عبد الرحمن أبو المجد:مقاربة نقدية في خفايا الأرواح مجموعة عبد الله النصر القصصية

مقدمة

الفانتازيا في الاستخدام الأدبي، تشير بشكل رئيس إلى نوع أدبي يعتمد على عناصر خارجة عن الواقع، كالجن والسحر والعناصر الخارقة للطبيعة، وذلك لخلق عوالم خيالية تثير الدهشة في قصص غير مألوفة، وهذا النوع من القصص وجد قبل ظهور الأدب المطبوع بقرون طويلة، ولا يقتصر على أمة دون أمة، إن ظل التباين في الكم لا في النوع. تزخر بها ألف ليلة وليلة، وأعمال هوميروس وفيرجيل، وتتبنى هذه القصص حقيقة العوالم الأخرى، ورؤى ميتافيزيقية وأخلاقية كبيرة، وتعد جوهراً رئيساً يشكل الخيال حتى في الأعمال الحديثة، كثيراً ما يجمع بين قصص الفانتازيا والخيال العلمي.

عبد الله النصر

رغم أنه يسكن مدينة الخبر، فإنه مسكون بالجبيل والأحساء، لا تفارقه الذكريات ولا الأساطير القديمة التي ظلت تسكنه، وظل يسكنها ويتكيف معها، يعايشها وتعايشه، هكذا يمضي في السرد، أو يمضي السرد به… وإذا ما تأملنا رصيده الأدبي، نجد بأنه رصيد كبير، يدلل على تحقق صاحبه، وإيمانه العميق بالسرد، فضلاً عن محاضراته ومناقشاته، ومشاركاته التي أثقلت مسيرته، تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، الرواية الأخيرة لا زالت في التنضيد، وإذا ما نظرنا إلى البعد الإنساني، نجده إنساناً متواضعاً ليس من النوع المتعجرف الذي لا يقبل نصحاً ولا نقداً، بل يقبل على النقد باهتمام كبير، ولا يتضايق من وجهات النظر المتباينة، حتى ولو قصرت في استيعاب مراميه ومقاصده…

هكذا النصر يعايش ويتعايش مع مسكوناته، التي تأبى أن تتخفى، بل تظهر حيناً على استحياء ظهوراً عفوياً، وأحايين كثيرة تظهر في لمحات خاطفة ترفض، ولا تشجب أو تدين بل تخطف، وأحياناً تقتل وتميت، موتاً معنوياً وحقيقياً…

أسلوب النصر

يمتاز أسلوب النصر بلغته الشعرية ووصفه الدقيق، تمثل المجموعة إضافة نوعية للأدب العربي، وتفتح آفاقاً قيمة حتى رأيتني أشجع متحمساً طلبتي في مرحلة الماجستير – مناهج البحث في الأدب الإنجليزي بأخذ نماذج منها في رسائلهم التكميلية للماجستير في الأدب المقارن.

ورغم أنها مجموعة شديدة الخصوصية فيمكن أن تُقرأ في إطار عام يتجاوز الخصوصية برحابة، كما تتجاوز “جريمة قتل في حديقة أيرلندية” بُعدها الأيرلندي…

النصر في هذه المجموعة لا يذكر حمارة القايلة ولا أم السعف والليف، ولا يخوف الأطفال… يتجاوز هذا، ويمضي في دروب مسكونة تتقافز فيها غير المعقوليات والمعقوليات أحياناً، ويمضي منجذباً بخيوط خفية تتجاوز وعي الحس وتندفع بقوة لتحلق عند تخوم الجبل الرابض في الأحساء، تستشرف من بعد، وأحياناً من عمق، وتمضي في صوت مكبوت تصرخ آهات تنذر وتحذر مما يفعله الناس، مما يهدد طبيعتها وخصوصيتها معاً، لا يستخدم النصرُ الأساطير اعتباطاً وإنما توظيفاً مقصوداً، يحمل رسائل مثقلة وحمولات ما أثقلها حين يئن الماء ويلزج، وتفسد كل الأسماك، وتتقافز خارجة ترفض ما اعترى البيئة من تلوثات مادية ومعنوية… هكذا مثقل النصر، وتئن المجموعة بحمل بعير أو أكثر من حمل بعير…

أتذكر الاسم نفسه تناوله الكاتب روجر تشيوتشي، ليصف أحداثاً خارقة للطبيعة، والأرواح التي عناها النصر، عناها طبقاً لمفهوم الثقافة الإنسانية، واستخدمها عنواناً لمجموعته القصصية حقيقة ومجازاً، عنواناً ومضموناً لمحتوى المجموعة القصصية، ذكرتني مجموعته القصصية برواية “روح شريرة”، ولعل النصر تميز إذ لا يقتصر على ما فعله النفط في حياة الأحساء… بل يتجاوز ذلك، في قصة “ذاكرة المنتزه” استنطق الطيور فنطقت وتحدثت… وتحذر سمكة تتكلم باسم السمك جميعاً… وتتكلم الحلزونات، والبحر يموت وكل شيء يموت ببطء، وطبيعي الناس تموت… ولا أحد ينتبه…

بقراءة المجموعة ومراجعتها أكثر من مرة، ومن خلال فحص خفاياها التي بين السطور، وما وراء السطور، كشفت المجموعة عن الإجابة بطرق متنوعة، مباشرة وغير مباشرة، بدأت بتوضيح أفعال الأرواح في القصة الأولى “قبل أن يتمَّ كلًامه، انفتحَ الماء فجأة كفكَّي وحش.

