زاهي رستم: البحث عن أورفليس

ليست مدينة أورفليس مدينة مفقودة كمدينة أطلنتس، أو مدينة ضائعة بين الرمال كمدينة إرم ذات العماد، تحتاج إلى البحث والتنقيب عنها في الخرائط وكتب التاريخ أو تحت الرمال؛ أورفليس هي مدينة خيالية من كتاب النبي لجبران خليل جبران، والبحث هنا ليس عن مكان المدينة وموقعها، بل عن معنى الاسم وما المقصود من اختيار جبران لهذا الاسم.

ولربما كان من الأسهل سؤال المؤلف جبران عن المعنى الرمزي وما الذي يقصده بهذا الاسم، أو من أين استوحاه وركّبه. ولكن يبدو أن أحداً لم يسأله عن ذلك. أضف إلى ذلك أن جبران صرح بأنه كان يقصد أن يحيط رموزه بالغموض، بل وطالب بعدم إيضاح كلماته الغامضة، كما كتب في إحدى رسائله إلى ماري هاسكل: ”أنا أفضِّل الحقيقة الخفية على الحقيقة الظاهرة“. وكما كتب إلى مي زيادة في إحدى رسائله ما معناه في تنبيه الشخصية الرئيسية في كتاب النبي جمهرة المريدين الحقيقة التالية: ”وإن جاءت كلماتي هذه غامضة على أفهامكم فلا تسعوا وراء إيضاحها. فإن الغموض والسديم هما بداءة كل شيء لا نهايته. وإنني بملء الرغبة أود أن تتذكروني كبداءة“. وهو مقطع ورد على لسان المصطفى من الكتاب.

وفي كتاب “حديقة النبي” لم يجب المصطفى عندما سأله أحد تلاميذه عن مدينة أورفليس: ”أول من خاطبه، ذلك التلميذ الذي كان يدعى حافظ: “حدثنا يا معلم عن مدينة أورفليس، وعن تلك الأرض التي أقمت فيها تلك السنوات الاثني عشرة”. بقي المصطفى صامتاً…“.

ولربما كان جبران يخطط لتفسير رموزه في الكتاب الثالث الذي كان من المفترض أن يكون اسمه “موت النبي”، ولكن أيامه بددتها أجنحة الموت البيضاء قبل أن يبدأ في خط كتابه.

ورغم طلب جبران عدم تفسير رموزه، فإن هناك من حاول تفسير كلماته الغامضة ومنها اسم أورفليس، وهذا كان سبباً في وجود أكثر من تفسير لاسم المدينة، التي نستعرضها ونحللها قبل أن نقدم احتمالات لتفاسير جديدة أخرى لم ترد سابقاً مع شرحنا لها، ونترك للقارئ اختيار ما يناسبه منها ويوافق رأيه.

التفسيرات السابقة لاسم أورفليس، مع ملاحظاتنا:

ذكرت عدة مراجع أن اسم أورفليس مشتق من أورفيوس، إله الموسيقى والشعر في الأساطير الإغريقية الذي كان يهدئ بعزفه على القيثارة من روع العناصر الغاضبة ويسحر كائنات الطبيعة. وربما يكون هذا صحيحاً. ويعزز ذلك أن جبران كان متأثراً بفريد هولاند داي الذي كان موضوع إحدى لوحاته هو أورفيوس (موديل متنكر بثوب أورفيوس)، وأن جبران حذا حذوه ورسم أورفيوس تعبيراً عن إعجابه بهذه الشخصية الأسطورية وعلاقتها الأثيرة بالطبيعة.

ولكننا لا نعتقد بصحة ذلك تماماً، فلو كان التفسير صحيحاً، لأصبح المعنى مدينة الشعر أو مدينة الشعراء، بينما نحن نعتقد أن المصطفى في القصة ربما يكون شاعراً وربما يكون مثل أورفيوس، ولكن ليس المدينة وليس سكانها.

