في زمنٍ تتراجع فيه الأسئلة الكبرى أمام إيقاع اليومي العابر، يقدّم الشاعر مضر حمكو في ديوانه “مرايا الموت والقيامة، تجربةً شعرية تتجاوز حدود القصيدة المألوفة لتغدو تأملاً وجودياً عميقاً في معنى الحياة والموت، واللغة، والهوية. هذا الديوان لا يُقرأ بوصفه مجموعة من النصوص، بل يُعاش كرحلة في ليل الذات، عبر مرآة الموت بوصفه انكشافاً لا انتهاء، وبوصف القيامة وعداً لا دينياً بل جمالياً، حيث اللغة نفسها تُحاكم، وتُفكك، وتُستبدل بشذى الوردة أو صمت العدم. ما بين الفلسفة والأسطورة، بين الغياب والنداء، يمضي الشاعر في معراجٍ داخليّ يعيد فيه ترتيب أسئلتنا من جديد.
في “مرايا الموت والقيامة“، يقدم الشاعر “مضر حمكو” رؤيةً فلسفيةً كثيفةً للوجود الإنساني، تتجاوز الشعر لتُصبح مرصداً للأسئلة الكبرى حول الموت والهوية والعلاقة الملتبسة بين اللغة والكينونة. لا يقتصر الديوان على المرثيات أو التأملات في الموت فحسب، بل يُظهر الموت بوابةً للخلاص، واحتفاءً بـ”قيامة” الروح من رماد المادة، مع تمردٍ واضحٍ على سجن اللغة واستعارةٍ مبتكرة لرموزٍ تراثيةٍ وأسطوريةٍ تكسر اليقينيات.
يحتل الموت مساحةً مركزيةً في النصوص، لكنه ليس تعبيراً عن النهايةً، يل يصير الموتُ تحرراً من الجسد والمادة، ويحضر الموت في هذا العمل الشعري ليس بوصفه حادثة، بل كمعراج، و يصوره كـ”ممر سري للمعنى“، ويترك الجسد للحريق، ويرحل بالروح إلى ضفة أخرى ــ كما في قصيدة “معراج ماريو فارغاس يوسا” ــ إذ يُقدَّم الكاتب الراحل كمن “يفتح باب الغياب بيديه” ويذهب “للتريض بعيداً عن أعين المتلصصين“، في هجاء رفيق للوجود وسخرية هادئة من سرديات الخلود. الموت هنا ليس عزاءً بل كينونة شعرية، بوابة للعبور إلى ما يسميه حمكو “ضفة أخرى” حيث “تترك الجسد للعالم وتذهب مفرداً بالروح“. وفي صيغة أخرى يتحول موت العصفور في قصيدة “مات العصفور” إلى استعارةٍ للتحرر من قيود التأويل: “مات حراً من التآويل… مات كالبسطاء الأولياء“. هنا، يصبح الموتُ فضيحة الوجود الهش، وكشفاً لحقيقة أننا “مؤقتون إلى حد اللعنة“.
يستخدم حمكو لغةً تحمل طابعاً فلسفياً واضحاً، مع ميلٍ إلى التعقيد والغموض، مما يتطلب من القارئ قراءةً متأنيةً لفك شفرات النص. ويتجلى هذا الغموض في بعض الصور والاستعارات غير المألوفة، مثل “أنا العداء في براري قيامتي“، التي تعكس عمقاً في التفكير الفلسفي ولكنها قد تصعب الفهم المباشر. كما يعتمد الشاعر قصيدة النثر شكلاً أدبياً يناسب الموضوعات التي يناقشها، وهو ما يمنحه حريةً أكبر في استخدام الصور المجازية والتعبيرات الدلالية دون التزام بإيقاع خارجي أو وزن تقليدي. هذا الشكل يُبرز تكثيفاً لغوياً وتصالحاً مع الفلسفة، ولكنه قد يفقده جزءاً من التأثير العاطفي الذي توفره اللغة الشعرية التقليدية.
هذا التوتر بين اللغة والمعنى، بين الكلمة والعجز عنها، يشكل عصباً مركزياً في الديوان. في “في معارج الموت”، يشير الشاعر بوضوح: “علّمتني الكلمات فبنيت سجوناً شاهقة لوحشتي في الأبدية“. اللغة ليست أداة طمأنة، بل قيد لا نرى إلا من خلاله، وسور لا ندرك ما وراءه. حمكو لا يثق بالكلمات، بل يفككها، يشكك في قدرتها على الإمساك بالحقيقة. يتماهى هذا المنظور مع رؤى تفكيكية على طريقة دريدا، الذي يستشهد به صراحة: “في كل مرة يموت شخص فإنه لا يموت وحده بل إن عالماً بأكمله يرحل معه“.