دوَّامة سوداء غارت وابتلعت عزيزاً في لمحة بصر” ص6، وأحياناً عُبر عنها بمقابل موضوعي، النداء الغامض كما في القصة الثانية “الأرض تهتز، فجأة. ليس بقوة الزلازل، بل وكأنها تستجيب لنداء غامض”. ص8، وفي “قيصرية الأرواح” عبر السرد عنهم بالأشباح وحدد مسكنهم “أشباح تسكن البضائعَ القديمة” ص12، وفي صمت العقير عبر عن بعضها بالشبح طبقاً للسرد “يحدّق في الأمواج كما لو كان ينتظر ظهورَ شبح ما” (ص15).

وعبر عنها بالأصوات، إذ “شعروا أنَّ أصواتًا تتردد بين الريح” في الصفحة نفسها، وبالهاتف في قصة أصداء جواثا: “سمعوا صوتاً يَتردد في آذانهم: مَن يدخل جَواثا، تغلق عليه كما يغلق القبر، ويغدو سرًّا من أسراره التي لا تروى” (ص18).

يتبين أن الأرواح تظهر في كل القصص -غير القصة قبل الأخيرة- وتظهر إما بأفعالها أو أسماءها، وتظهر بأفعالها أكثر من أسماءها، كما إن أفعالها تتنوع ولا تقتصر على نمط بعينه..

سماع الأصوت شيء عادي لا غرابة فيه، تيم اوبرين في رواية “الأشياء التي كانوا يحملونها”: يحاول الشباب أن يكونوا هادئين، ينصتون ويسمعون، لن تصدق هذا أنواعٌ من الترانيم الغريبة، كل الأصوات المختلفة، ليست أصواتًا بشرية، الصخرة تتحدث/ والضباب أيضاً، والعشب، والنمس اللعين، كل شيء يتحدث، المكان يتحدث، لا يستطيع الرجال التأقلم، يفقدون أعصابهم، يتصلون بالراديو ويُبلغون عن حركة العدو – يتحرك جيش كامل، يستعينون بالمدفعية والطائرات المقاتلة، يُطلقون النابالم صعوداً وهبوطاً على التلال والقنابل الحارقة، كل شيء نار، يُشعلون تلك الجبال، لقد أنفقوا ستة تريليونات دولار على القوة النارية.

وفي “فك الصخور” عبر عن الأرواح ببعض أفعالها “أصوات تناجيه تأتي وتذهب، كمناجاة والده وهو يحذّره من الأماكن الضيقة المظلمة حينَ يكون فيها وحيداً” (ص32)، وإن اقتصرت الأرواح على سكنى مساكن بعينها.

بطريقة مباشرة، وضحت بعض الأرواح وحصرتهم في الجن، “لنبدأ بالشواء قبلَ أن يجوع الجن!”. (ص35) قالها عطية بسخرية، وقد انتقم الجن منهم جميعاً بقتلهم، وأفصحت المجموعة عنها أيضاً بالأرواح، “كأن الأرواحَ هنا تريد الانتقامَ منّا”، قالها عباس. وفي قصة “النشاب” عبر عنها بالجن، وكأنها “وجوه شيطانية” (ص37).

وفي آخر قصة من قصص المجموعة عُبر عنهم بطريقة مباشرة: بالجن والأشباح “كأنّهم أشباح أو جن” (ص49). 

المجموعة القصصية

سماها النصر “الأحساء خفايا الأرواح” ليتها اقتصرت على خفايا الأرواح لكانت أكثر إثارة وغرابة وغموضاً ودهشة، أما الأحساء -رغم عراقة الاسم وثراء تراثه وبراحة جغرافيته- فإنه لا يستقطب قراءً على نطاق واسع، وبذكر الأحساء خصص جمهوره، وهدفه وما يعنيه، ليته عمم، تضم المجموعة 18 قصة قصيرة تنتمي إلى أدب الفانتازيا يستكشف بعض عوالم الأحساء الخفية، إذ تغوص القصص في أعماق تراث الأحساء الجغرافي والروحي، تتمظهر بعض معالمها التاريخية والتراثية: تبدأ ببحيرة الأصفر، تستفتح بها، يستهل بالوصف البسيط، ويكشف المكان ليلاً ونستكشف اثنين عزيز وسعيد، سعيد معه دليل مادي مكتوب من أيام الأجداد بكنز البحيرة كما أخبره جده، وما أن يخبر بالسر إلا وترتفع الماء بسرعة خاطفة وتبتلع عزيز، ويهرول سعيد ولا يخبر أحداً أبداً عما حدث.

