سمية الاسماعيل: تمرُّد

فتحتُ صفحات روايتي الجديدة، لم يُمهلني، قفز بهندامه الذي اختاره من بين كلِّ أرديته التي ألبسته عبر الأحداث التي مرّت.

تراجعتُ خلفاً متحاشياً حركةً مباغتةً منه تغزوني علامات الدّهشة، ثم بحركة لا إرادية مني أغلقتُ الكتاب، لكنه كان قد استقر على حرف الطّاولة مرخياً ساقيه للأسفل يؤرجحهما بطريقةٍ مستفزةٍ وقد علتْ وجهه ابتسامةٌ ساخرةٌ.

  • “أعرف أنكَ لم تحبّني، رغم أنني صنيعتُك. هل أنا من وُلد شرّيراً، أم أنت من جعلني أرتكب تلك الجرائم؟ ألا تخاف أن أقتلك؟”

تبدّلتْ ملامح وجهه بسرعةٍ، أحسست فعلاً أن يديه بدأت تتطاول باتجاه عنقي.. لا أعرف كيف تفاديتهما، وجدتني أقفز مبتعداً، وكأنّني على وشك تصديق ما يحدث.

عدتُ أدراجي برباطة جأشٍ ساخراً من نفسي، “لقد كنت على وشك التّصديق، يا لحماقتي”. استلقيت على كرسيّي الدّوار ثانيةً، فما كان منه إلا أن بدأ بتدويره ملحّاً بسؤاله:

  • “لمَ خلقتني إن كنتَ ستكرهني؟ إنني نادم على كل ما فعلته، ولكن كيف سأكفّر عن ذنبي وأنت لم تعطني الفرصة لذلك. تُسيّرني كيف تشاء، ودائماً يلقون باللوم عليّ.. لقد صيّرتني مجرماً، هل كنت سأكون كذلك لولاك؟”

نهض من جلسته واقفاً، مدّ يديه إلى رفوف المكتبة، واستخرج روايةً من رواياتي القديمة، فتحها ونادى:

  •  “إبراهيم! تعال! تعال”.

وضع إبراهيم حقيبته الطّبية جانباً، خلع نظارته وفرك عينيه، محدّقاً بي تارةً وبمراد تارةً أخرى:

  • “عفواً، هل أعرفك؟ ناديتني باسمي وهذا يعني أنك تعرفني، ولكنني لا أتذكر أنني رأيتك سابقاً”. 

ثم صوّب نظرته المتسائلة إليّ:

  • “هلّا عرّفتني به؟” 

لم يدع مراد فرصة لي لتقديمهما لبعضهما.. انحنى بحركة مسرحيّة، قائلاً:

  •  “سيدي البروفيسور، منقذ البشرية، الرجل الصالح الأنيق”. ثم اعتدل مادّاً يده للمصافحة، “أنا مراد، قاتلٌ مأجور، هل سمعت به سابقاً؟”

جفل إبراهيم لدى سماعه كلمة “قاتل”، انعقد لسانه عاجزاً عن النّطق، بينما راحت عيناه تستجديان توضيحاً. 

  • “لا، لا تخف! لن أقدم على فعلٍ جديدٍ، لكنني كنت فقط أعاتبه، لماذا لم يجعلني مثلك”.

وقبل أن يعطيه فرصة للإجابة، بادره:

  • “حسناً، انتظِر”

قفز من جديد وأخذ روايةً أخرى، أمسك بإحدى الشخصيات يجرّها، كانت تحاول جاهدةً الإفلات منه.. لكنّه لم يدعها حتى اطمأنّ لخروجها من بين دفتي الكتاب ثم بادر بتقديمها:

  • “سناء، فتاة الإعلان، الجميلةُ الفاتنةُ هيفاءُ القدّ، غادة تختال كالأميرات القادمات من بلاد السحر. طبعاً.. ستكون حبيبةً لكابتن، أو طبيبٍ، أو مهندسٍ أو.. أو.. لكنها لن تكون يومًا حبيبتي، ببساطة.. لأنني قاتل. أما أنا ولأنّني من بيئةٍ وضيعةٍ، ليست لديّ الفرصة لأكون مهندساً أو طبيباً”.