يتداخل الموت مع موضوعات أخرى مثل الوجود والعدم، والبحث عن الذات، والهوية المشتتة، والصراع مع العدم والفراغ. في قصيدة “الفراغ”، تتحول محاولات البحث عن الذات إلى سلسلة إخفاقات: “يد تبحث عني في الفراغ تجد الركام“، بينما تجسد قصيدة “هباء” اغتراب الإنسان عن عناصره الأولى (التراب، الماء): “أنا الغريب على طينها، وهي الغريبة في طيني“.
هذا الصراع بين الوجود والعدم لا ينتهي بانتصار أحدهما، بل يظل “متاهة جميلة، طفلة عتيقة بهية“، كما يصفها في قصيدة “أنا”. الهوية ليست جوهراً ثابتاً في نظر الشاعر، بل عملية تتشظى وتتعدد أشكالها. في قصيدة “تقوى الخراب”، يصور الإنسان كـ”حشرة ضخمة” تدبُّ على الكوكب قبل أن تلسعها “إبر الوقت“، في هذا السياق، لا تعود الهوية جوهراً ثابتاً بل أثراً مشتتاً، تحمله الذاكرة المتشظية عبر الزمن. في قصيدة “أنا” يقول: “أنا الكائن على حواف النار… لا أسماء تكفي لنفسي“، وفي “أساطير البلاد” يسأل بقلق وجودي: “ماذا أقول للبلاد إذا سفت الرمال عن جوع الهوية؟“. الهوية تتشكل هنا من العدم، من الفراغ، من أشباح الأساطير، لا من سرد متماسك. الشاعر هو صدى أكثر منه صوتاً، هو “أنا الغريب على طينها، وهي الغريبة في طيني“. الشاعر يعرض الهوية كـ”تنويعات على أشكال الذاكرة“، مما يعكس تأثراً بتيار الحداثة الذي يرفض الثبات ويؤكد التغير المستمر.
ينتقل الديوان من طرح أسئلة الهوية واللغة والموت، إلى مساءلة الزمن ذاته. في قصيدة “سبق” يظهر الوقت ككائن عنيف، لا يمكن اللحاق به: “أيهذا الوقت أسرع من يقتلنا“. يتجسد الزمن كعَدّاءٍ لا يكترث بالخسارة أو الفوز، بل بالسقوط المتكرر. يتردد صدى هذه الفكرة في أكثر من موضع، حيث يُقدَّم الزمن كأداة جبرية، لا تسير فيها الذات بل تُساق.
ويقدم الديوان نقداً لاذعاً للغة، متهماً إياها بأنها “سجنٌ” أو “فخٌّ” صنعنا منه عالماً وهمياً. في قصيدة “سبق”، يصوِّر اللغة كـ”دماء سالت في عروقنا“، محوِّلةً إيانا إلى عبيدٍ لـ”دين الكلمات“، أما في “فضيلة الوردة”، فيفضّل الوردةَ الصامتة على العقل البشري: “الوردة لا تدعي خطاباً… هي صورة السعادة بلا حاجةٍ لكانط أو ابن عربي“. هكذا، تتحول اللغة من أداةٍ للتعبير إلى “سجون شاهقة لوحشيتنا في الأبدية“، كما يعبّر في إحدى القصائد. الرمز الديني والأسطوري له حضورٌ بارز في الديوان، لكنه يعود بلباسٍ جديدٍ ومختلف. هابيل وقابيل يظهران في قصيدة “مات الغراب” كوجهين للذات: “اسمي هابيل التراب، قابيل النار“، رمزاً للصراع بين البراءة والدمار. أما آدم فيُستحضر كتجسيدٍ للخطيئة والضياع، كما في قصيدة “هباء”: “منذ أن سافر بي الماء… لم أعد“. والوردة تتحول إلى أيقونةٍ للحرية المطلقة من قيود العقل، لتؤكد مرة أخرى كيف يوظف الشاعر الرموز الدينية في سياقٍ وجودي معاصر.
لا تتوقف التأملات عند الموت والهوية واللغة، بل تمتد إلى الطبيعة والكون، والحب والوحدة، والزمن والذاكرة، والحرية والعبودية، والثورة على المألوف. هذه الموضوعات تتداخل بشكل يُبرز تعقيد الرؤية الشعرية للشاعر وتركيزه على الأسئلة الوجودية المُقلقة. فالطبيعة تظهر بعناصرها الأساسية (النار، الماء، التراب) كرموزٍ للخلق والدمار، بينما يصبح الزمن عدواً للإنسان، كما في قصيدة “سبق”: “أيهذا الوقت أسرع من يقتلنا”.