بعد سنوات خلت حولوا البحيرة إلى معلم سياحي، اكتشف الغواصون أشياء غربية تحت الطين، ولكن الأغرَب كانَت الخريطةَ القديمة التي عثر عليها في مركز الزوار معلقة في زاوية معتمة دون تفسير، وقد بدت مطابقة تماماً لتلك التي حملها عزيز في ليلته الأخيرة.

ذات مساء، وبينما كان أحد العاملين يغلق الأبواب، لمحَ أثراً غريباً على الأرضية الطينية عند ضفة البحيرة، وكأن شخصاً قد خرجَ للتو من الماء، تاركاً وراءه خطاً طويلاً من آثار قدميه اللاتي بدتا عريضتين، قبل أن يختفي في القصب الطويل الكثيف… فرّ العامل كشهاب، وأغلق الأبواب بإحكام، وتَدثر في فراشه تنادمه الرعشة!

الشخصيات

غالباً ما جاءت شخصياته متنوعة: عزيز وسعيد في بحيرة الأصفر، وكويظم وطويهر في سليسل العظيم، وعبد الله وسعيد في صمت العقير، وهكذا في “أصداء جواثا” في زاوية المسجد، حيث كانوا يَجتمعونَ كلَّ خميس كحجارة من أرضه المهملة، (علي) ومحمد، وزيد الذي يدخل فجأة… وعباس امتلأ المكان بأصوات غير مألوفة، كأن العشرات منها تتحدث في وقت واحد. خيالات رمادية طويلة تنزلق بين الأعمدة، وكأنها أشباح مصلّينَ قدامى أتوا في شكل غريب.. صرخَ زيد: ما هذا…؟!

وقبلَ أن يجيبَ أحد، رأوا أنفسَهم تحولوا إلى أشباح”. 

وفي القصر الأبدي حسن وعباس، إذ تبتلع الأرض الأخير، ويبرز وجهه محفوراً على الصخر، وفي بيت لن يصدأ نجد كريم، وفي قصر المحيرس سعيد ونور، وفي الجوهرية (حسن) وزينب، وعلى نحو ما قد ضاع (حسن)، وفي ذاكرة المنتزه طيور تتحدث، وفي متاهة وطاقية هاشم وأطفال، وفي جبل القارة فك الصخور، علاء يلقى حتفه، وفي النشاب محفوظ وعطية وعمران وقد اختفوا، وفي فم العريش صيغت بضمير الأنا وقد انغلق عليه الباب بإحكام، وفي غياهب المصرف عباس وحجي وقد ابتلع المكان عباس، وفي معلم العمدة يعد العمدة الشخصية الرئيسة، وكل الشخصيات الثانوية جاءت لتدعم قوته وهيبته، وهي شخصية لا تنطبق عليها الفانتازيا، وفي بيت القصاب نجد ابنة القصاب تبرز كشخصية رئيسة…

هكذا تنوعت الشخصيات، وتباينت أفكارها لتجسد القيم النبيلة التي أراد النصر أن يذكر بها، شخصيات جاءت منسجمة وبعفوية تؤدي أدوارها الممنهجة، تتأمل دور الشخصية، وعلى الفور يمكن أن تستشرف نهايتها المأساوية، تمضي الشخصيات كفراشات نحو المصباح المتوهج فتحترق بحرارته…  

يذكر الراوي الأكبر “غريبان في أرض ألفاها وألفتهم، يسيران على ما كان يوماً شرياناً متشعباً حيّاً، هو نهر سليسلَ العظيم”، ونفاجأ في نهاية القصة، وبغفلة من السرد يخرج طويهر من المزرعة” يعود أدراجَه، يخرج من المزرعة” رغم أنه تجمد للحظات، كان ينبغي ألا يتغير المكان وألا يوصف بالمزرعة…

نلاحظ أن الراوي أكبر من كل الشخصيات في قصص المجموعة جميعها، مما يعطيه معرفة شاملة تتجاوز ما تعرفه أي شخصية بمفردها.

لعل أهم ما افتقدته الصور، كان على النصر أن ينتبه إلى توظيف الصورة، وليس الغلاف فقط، لا بد من وجود صور مصاحبة لكل قصة، على سبيل المثال: جاك كارترايت في “عندما تموت العاصفة: لغز العوالم المميتة” (الجزء الأول من سلسلة ألغاز جرائم القتل في العوالم المميتة) ٢٠٢٥، استخدم غلافاً معبراً، ولا تقتصر الصور على الغلاف فحسب، بل تصطحب القصص، على سبيل المثال: قصة “الساقان غير المدفونتين”، نقش الفنان ألفريد كروكويل لقصة الرعب الكلاسيكية للكاتب جيرالد جريفين هذه الصورة للساقين غير المدفونتين (ص19).

*المادة تحتوي على مراجع تعذّر اضافتها هنا. يرجى العودة إلى المجلة بصيغة pdf

https://sywriters.net/wp-content/uploads/2025/11/awraq25a.pdf

أوراق/25

Share:

You Might Also Like