نظَرتْ إليه شزراً، مطّت شفتيها تبرّماً ثم فتحت حقيبةً صغيرةً، استخرجت منها مرآة وبعض المساحيق وراحت تعدّل ما بهتَ من أصباغ وجهها. 

  • “لقد استنكَرتْ عليَّ الحبّ لأنني، كما قالت، بلا قلب؛ فكيف لمجرمٍ بلا قلبٍ أن يعرف الحبّ؟”

تهاوى أرضاً، تكوّر جسده، أسند رأسه على ركبتيه ودفن وجهه بكفّيه وبدا صوته يعلوه نشيجٌ مر:

  • “أحببتها بجنون، قلبي كان يرفرف كعصفور عندما ألمحها في الحي. كانت تعني لي كل شيء ولم أكن أعني لها شيئاً. كانت كل وجودي، ولم أكن موجوداً في حياتها. لقد فضّلت عليَّ ذاك المخنّث. هذه المرة فقط أحسستُ أنّني أريد أن أكون قاتلاً!”

انتفض من جلسته، مسح دموعه، فليس لمثله أن يبكي، واتّجه إليَّ ثانيةً:

  • “كل شخصياتك الأخرى كانت طيّبة، كلها حازت على إعجاب القرّاء.. حتى فتحية، وعماد، كانت شرورهم قابلة لنيل الاستعطاف، وحدي أنا صرت مكروهاً، منبوذاً، أسمع عبارات اشمئزازهم واحتقارهم ولا أملك حتى حق الدفاع عن نفسي”.

عيناي تجولان معه وهو يتحرك فوق طاولتي كأنّه على خشبة مسرحٍ ينتظر تصفيقاً من الجمهور على أدائه المقنع. لقد جعلني أشفق عليه، وقد كنت فعلاً أفعل، حتى بتُّ ألوم نفسي، بادرته:

  • “لماذا تظنُّ أنّني أكرهك؟ أنت أكثر الشخصيات التي أحببتُها، لذلك صرتَ أكثرها إقناعاً وأكثرها وقعاً على القارئ. أتظن أنني لم أقلق عليك في كل مرّة كانت يدي تمسك اليراع لتخطّ الأحداث التي تعيشها؟ حُزنُ قلبي كحزنِك حين أحببتَ وخُذِلتَ. كم تسلّلتُ نهارًا، خلسةً من نفسي لأمسح ما سطّرتُهُ في ليلٍ خشية إرهاقك. قد عرفتُ مسبقًا أنك ستأتي يوماً نادماً على ما قلتَهُ أو اقترفته في لحظة جنون، لكن هذا ما كان. هَبْ أنكَ أصبحت شخصيّة مشهورة، ستتهافت الأقلام كتابةً عنك، لذلك هوّن عليك”.
  • “من قال لك أنّني أهتم! كنت أريد أن أعيش معها حياةً بسيطة، كنت أريدها أن تحبني فقط”

احتدم النقاش بيننا ثانية، علا صوت اعتراضه واحتجاجه، ومن ثم نحيبه. بدأت شخصيات رواياتي تخرج من بين الصفحات تباعاً وتتجمع، أعينهم تبعث نظرات الإشفاق على مراد وتغرقني بنظرات لوم وعتاب. 

أحسست ولأول مرة أنني لم أعد أملك السيطرة على الأمور والشخوص، وأنا الذي كنت أتلاعب بهم وبوقائعهم بقلمٍ مطواعٍ بين أناملي مستسلماً لكل ما تمليه عليه بنات أفكاري.

ما بالهم يحدّقون؟

  • “هيي، هيي! ماذا.. ماذا تفعلون؟ ابتعدوا! ابتعـ.. لااااااا..”

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like