إلى جانب كل هذه التأملات، يحضر الجسد بوصفه العبء الأكبر. الجسد في “موت الممثل” لا يصلح “للكلام مع الكون“، صغير على المسرح، والمسرح نفسه أصغر من أن يتسع للصراخ. في “هباء” يتشظى الكائن بين العناصر: “لا يعرف التراب أنني ما له من الأحاجي… أنا الغريب على طينها، وهي الغريبة في طيني“. هذا الشتات الجسدي يعكس شتات الذات، فلا يعود الجسد إلا شكلاً هشاً للكينونة، مادةً للعدم أكثر من كونه وعاءً للوجود.
ورغم هيمنة موضوعات العدم والموت والهوية، لا تخلو النصوص من إشراقات عاطفية مفاجئة، كما في قصيدة “أحلام”، التي تقدم الموت كصديق: “أيهذا الموت، لماذا كل هذا الشغف بالنهايات؟“. هنا يبدو الموت بوصفه شريكاً في رحلة المعنى، وليس خصماً يجب قهره. كذلك الحب، وإن بدا عابراً، يحضر كقوة كونية، لا رومانسية بل كونية، توحد الأضداد وتعيد للوجود معناه الأكثر نقاءً، كما في نهاية “أحلام”: “هناك تحملني على أصابع الحب… أنى ثقفتني السماء“.
تستحق قصيدة “فضيلة الوردة” وقفة خاصة، فهي إحدى اللحظات القليلة التي يحتفي فيها الشاعر بجمال صامت لا يحتاج إلى لغة. الوردة هنا ليست رمزاً رومانسياً، بل كينونة كاملة، متصالحة مع نفسها: “الوردة لا تدعي خطاباً… لا تحتاج إلى مصادرات كانط، ولا جود الوجود عند ابن عربي“. الوردة هي الخلاص، كونٌ من العطر والغياب، تقابل اللغة/السجن بعطرٍ/حرية.
ومن بين أهم الموضوعات الجديدة التي تستحق إبرازها النقد الضمني للسلطة، إذ يمكن فهم بعض المقاطع في “شغب” أو “تقوى الخراب” بوصفها هجاء للأنساق السلطوية من خلال تفكيك معنى الطاعة، وتقديم الذات ككائن غير خاضع، يقول: “ما بين الأنا المغلق على هلام الذات والعالم – الموضوع، ثمة ذات خاب رجاؤها في النسق“.
رغم غنى النصوص بصورٍ شعريةٍ فريدةٍ وعمقٍ فكريٍّ يثير الإعجاب، هناك بعض السلبيات التي لا يمكن تجاهلها. من أبرزها التكرار في معالجة موضوعات الموت والعدم، مما قد يُفقد بعض القصائد تنوعها العاطفي، وكذلك الغموض المفرط في بعض الصور والتعابير، التي تحتاج إلى قراءةٍ متأنية وتحليلٍ عميقٍ لفهمها. كما أن اختيار قصيدة النثر نمطاً شعرياً، رغم أنه يناسب الموضوعات الفلسفية، ولكنه قد يفقدها جزءاً من التأثير العاطفي الذي توفره القوالب الشعرية التقليدية.
بالمجمل، ينجح الديوان في تقديم رؤيةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ للوجود، ويجمع بين العمق الفكري والجمال الشعري، ولكنه يحتاج إلى تنويع في الموضوعات وتبسيطٍ في بعض الصور ليصل إلى جمهورٍ أوسع. إنه نصٌّ يُحمّلك أسئلةً وجوديةً ثقيلة، ويستدعيك إلى رحلةٍ في دهاليز اللغة والعدم. رغم ما يُؤخذ عليه من إغراقٍ في التساؤل الفلسفي، ولكنه يظل عملاً جريئاً يستحق القراءة، خاصةً لمن يبحثون عن شعرٍ يتحدى المألوف، ويرسم – كما يقول حمكو – “خريطةً للهاوية ببهاء العتمة“.
“مرايا الموت والقيامة” ديوان لا يُقرأ دفعة واحدة، بل يُرتشف ببطء، كوثيقة شعرية لعقل يسأل، لقلب يتوحد مع العالم رغم فجيعته فيه. إنه ليس فقط نصاً أدبياً بل تجربة روحية، تقول للقارئ منذ أولى القصائد: “ها أنت تعبر الحواف وتنقل الأسئلة في حقائب الروح إلى ضفة أخرى“. ديوان يكتب الموت بلغة القيامة، ويضعنا أمام مرآة لا نرى فيها إلا أنفسنا التي تشغلها، في كل لحظة، مئات الأسئلة.
كاتب عراقي
مجلة أوراق/ العدد 24