وقد كان لميخائيل نعيمة تفسير آخر، فحسب رأيه أن كلمة أورفليس مشتقة من Orphan التي تعني يتيم. وأن مدينة أورفليس لا ترمز فقط إلى نيويورك، أي بابل أميركا والغرب حيث كان يقيم جبران في المنفى بعيداً عن وطنه، بل إلى الأرض التي انفصلت عن السماء، الأرض الأرملة أو اليتيمة. أورفليس هي إذن الحياة على هذه البسيطة فيما الجزيرة التي يتجه إليها النبي هي أرض الحياة الأخرى.

وهذا التفسير أقرب للصحة من التفسير الأول، فعليه يصبح اسم المدينة “مدينة الأيتام” أو “المدينة اليتيمة”، وهو ما ينطبق على مدينة نيويورك، وعلى أميركا كلها عموماً، وربما ينطبق أيضاً على أي مدينة يسكنها البشر، باعتبارهم أيتاماً منذ أن غادر آدم الجنة. وبذلك تصبح الجزيرة التي يتجه إليها المصطفى هي العودة إلى مسقط رأسه في لبنان.

وفي دراسة وتحليل الدكتورة نازك سابا يارد للكتاب، الذي أرفقت كمقدمة لنسخة جديدة لترجمة ميخائيل نعيمة كتاب النبي إلى العربية، ذكرت أن: ”مدينة أورفليس هي هذه الدنيا، وسكانها هم البشر، والجزيرة التي يعود إليها النبي هي الحياة الأخرى، تنقله إليها سفينة الموت…“؛ ولكنها لم تتطرق إلى معنى الاسم أو تركيبه.

وقد تطرق عز الدين بوحسون لتفسير معنى أورفليس، في فصل له بعنوان “أورفليس جبران، المدينة المثيرة” (أو مدينة الشهوات) باللغة الإنكليزية، فقال: ”وينزل النبي من التل ويتجه نحو المدينة المسماة أورفليس. ورغم أن المدينة ليس لها وجود حقيقي، فإن بناء اسمها مهم للغاية. يتكون من Orph+alese. وقد يفكر أحد ما بشكل مباشر في Orpheus وales كلاحقة. ومع ذلك فإن المصطلحات تشير أيضاً إلى معنى آخر: Ur +Phallus. بُني أورفليس على الاسم العربي لمدينة القدس، وهو مستعار من الاسم الآرامي Orshalim، أو Urshalim، مدينة السلام. إنه التقاء المدينة التاريخية بالمدينة الأسطورية، نقطة التقاء أسطورة أورفيوس وقدسية المدينة الجغرافية…“، ومن الجدير ذكره أن بوحسون حاول رسم خريطة أورفليس من نص الكتاب.

وذكر ب. عبد الرشيد في مقال له بعنوان “دراسة تحليلية عن كتاب النبي لجبران خليل جبران”، نقلاً عن فوزي عطوي: ”وقد قال بعض الكتاب عن هذا الكتاب هكذا: فالنبي هو جبران ذاته، وأورفليس، هي أمريكا، وجزيرة النبي هي لبنان. والمطرة هي ماري هاسكل. ونرى في كلام المطرة على حنين النبي إلى بلاده ما يذكرنا بحنين جبران إلى لبنان في أخريات [أواخر] أيام عمره“. ولم يذكر شيئاً عن تفسير الاسم.

