هل ستهرب؟ سأهرب مستخفيا، سأهربُ من غيظ يلازمني، سأهربُ من عالم الدماء والقهر والتنازع، سأهرب من أمي وأبي وحمار عمي إسماعيل، سأهربُ من الخيبات والتطبيع، سأهربُ من الطوابير التي نعيشُ فيها في السوق وأمام المغازة العامة، ودكاكين الخبز والدقيق والزيت، سأهربُ من الأغراب الذين اجتاحوا البلاد، سأهربُ من تاريخي وأحرق سجلات الماضي، سأهربُ من قميص أخي يوسف، وعباءة جدتي أم ملال، سأهرب من جيراننا الصنهاجي والأغلبي والعبيدي والحفصي، لقد تعكرت الحياة هنا، هذه الجدران لا قيمة لها، متحف باردو لا يسمن ولا يغني من جوع، الكُتب لا تعني شيئا، يعج هذا العالم البشع باللصوص والقتلة، بيت سحنون خاو يسكنه المردة، سأهربُ من الأزبال والجدران المتشققة، سأهربُ من حديث المقاهي، سأهربُ من الحشاشين، ومن المثقفين الأزارقة، سأهربُ من سماسرة الدين والوطنية، وأنت انعم بالنفاق والأوهام، ولكن متى ستهرب؟ متى شاء الله. سأهرب من مسرحيات الربيع العربي، وأقبِلُ على الحياة من جديد وتطيبُ النفس بالسلام وتكون لنا الغلبة بالعدل، ونبتني الدكاكين ونمارس تجارة الحلال، لا سلطان لك إلا على نفسك وحري بك أن تمتحنها، فقد غلبتك وحملتك الأوزار، أنا أيها الواهم لا يضيق صدري من أسئلتك، أنا حلبت الدهر أشطره، وخبرتُ حُجّابك على أبوابك، وعلمتُ منطق الرياح، فما قصدك من تكثير الأسئلة، وأنت تركتَ القصد والمعنى، يدك في العسل ويدي في الجمر، وتمد عنقك وتسأل عن الأحوال؟ هذه سبيلي سأهرب منكم وأغادر جشعكم وظلمكم وكبرياءكم، سأهرب من ماض تعيس مقرف وحاضر أبشع من وجوه القراصنة، سأهربُ من الذئاب والقطط والكلاب، سأهربُ من وقت ما رأيتُ فيه لحظة سعادة راسخة، سأهربُ من قيود المتجبرين، سأهربُ من عاهرة تريدني في الزنا، وتأبى الزواج مني، سأهربُ من ظلم البنوك وغلاء اللقمة، ما عادت الطرقات المتداخلة تسع أحلامي ولا تحقق طلبي، كنتُ أدافع الأيام بيقين في الله، أمضيت نصف عمري في التعلم، متبتلاً، أتغذى لقمة طيبة من عرق والدي، وبعد سنوات كسبتُ أكوام شهادات علمية، دسستها في خزانة غرفتي، هل نفعت بشيء عندكم أتركوني أهرب؟
أبيع حماري ومئزر جدي، أو أبيع قميصي وجواربي وقصة حب ورثتها عن جدي الهاشمي، وأدفع ثمن الرحلة إلى الجزيرة وأرحلُ، إن نجوتُ وبلغت غايتي فسأروي للناس أهوال هذه القرية، وغرائب قروييها وأعرابها، وإن مُتُ فسأردد في بطن الحوت دعاء يونس وأستعيذ بالله من مصائب البشر، المهم سأهربُ، ولي في الهروب مآرب أخرى، أنا لم أقترف ذنبا لأهربَ إلى الجزيرة، هربي نجاة من نار الوهم وسعير النفاق وبطش ظلم المستكبرين، غدا ستشرق شمس الأمل، الفرنجة يفهمون ما أصابني لأنهم يحبون الجمال، إلى اللقاء يا صوت المدينة. عند الفجر ركبَ السفينة، انطلقت خلسة في العتمة، توهم المتلصصون أنها سفينة سِلع.. الطقس دافئ، والبحر هادئ، كانت السفينة كبيرة متراصة بالفارين من ديون ومسافرين وتُجار وحالمين نوابغ ومفلسين بارت تجارتهم، البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير على ظهر السفينة رجال هربوا من جور نفقات الأزواج، وطامحين إلى كوكب الإنسانية المنشود، تبدو لك السفينة من بعيد محملة بالسلع، كأنها حاملة طائرات أمريكية أتت لتقصف ما تبقى من الإنسانية والمواثيق وحقوق الإنسان، الأجساد كأنها خُشبٌ مسندة، ورامبو السمسار، مدبر الرحلة وصاحب السفينة، جالس صامت على رأسه عمامة زرقاء، يتابع التوغل في طيات البحر وكان يقول في نفسه: «أنا لستُ رجلا من صنف الرجال، أنا ضنوة قبيلة رياح قاطع طريق، ملاح بائس فاشل، ولكنني أبيع الوعود وأشتري المغامرة لمن يدفع أكثر مالاً، أنا عاشق المال، وهذه الحفنة من البشر لا قيمة لهم عندي، ينجحون، يفشلون، يموتون، يحيون، يعبرون، أو يلتقطهم خفر السواحل، لا يهمني ذلك، أجرتي وقبضتها، أما هُم فمجرد سلعة، تجارة، بعض الوقت، وأضع الحمولة الآدمية، وأعود لأستمتع بحياتي مع سادتي السماسرة»، ورغم أنه يظهر عدم اكتراثه بخفر السواحل، فإنه يخاف من قاربهم السريع، ويَطمحُ إلى الانتصار عليهم، إنها معركة خبيثة تدور في بطون البحار، لقد أحسن السمسار الاختيار، السفينة لا تثير أي شبهة ولا تشد انتباه خفر السواحل، أنماط كثيرة اجتمعت على ظهر الخشبة.. والمسافرون يمشون أحيانا على صدور أقدامهم وأحيانا أخرى على أعقاب أقدامهم، القدم بحذاء الأخرى، ربما مخافة الانزلاق وربما خشية الجلبة، ولعله الخوف من طائرة مُسيرة تأتي من روما، كانت الحكايات عجيبة، المسافرون يصبرون أنفسهم وكأن بينهم ألفة قديمة، الخوف ينسج علاقات رهيبة، هذه مطلقة وبنات جيرانها، وتلك زوجة شابة تضع رأسها على صدر زوجها وهو يهمسُ: «اجتزنا العقبة انسِ البنك، الفلوس عندنا الآن، ليضربوا رؤوسهم على الجدران»، وجمع من المثقفين يحملون حقائب ويتحدثون عن مستقبل الأخلاق بعد سقوط غرناطة، نساء واجمات، رجال، أطفال، وكان بينهم كهل مُصححٌ، بعيدا عن الفساد، أمسك بكيسه وركن في موضع يتأمل السماء المطرزة بالنجوم.. وأحيانا يتمتم كلما سمع بكاء رضيع أو أنين فتاة.. عجوز وضعت جنبها ونامت، الوجوه شاحبة والأنفس منكسرة وهي تطالع المجهول.. كل منهم يحدث نفسه: هل نصل إلى غايتنا سالمين؟ همست بنت في أذن أمها: يساورني شك في الربان، إنه يرتجف، يبدو كأنه خائف، وعيناه جاحظتان وهو يقلب أمواج البحر، نصحه نفر من قدماء الصيادين أولئك الجالسين أقصى السفينة، ولكنه أعرض عنهم في كبرياء، وصرخ في وجوههم قائلا: أنتم الآن مجرد فارين من المدينة، ولا أحتاج إلى نصائحكم. أهذا رجل يعول عليه في هذه الرحلة، إنني خائفة يا أمي. لو صبرنا واكتفينا بالقليل في المدينة، فلربما جاء الفرج. صرخت الأم: عن أي فرج تتحدثين؟ سُدت كل الأبواب، تركنا والدك في المدينة وحيدا وجئنا أنا وأنت وإخوتك الثلاثة هربا من الخصاصة، كم صبرنا طيلة سنوات، إخوتك تخرجوا منذ أربع سنوات ولم يشتغل واحد منهم ويذق طعم الدينار، الغلاء عم المدينة، وتقولين لي خائفة من ربان السفينة، إذا عجز هذا الربان عن قيادة السفينة إلى الجزيرة، سأقودها أنا، أنا سأضرب الأمواج إن عتت بسيف لساني وأصارع الرياح، ولن أترك هذه الفرصة تضيعُ، إنا اقتربنا من أضواء الجزيرة، السفينة تسرعُ والأجواء طيبة، تصبري يا ابنتي ولا تتركي اليأس يشاغبك. نهض الكهل الناسك وقال: أيها الناس إن سفرنا هذا نعمة من نعم الله، ألا ترون معي أنوار الجزيرة تتلألأ، سنلاقي شعبا أرحم بنا ممن كنا فيه، بشرا يواسون اليتيم ويطعمون الجائع ويكسون العريان ويعلمون الجاهل، ولا يشمتون في الفقير، ودودين رحماء، ولا تنسوا فنحن في ملك الله وحده، والله لا ينسى عبده، إنما هي النوايا، ونيتنا الحياة الكريمة والهناء والحرية، كل ذلك ممكن فاستبشروا بسفركم وتقاسموا الخبز والماء والحليب والحلوى، فتح الله لنا أبواب النصر والتمكين. قال القوم: صدقتَ، آمين آمين، وصفقوا طويلا والألسن تلهج بطلب الستر والسلامة من الله، ثم هدأوا، كل يقلب أموره ويستعد للوصول، مضت ساعات والناس في غفلة، واستعاد الربان نشاطه فقال: لا تفصلنا عن الجزيرة إلا نصف ساعة، والحمد لله أن وجدنا البحر خاليا من العسس. أعتذر لزملائي الصيادين إن كنتُ فضا، مضى وقتٌ ثم أمرَ الشغالين، فأخرجوا صناديق كرتونية من المخزن وأرغفة الخبز وعُلب البسكويت والموز والتفاح وعُلب الحليب وقوارير الماء، وطفقُوا يوزعون على المسافرين، غمرت الفرحة الجمهور، فهمست الأم: ألم أقل لك يا بنيتي جاء الفرج، سنلقى من الفرنجة المساعدة. كانت السفينة تمخر عباب البحر في سلام مهيب وتتهيأ للإرساء، تطلق الكهل الناسك وتبسم بسمة الرضا، بعد أن صلى ورتل أدعيته، وسحب قداحة مهترئة من جيبه وأخرج عود ثقابٍ رأسه أحمر قاني، قدحَ العود فاشتعل، أمكن النار في سيجارته وامتص دخانها بعمقٍ واستمتاع، انتشرت رائحة التبغ الفواحة، انصدع عمود الصبح.. حدق الناسك عاليا في مرسى الجزيرة وقد هز العشق الإلهي كيانه وقال: الحمد لله على السلامة، هذه أول رحلة هروب أقطعها بسلام. إرادة الله تغلب تدبيرات الضعفاء، انتفض الهاربون ونزلوا بهدوء وهُم يرقصون، وكأنهم ولدوا من جديد، وكانت على الجدار علامة مكتوبة بألوان زاهية : مرحبا بالهاربين إلى جزيرة الرحمة.
*القدس العربي
Leave a Reply