل أهمها أن النهاية تشغل في العمل القصصي حيزًا أكبر لا تتسع له القصة القصيرة جدًا”، بينما القفلة هي جملة الختم الموجزة والسريعة والمكثفة، وذات أهمية قصوى، حتى إن البعض لا يرى قصة قصيرة جدًا من دون “قفلة”. وهذا ما يجعل لها مكانة هامة لدى مبدعيها، واهتمام النقد بشعريتها ودهشتها، وتحديد خصائصها وتنوع أشكالها.

وعليه، تتعدد أنواع القفلات في مجموعة “عزف منفرد”، وتحضر بكل فتونها ومتعتها الدالة، ولا يمكن أن تكون متاحة إلا لقاصّ محترف، وخبير بأسرارها وشباكها. وهذا ما سنلمسه بجلاء في هذا التمرين النقدي، وكما يلي:

  1. القفلة المفارقة:

هي تصوير لتناقضٍ ظاهري، وخاتمة محيِّرة تهدف إلى “التأثير في القارئ بطريقة مباشرة ومكثفة، وتبحث عن تغيير نظرته وتدعوه إلى إعادة الاعتبار للكائنات والأشياء واكتساب الوعي(4)“. 

نقرأ في قصة “نضال”: “تصدر المنصة وتحدث بإسهاب عن حقوق المرأة والمناصفة والمجتمع الحداثي، وفجأة علقت الحروف بمخارجها وكأنها تمارس عصيانًا نبيلًا، كانت زوجته حينها تقتحم القاعة في صمت القديسات، ورائحة العنف الذي يسكن حناياها تستفز حواس المشدوهات بخطاب المناضل..”. (ص74)

تنحو هذه القفلة المفارقة “رائحة العنف الذي يسكن حناياها تستفز حواس المشدوهات بخطاب المناضل”، منحى يعمّق التناقض بقلب الوضعية وإعادة إخراجها، حيث تحوّل خطاب المناضل الشفوي المنتصر لحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل إلى نقيضه، بحضور تعنيفه الجسدي لزوجته في واقعهما المعيش، مما يجعل خطابه مفارقًا، وقائمًا على التناقض في المواقف، ولا يعدو أن يكون شبيهًا بالفجل: ظاهره أحمر، وباطنه أبيض ناصع.

  1. القفلة التناصية:

ونعني بها الختم الذي يحيل إلى نصوص أخرى، سواء شعرًا، حديثًا، أغنية، أو قرآنًا. 

في قصة “قتل” يقول السارد: “قتلت أباها في الوهم مرارًا وهي تنتقل بين أسلاك التعليم الإعدادي والثانوي، لكنها عزمت على قتله حقيقة، وهي تلملم شعث القصيدة، فوجئت به يطلع تارة من حروف قافية، وأخرى من عينين كشرفتي نخيل راح ينأى عنهما القمر” ص70. تتناص القفلة أعلاه “وأخرى من عينين كشرفتي نخيل راح ينأى عنهما القمر” مع مطلع قصيدة “أنشودة المطر” للسياب: 

عيناك غابتا نخيل ســـــاعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

حيث اختراق السرد النمطي والتقليدي، وانفتاح وتحرر النص القصصي، والرقي به نحو التميز والتفرد، وهذا يحيل على شساعة الخلفية الثقافية للقاص، واتساع أفقه المعرفي لخلق الجديد، ومن ثم شعرنته للمسرود وارتياد التجريب.

  1. القفلة الحوارية:

تعددت القفلة الحوارية في المجموعة، لتحتل المساحة الأكبر، كما في القصص التالية: “مفارقات (2)”، “مفارقات (3)”، “القاعدة”، “مبدئي حتى الموت”، “رؤساء”، وقصيصة “تصفيق”. يقول السارد: “وأنا أقرأ في الحضور الذي كان يُعَدّ على رؤوس الأصابع قصيدتي الأخيرة، كنت ألاحظ التصفيق يبدأ من شاب يجلس في الصف الأمامي، ثم يسري إلى الأكف الأخرى على تثاقل… وأنا ألملم أوراقي وأهمّ بالخروج من القاعة بعد انتهاء الأمسية، همست في أذن الشاب بعدما انفردت به: أراك تفاعلت مع قصائدي بشكل كبير. أجابني بعفوية المجانين: تلك هي مهمتي التي كلفني بها رئيس الجمعية، فهل وفقت فيها؟”. (ص77)

في هذه القصة تبادلٌ للحوار بين شخصيتين: “سارد شاعر ومتلقي”، بطريقة مباشرة، وبصورة مكثفة دون إطالة لا تتناسب وطبيعة القصة القصيرة جدًا، مما يتيح للقارئ التعرف على متلقٍ مأجور، ومن ثم توضيح وتعرية ما يحفل به الشأن الثقافي الجمعوي من تشويه لجمالية التلقي، واستبداله بثقافة التهريج والتتفيه، التي تعلن عنها القفلة: “تلك هي مهمتي التي كلفني بها رئيس الجمعية، فهل وفقت فيها؟”.

