سوزان خواتمي: الكلمة .. آخر ما تبقى من الحقيقة

في الوقت الذي تشهد فيه خاصرة سوريا الجنوبية أحداثاً مؤسفة، تعالت خطابات غير منضبطة زرعت الغضب، وغذت الانقسام، ودفعت بالرأي العام نحو اصطفاف طائفي يقصي الإنسان عن إنسانيته، ويحوّله إلى أداة اقتتال الأمر الذي زعزع بوادر الاستقرار المرتقب، وقوّض مؤشرات التعافي السياسي، فما كُتب أو قيل لم يبقِ الكلمة في فضائها النظري، بل تُرجمت على الأرض إلى عنف ودموية لا توفر أحداً.

الفتنة التي اشتعلت مؤخرًا في السويداء لم تولد من فراغ، بل انخرطت فيها أقلام كان المفترض أن تكون صوتًا متزنًا ومسؤولًا، ما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الكلمة على تشكيل الوعي ونقد الواقع، أو العكس؛ تغذية الشحن الطائفي، وتبرير الانتقام.

 يقول عبد الله الغذامي في كتابه “النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية“: الكلمة ليست أداة تعبير فحسب، بل هي فعل، ومسؤولية قائلها لا تنتهي عند حدود الجملة، بل تمتد إلى نتائجها في الوعي الجمعي، وإمكان تأثيرها في السلوك والقرار

ومن ثم سواء أكنت كاتباً، أو مثقفاً، أو إعلامياً أو ناشطاً على منصة إلكترونية، فإن لخطابك في وقت التوتر قوة قادرة على الزعزعة، كما هي قادرة على البناء.

في تلك الحالة؛ هل يمكن للكلمة أن توازن بين حريتك في التعبير والمسؤولية؟ وهل يمكن لها أن تحدث فرقًا ما لم تتحرر من الولاءات المغلقة والاصطفاف الأيديولوجي؟

الكلمة النزيهة لا تخضع لانفعالات قائلها، بل عليها أن تحافظ على مسافتها النقدية، وأن تمتلك الشجاعة الفكرية لتظل بعيدة عن التكتلات والأذرع التي تحاول جر ولادة سوريا المستقبل إلى حتفها السريع.

في ظل الفوضى والاستقطابات الحادة، يواجه فعل الكتابة والتعبير عن الرأي خيارات وجودية: بين أن تهادن أو تواجه أو تصمت..!

الأمر ليس سهلاً، فعند كل مفترق هناك موقف يتطلب منك أن تعرف؛ لمن تكتب ولماذا وبأي ثمن؟

عندما تطلق كلمتك في فضاء عام تضيق فيه مساحة الوعي حتى تختنق، يتحول رأيك إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، ما يجعلك أمام اختبار يومي  للاستمرار ضمن تكتلات لا تحتمل إلا الأصوات المتشابهة.

في الآونة الأخيرة تعرضت أسماء كثيرة لحملات التخوين والتهديد والضغط المجتمعي، كما حدث للإعلامي رامي نخلة الذي تحدث عن رؤية سياسية معتدلة في مداخلته عبر تلفزيون سوريا، كذلك الباحث مضر رياض الدباس عندما انتقد نخب المعارضة والنظام على حد سواء منادياً ببناء مجتمع مدني سوري مستقل. الاستهداف لا يوفر النساء بطبيعة الحال، فالناشطة هبة عز الدين الحجي تم اتهامها بالإساءة إلى الحجاب وتعاليم الإسلام، لتتعرض إلى تهديدات بالقتل والتحريض على العنف ضدها وضد أطفالها، والأمثلة لا تنتهي عند الصحفية فرح يوسف بما واجهته من حملة تشهير واسعة، وقذفها بشتائم جنسية، ثم اتهامها بالعمالة والخيانة، بسبب انتقادها للسلطة السورية الحالية.  

لا تقتصر التحديات على فداحة الثمن الذي يدفعه أصحاب الرأي المختلف، ففي عصر الرقمنة برز نمط جديد من الإقصاء، هو السلطة الخوارزمية. بسببها، لم تعد الكلمة تُقاس بقيمتها الفكرية، بل بقدرتها على الانتشار. تلك الرقابة -غير المرئية- تعيد تشكيل الوعي الجمعي من خلف الستار، وتتحكم بحجم الظهور وفق مقاييس الإعجاب، ومعدلات التفاعل المقترنة بأجندات الترويج والحجب، إذ تُضّخم خوارزميات ” الترندات” على منصات التفاعل الاجتماعي المواضيع الساخنة، ودعوات التحريض، على حساب نداءات التهدئة والخطاب العقلاني، في الجهة المقابلة تنتقي آليات التصفية (الفلاتر) المتوافق مع ميولك كمستخدم، ما يعزز الانغلاق، ويعمل على الحد من تفكيرك النقدي، واطلاعك على رأي آخر مختلف، ومستوى تقبلك له.

وفي سياق الفضاء الأزرق تتعاظم مسؤولية الكلمة، ليس بسبب عبء تكثيف حضورها فقط، بل بالجهد المطلوب لإعادة صياغة أدواتها في مواجهة ذوق السوق الرقمي، والذي بات يُنتج زيفًا أكثر مما يُنتج معرفة.

إن التفكير الحر، والكتابة المسؤولة، ومقارعة الحجة بالحجة، دون تجييش ودغدغة العاطفة، كفيل بأن يوّلد مساحة آمنة تشكل الوعي، وتوقظ الشكوك المشروعة، وممارسة حق الاختلاف، بما يحمي المجتمع من التصلب والانغلاق، وبما يمنحه من فرص النمو والانفتاح.  

كما أن التمسك بكلمة حرة، هو موقف شجاع لا يستقيم مع التحريض و الفزعة، والانتصار لهذا الطرف أو لآخر، وكما تُختبر الأخلاق في لحظة التوتر، يُختبر الخطاب التنويري الحر عندما يعمّ الزيف، ويصبح الموقف امتحاناً ومحكاً، لتبقى الكلمة النزيهة وحدها هي آخر ما تبقى من الحقيقة.

شكر وتقدير

أود باسمي وباسم هيئة التحرير الجديدة، تقديم خالص الشكر والامتنان للزميل أنور بدر رئيس التحرير السابق وفريقه الاحترافي، لما بذلوه في الأعداد السابقة من فكر وجهد ومتابعة، ونجاحهم اللافت في صياغة هوية تحريرية، وتقديم “مجلة أوراق” كمنبر حر للإبداع وإنتاج المعرفة، وترسيخ حضورها في الساحة الثقافية.  

*العدد 24 / مجلة أوراق

Share:

You Might Also Like