وإضافةً إلى ملاحظاتنا السابقة، نرى عدة أمور منها: أنه لا يصح أن تكون الجزيرة التي يعود إليها المصطفى هي الحياة الأخرى، لأن المصطفى قال: ”وإنني أود لو يتاح لي أن يصحبني جميع الذين ها هنا، ولكن أنى يكون لي ذلك؟“. فهل يدعو نبي جبران أهل أورفليس إلى الموت والذهاب للحياة الأخرى؟! من عادة الأنبياء الدعوة والتمني أن يذهب ناسهم وأتباعهم إلى الجنة. كما أن جبران كان قد أعد كتاب “حديقة النبي” الذي نشر بعد وفاته، وكان يُعد كتاباً آخر كما ذكرنا سابقاً بعنوان “موت النبي”؛ فلا يستقيم أن تكون السفينة سفينة الموت والجزيرة هي العالم الآخر بسبب هذا الكتاب الذي لم يُكتب. فعليه أغلب الظن أن الجزيرة التي سيذهب إليها المصطفى ويدعو الآخرين إليها هي الجنة (وربما يقصد جنة الأرض، لا سيَّما إذا ربطنا الفكرة مع كتابه آلهة الأرض، فيصبح هناك آلهة وجنة للأرض، وإله وجنة للسماء)، فهو خاطب راكبي السفينة قائلاً: ”يا أبناء أمتي الأولى، أيها الراكبون متون الموج المذللون مَدَّها وجَزْرها! كم من مرة أبحرتم في أحلامي! وها قد أتيتم ورأيتكم في يقظتي التي هي أعمق أحلامي“. فهو يعترف أنه كان يراهم في الأحلام وهو يراهم للمرة الأولى في الواقع؛ وربما يستقيم المعنى أكثر لو أنه كان يقصد الفينيقين، فهم كانوا بحارة وهم كانوا من أوائل أبناء أمته. ولكننا نرجح المعنى الأفضل، وهو أنه يقصد أولئك الذين سبقوه إلى الجنة التي شاهدها في أحلامه. وليس أبناء قومه لأنه عاش في لبنان (بفرض أن المصطفى عائد إلى لبنان) ورأى قومه في الحقيقة وليس في الأحلام.

وكذلك نلاحظ أن المصطفى أمضى اثنتي عشر عاماً في أورفليس قبل عودته إلى جزيرته (حديقته)، بينما قضى جبران ثمانية وعشرون عاماً في أميركا؛ فقد وصل مع أمه وأولادها إلى آليس أيلند بتاريخ 17 حزيران/ يونيو 1895م، بينما صدر النبي في أيلول/ سبتمبر عام 1923م (في شهر الحصاد حسب لغة جبران). رغم أن هذا لا ينفي احتمال أن يكون المصطفى هو جبران.

وهناك تفسير آخر إذا ما ربطنا معتقدات جبران بكتاباته ورسومه، فالموت عند جبران الذي يعتقد بالتقمص (التناسخ) هو نوم مؤقت ينتهي بالعودة إلى الحياة بالولادة ثانية وثالثة في أرحام أخرى إلى أبد الدهر. وهكذا تكون السفينة إيذاناً بنهاية إحدى حيوات المصطفى والاستعداد لحياة جديدة، وركاب السفينة هم من انتهت دورة حياتهم الحالية، والجزيرة التي سيذهب إليها هي مكان بعث الحياة الجديدة في جسد آخر. ويعزز هذا قول المصطفى: ”فإن الحياة تفتش عن الحياة في أجسام الذين يخافون القبور“، وكذلك قوله في وداعهم واصفاً عملية التقمص، واعداً إياهم بالعودة مرة أخرى: ”فالوداع الوداع يا أبناء أورفليس، قد غربت شمس هذا اليوم، وأغلق علينا أبوابه كما تغلق زنبقة الغور أوراقها على غدها، فكل ما أعطينا ها هنا سنحتفظ به، وإذا لم يكن كافياً لسد حاجاتنا، فإننا نأتي ثانية إلى هذا المكان، ونمد أيدينا معاً لمن أعطانا. ولا تنسوا أنني سآتي إليكم مرة أخرى؛ فلن يمر زمن قليل حتى يشرع حنيني في جمع الطين والزبد لجسد آخر. قليلاً ولا ترونني، وقليلاً وترونني؛ لأن امرأة أخرى ستلدني“. وفي نهاية الوداع ونهاية الكتاب، تردد المِطرة المقطعين الأخيرين السابقين من كلماته.

الاحتمالات الأخرى والتفسيرات الجديدة:

قبل البدء بالتفسيرات علينا أن نتعرف على اللغات التي اطلع عليها جبران وأتقن بعضها. كانت اللغات التي يعرفها جبران هي العربية لغته الأم وتعلمها إلى جانب السريانية في مدرسة بشرّي، ثم في معهد الحكمة. وكان يتكلم أيضاً الفرنسية التي تعلمها في مدرسة الحكمة، وعلى الأغلب مارسها عندما انتقل إلى باريس عام 1908م. وبعد هجرته إلى أمريكا تعلم اللغة الإنكليزية التي أجادها بمساعدة ماري هاسكل. وربما اطلع على بعض اللغات الأخرى كاللاتينية والإغريقية والهندية. وهكذا نكون قد حددنا مجال البحث اللغوي الذي سنستخدمه. فكان بحثنا عن معنى وتفسير أورفليس محصوراً بهذه اللغات، مع احتمال ضئيل أن تكون الكلمة من مصدر لغوي آخر أو مشترك من أكثر من لغة. كما اعتمدنا في ترجيح تفسيراتنا على علم يُعد حديثاً نسبياً هو علم أسماء الأماكن.

  1. من الرسوم المرفقة بالكتاب:

في البداية لاحظنا أن للأجنحة وجود رمزي متكرر في كتابات جبران، فهي رمز الطيران والتجرد من المادة وانعتاق النفس والفكر، إنها التعبير عن الارتقاء بالاتجاه الإلهي والاندفاعة التي تجعل الإنسان يتجاوز حدود وجوده. لذلك نجد الأجنحة وما يمت لها موجودة في الكثير من أعماله.

وأيضاً نجد الأجنحة في رسومه، ففي كتاب النبي وضع جبران اثني عشر رسماً. عشرة منها بالألوان المائية، واثنان بالرصاص، وهما رسم المصطفى في أول الكتاب و”اليد المبدعة” في آخره، وهذه الأخيرة نعتقد أنها ملخص للكتاب كله، وأنها مفتاح لفك بعض رموز الكتاب. وربط الرسوم مع النصوص عند جبران هو ما أكد عليه حبيب جاماتي، في مقال له بعنوان “جبران.. هل كان غامضاً”، حيث قال: ”ثم لا تقرأ الشعر أو النثر وتعرض عن النظر إلى الرسوم، فجبران كان يكتب ويرسم في آن معاً، وقد قلت لك أنه كثيراً ما يكتب بريشته ويرسم بقلمه، وأن قصائده لوحات ولوحاته قصائد. وقد لا تفهم القصائد إذا أعرضت عن الرسوم، ولن تفهم الرسوم إذا أعرضت عن القصائد!“. لذلك هناك روابط بينهما، بحيث الرسوم والنصوص يتكاملان.


رسم توضيحي 1 اليد المبدعة، اللوحة الأخيرة في كتاب النبي، من رسوم جبران خليل جبران.

وقد قام ميخائيل نعيمة بوصف لوحة اليد المبدعة: ”وأما “اليد المبدعة”، فيد منبسطة تكاد تلمس قوة الفن في كل أصبع من أصابعها. وفي وسط كفها عين مفتوحة تبصر كل شيء [وسوف نضيف للوصف أن اليد يمنى والعين كذلك يمنى].

ومن حولها دائرة من الأجنحة المتلاصقة بأطرافها وكأنها في زوبعة من الحركة السريعة. ومن حول الأجنحة سديم أو ضباب تطوقه دائرة من الأجسام البشرية المشتبكة بعضها ببعض. هذه يد الله. في لمسها بصر. وفي بصرها خيال. تتخيل الأشكال قبل أن تكوّنها. ثم تلمس السديم فتكوّن الأشكال. ولعل جبران عندما رسم هذه اليد، عاد بالذكرى إلى “يد الله” من صنع رودين. ولكنه إذا ما أخذ منها الفكرة الأساسية. فقد أعطاها من فنه كياناً استقلت به كل الاستقلال عن يد رودين“.

وتفسيرنا للوحة “اليد المبدعة هو: اليد في الوسط هي يد الله المبدعة، والعين تعني أن الله يرى كل شيء إذن هو يعرف كل شيء، وهو الذي يمنح الأجنحة (التي هي أقرب لليد في اللوحة) لمن يشاء من البشر (الذين هم أبعد عن اليد) شرط أن يسعوا للارتقاء والسمو.

كما ينبغي لنا أن نلاحظ أن ورود كلمة جناح ومشتقاتها (أجنحة، مجنح، يطير…) في الأصل الإنكليزي للكتاب كان نحو ست عشرة مرة. ولا نعتقد أن ذلك من قبيل المصادفة.

مما سبق يمكننا الفرض أن معنى أورفليس قد يتعلق بالأجنحة…

وعليه نستطيع أن نلخص الكتاب الذي يمثل علاقة الإنسان بالإنسان بأنه دعوة للبشر للارتقاء في كل شيء حتى في علاقاتهم العادية وتعاملاتهم وأشيائهم (ذكر بعضها في فصول الكتاب الستة والعشرون)، وأهمها المحبة. هذا الارتقاء هو ما يعيد إلينا أجنحتنا، حتى المتكسرة منها، ويقودنا لأن نكون في المكان الأسمى ألا وهو قلب الله (الجنة، الفردوس؛ وربما جنة الأرض لا الجنة في الآخرة).

ويعزز ذلك أننا بحثنا عن المقطعين Orph+alese، ووجدنا أن هناك ما يقترب من نطقها باللغة اللاتينية، والتي تعني أجنحة أورفيس:

Orpheus’s Wings= Orphei alis (Latin)

وعليه يصبح اسم المدينة: مدينة أجنحة أورفيس، أو مدينة أجنحة الشعراء، ولا سيَّما أن في معتقدات جبران الأنبياء لا بد أن يكونوا شعراء.

  1. من الاشتقاقات اللغوية والتشابهات وتقسيم المقاطع:

نلاحظ أن أورفليس باللغة الأصلية للكتاب (الإنكليزية) لم ترد لوحدها، بل سبقها دوماً كلمة مدينة أو سكان (أهل)، وردت: city of Orphalese، أو people of Orphalese. وقد وردت في كتاب النبي تسع مرات. ومرة واحدة في كتاب حديقة النبي.

وباستخدام المصطلحات اللغوية التي قد يكون جبران استخدمها في تركيب اسم المدينة.

أخذنا في البداية الكلمة كمقطع واحد وبحثنا عنها في محركات البحث والموسوعات وفهرس المدن والبلدات والمناطق في العالم، ومراجع أخرى، فلم نجدها كما توقعنا. ولكننا وجدنا أسماء قريبة منها.

من هذه الأسماء اسم مدينة هامة هي أورفا أو أورفه، ومنها اشتقاق “أورفلي” أو “أورفه لي” والتي تعني أحد سكان هذه المدينة. وهي مدينة هامة جداً تنبع أهميتها من أنها كانت أول مدينة قبلت الدعوة المسيحية على يد ملكها أبجر الأسود الذي كان مصاباً بمرض عضال (على الأغلب النقرس والذي كان يوصف بأنه داء الملوك) عانى منه طويلاً، وعجز عن شفائه أي طبيب، وبعد سماعه بمعجزات يسوع بعث إليه وفداً، حمله رسالة بالسريانية يسأله فيها القدوم إليه ليشفيه من مرضه، ويعرض عليه السكن معه في مدينة الرها (أورفه). لم يلبِ يسوع طلب الأبجر، ولكنه بعث له برسالة يعده فيها بإرسال أحد تلاميذه إلى الرها. فكان أن أرسل إليه مار أدي (مار بالسريانية تعني السيد، وهناك من ذكر أن رسوله اسمه عدي) وهو أحد التلاميذ الاثنان والسبعون وفقاً للتقليد الكنسي. وهو من دعا المدينة إلى دين المسيح. ويطلق عليها لقب مدينة الأنبياء، لاعتقاد أن النبي إبراهيم  ولد وواجه النمرود فيها، وأن النبي أيوب عاش فيها سنوات ابتلائه ومرضه، حسب ما جاء في العهد القديم. ويضاف إلى ذلك أن النبي يعقوب عاش وتزوج بها، كما يوجد ضريح في أحد كهوفها يُعتقد أنه للنبي شعيب.

كما لاحظنا أنها ليست المرة الوحيدة التي استخدم فيها جبران في أعماله اسم مدينة خيالية، فلقد استخدم اسم مدينة “كيلافيس، city of Kilafis” التي وردت مرتين في نص بعنوان “الله والآلهة العديدة” الذي ورد في كتاب له بعنوان التائه. وكذلك مدينة “شواكيس، city of Shawakis” في نص “الأميرتان” في كتاب التائه. ويظهر جلياً لنا أن كل أسماء المدن تنتهي باللاحقة “يس” نطقاً، مع اختلاف كتابتهم. وخالف هذا النمط ورود اسم مدينة “زاآد، city of Zaad” التي وردت في نص “حقل زاآد” في كتاب التائه، فهي لا تنتهي بالمقطع “يس”. اللاحقة يس -ese باللغة الإنكليزية و-eis بالفرنسية القديمة و-ois أو -ais بالفرنسية الحديثة؛ كلها اشتقاقات من اللاحقة اللاتينية -ensem و-ensis والتي تعني “ينتمي إلى”. وهي تستخدم لتشكيل الصفات والأسماء للإشارة إلى سكان أو لغة بلد أو مدينة ما، مثل Japanese: ياباني أو لغة يابانية، وViennes: من ينتمي إلى فيينا (النمسا).

بالاعتماد على ما سبق يمكننا تقسيم كلمة أورفليس إلى Orphal+ese، أورفل من أورفلي وهي صيغة النسبة إلى مدينة أورفه باللغة العربية، وese صيغة النسبة باللغة الإنكليزية. فلربما نحت جبران اسم مدينته هكذا نظراً إلى أهمية المدينة، وهو غالباً يعلم ذلك، ولأنها أول مدينة آمنت بالمسيحية، ولأنها مدينة الأنبياء، فما المانع أن نضيف إليها نبياً جديداً هو المصطفى. فيصبح معنى الاسم مدينة الأورفاليين (الذين آمنوا بدعوة المسيح، والذين جاوروا الكثير من الأنبياء)، أو مدينة الأنبياء.

وفي تفسير آخر، لاحظنا أن العديد من المدن القديمة تبدأ بالمقطع أور مثل أورشليم، وأوروك، وأورفه (والشكل الأقدم لاسمها أورهاي في الآرامية)، وأوروم (تل عفير)، وأوركيش (تل موزان) فيمكننا تقطيع أورفليس لمقطعين Ur+Phalese، وأور باللغة السومرية (وربما باللغة الأكادية أيضاً) تعني البلدة (المدينة الصغيرة)، ووجدنا أن فليس باللغة الهندية تعني السابق، أو قبل الوقت أو بالفعل أو المستعد. فعليه يصبح معنى أورفليس المدينة السابقة، أو مدينة السابق. والتي إذا ربطناها مع كتاب جبران “السابق” الذي هو تمهيد لكتاب النبي، تصبح ذات معنى واضح، ولا سيَّما أن السابق هو اللقب الذي يُعرف به يوحنا المعمدان عند المسيحيين لأنه سبق المسيح ومهد لمجيئه، وعندما اختار جبران اسم السابق لكتابه، فهو شاء أن يجعل كتابه هذا ممهداً لكتابه التالي النبي، كما كتب ميخائيل نعيمة في مقدمة ترجمته لكتاب النبي.

ولعل من المهم الربط بين تسلسل صدور كتب جبران، لا سيَّما إذا علمنا أن كتاب النبي – كما ذكرت بعض المراجع – قد وضع تصميمه يوم كان في السادسة عشر من عمره، وكان يسميه آنذاك “كتابي”. ففي البداية كانت “روحه متمردة” ثم أصبحت “أجنحته متكسرة”، ثم ظهر “المجنون” ثم جاء “السابق” ليعلن عن “النبي”، الذي دخل “حديقته” بعد أن أصبح “التائه”، وأخيراً “موت النبي” الكتاب الذي لم يستطع جبران كتابته فقد كان الموت أسرع. فقد نرى نمطاً من أن هذه العناوين هي لمشروع واحد، متكامل ومتصل.

وهناك تفسيرات أخرى أقل أهمية نذكر واحداً منها أور+فليوس – Ur+filos، حيث ذكرنا أن أور تعني مدينة، وفيلوس باللغة اليونانية تعني صديق، فيكون المعنى مدينة الصديق أو مدينة الأصدقاء.

وفي النهاية، حاولنا في مقالنا هذا إيجاد احتمالات لتفسير وتركيب كلمة أورفليس، وليس أي منها ذو أرجحية، حتى الآن، وتركنا للقارئ الخيار فيما يعتقده الأقرب للصواب، وكلنا أمل بظهور معلومات واكتشافات جديدة تساعد على ترجيح أحد الاحتمالات، أو وجود تفسير آخر.

المراجع:

  • (n.d.). Retrieved from فهرس المدن والبلدات والمناطق في العالم: www.fallingrain.com/world/
  • Bouhassoun, A. (2016). Gibran’s Orphalese, the Erotic City. In R. F. Narvaez, & L. B. Malland (Eds.), Time, Space and the Human Body: An Interdisciplinary Look (pp. 21- 29). Brill.
  • Gibran, K. (1923). The Prophet. Gutenberg EBook.
  • Young, B. (1945). This Man From Lebanon- A Study of KaHlil Gibran. New York: Alfred A. Knopf.
  • إسكندر نجار. (2008م.). قاموس جيران خليل جبران. (ماري طوق، المترجمون) بيروت، لبنان: دار الساقي.
  • أنيس فريحة. (1996م). معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية (الإصدار طبعة رابعة). بيروت، لبنان: مكتبة لبنان.
  • جبران خليل جبران. (2013م). النبي. (ميخائيل نعيمة، المترجمون) بيروت، لبنان: نوفل.
  • ب. عبد الرشيد. (كانون الأول/ دبسمبر, 2014م). دراسة تحليلية عن كتاب النبي لجبران خليل جبران. Jetir، 1(7)، 1179- 1184.
  • جبران خليل جبران. (2017م). النبي. (أنطونيوس بشير، المترجمون) وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي.
  • رينيه دوسو. (2013م). المسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى. (عصام الشحادات، المترجمون) بيروت- دمشق: المعهد الفرنسي للشرق الأدنى.
  • حبيب جاماتي. (1 نيسان/ أبريل, 1949م). جبران.. هل كان غامضاً؟ الهلال(4)، 59- 65.
  • شمس الدين العجلاني. (1 نيسان/ أبريل, 1981م). على هامش سنته العالمية، هل كان كتاب النبي أروع ما كتب جبران بالإنكليزية؟ مجلة العربي، 269، 61- 62.
  • موسوعة ويكيبيديا. (بلا تاريخ). تم الاسترداد من https://wikipedia.org.
  • ميخائيل نعيمة. (1999م). المجموعة الكاملة (الإصدار الطبعة الخامسة، المجلد المجلد الثالث). بيروت، لبنان: دار العلم للملايين.
  • نذير العظمة. (1 نيسان/ أبريل, 1979م). جبران خليل جبران ووليم بليك. المعرفة(205-206)، 83- 104.
  • هيئة الموسوعة العربية. (2003م). الموسوعة العربية- المجلد السابع. دمشق, سورية: هيئة الموسوعة العربية.

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like