  1. القفلة الساخرة:

لا شك أن السخرية في “عزف منفرد” تمت بصلة إلى التهكم، بيد أنها سخرية هادفة ومعقلنة، صيغت في سرد قصصي ينقد ويتهكم. نقرأ في قصة “جماهير”: “تابع بشغف خطاب زعيم الحزب العتيد، لم يشك، وهو يجلس في الصف الأول، أن جماهير الشعب كانت تملأ القاعة، خاصة والشعارات تصم أذنيه بين الفينة والأخرى. ولما عنت له منه التفاتة إلى الخلف، كانت جماهير الشعب بالكاد تقارب عدد أصابع يد زعيم الحزب العتيد”. (ص69) 

استنادًا إلى ما سبق، اختارت ختم قصتها بقفلة ساخرة: “كانت جماهير الشعب بالكاد تقارب عدد أصابع يد زعيم الحزب العتيد”، لتلمز إلى ظاهرة العزوف السياسي، لكن بطريقة ساخرة ومتهكمة من ثقافة الشيخ والمريد في المجال السوسيو-سياسي، التي يجسدها الزعيم وأبوته الحزبية المطلقة.

  1. القفلة المضمرة:

نعني بها تلك الخاتمة القائمة على خاصيتي المحو والحذف، وفتح شهية المتلقي وتشغيله لملء البياض، مثلما نجده في قصيصة “جحود” (طوحت به بعيدًا، بعيدًا…)، وقصيصة “رسالة” (يملي على السائق الفرنسي عنوانه بالمغرب…)، وقصيصة “سياسة” (تحت النظرات الشامتة لأصحاب الكتاب والجرار والتفاحة والسيارة…). (ص9)

 وعليه، تتحقق تقنية الإضمار عن طريق الحذف الدلالي بتوظيف النقاط الثلاثة، واختيار (قصة البياض والمحو والنخل وتجنب التفاصيل، أو ما يسميه عبد الله المتقي “الكتابة الكوليسترولية”). وهي لذلك تعوّل على القارئ لملء بياضاتها ولملمة تفاصيلها، مهتدية بالمبدأ البلاغي “خير الكلام ما قل ودل”، وبالمبدأ البلاغي الهندي “خير الكلام ما استُغني فيه عن الكلام”(6). وبهذه الكيفية يندمج ويشارك المتلقي في صناعة النص مشاركة إيجابية.

  1. القفلة الفانتاستيكية:

تعتمد هذه القفلة على مفاجأة القارئ وإدهاشه من خلال تكسير الواقعي وأحيانًا المرجعي، لتحيله على عالم عجيب وخارق لقوانين الواقع المألوف والمتداول، مثلما في قصيصة “احتراق” (وأخذت أجزاء جسمه تتناثر شلوا شلوا، إلى أن تلاشى واندثر)، وقصيصة “مقايضة” (قرار الحاكم مقايضة شعبه بشعب آخر من الدمى).

وهذا من شأنه توظيف العجيب كطاقة رمزية ودلالية، لبث أعلى درجات الاندهاش، والإعجاب، والتفرد، والاستثنائية، ومن ثم اختيار القفلات مسار التجديد، والدعوة إلى الثورة على طقوس الكتابة القديمة.

ومسك الختام، يمكن أن نخلص إلى أن هذا العزف القصصي المنفرد لأحمد رزيق حرص على تنويع القفلات، وسعى إلى تحقيق الإدهاش من خلال تجويع اللفظ وإشباع المعنى، وبعين متلصصة تترصد بخفة لواقع الحال والمحال، مما ساهم في استيعاب تبدلات المجتمع السريعة، الموسومة بالمفارقات واختلاط القيم، وملاحقة الأحلام وتحويلها إلى قصص موجزة متوغلة في أسئلتها بعيدًا عن التكرار والاجترار.

إحالات وهوامش:

  1. أحمد رزيق، “عزف منفرد”، مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، ط2.
  2. CristinaAlvares Nouveaux genres litteraires urbaines p1
  3. شفيع بازين، أشكال القفلة ودورها في شعرية القصة القصيرة جدًا، رقصة النار لفتحية دبش أنموذجًا، القصة القصيرة جدًا في تونس تصورات ومقاربات، إعداد وتنسيق: هاجر ريدان وعبد الله المتقي، دار خريف ط1، ماي 2025.
  4. تياري أوزوالد، الأقصوصة، ترجمة محمد آيت ميهوب، المركز الوطني للترجمة، دار سيناترا، ط1، 2013، ص16.
  5. – جميل حمداوي، القصة القصيرة جدًا “قضايا ومشاكل وعوائق”، مجلة مجرة، عدد 13، خريف 2008.
  6. نجيب العوفي، كأن الحياة، قصة قصيرة مقاربات، مكتبة المدارس، ص249.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply