رزان نعيم المغربي: كارما الكتب: عن سرقة طاغور وفئران الذاكرة

لا تُبنى المكتبة في الفراغ. المكتبة حصيلة تجارب وخبرات وذاكرة؛ والجدران التي تحتضنها هي نفسها الجدران التي ستحملنا سنوات طويلة. فالمكتبة في نهاية المطاف ليست مجرد أثاث، إنها جغرافيا الروح المتعبة التي نحملها معنا. وسأحدثكم عن تلك الطفلة التي ولدت وتربت في سوريا لأب ليبي من تلك الأسر التي هاجرت إلى دمشق بعد الاحتلال الإيطالي. والدي، المثقف الذي كان يعمل مديرًا لمركز البريد، حتم عليه عمله الانتقال بين مدن كثيرة كل عامين أو ثلاثة. وبما أنني الابنة البكر، وعيتُ مبكرًا على فقدان البيوت، وعلى وداع زملاء المدرسة، وعلى ضياع حقائب تحتوي ألعابي أولًا، ثم كتبي.

مع الوقت، ورغم أنني عبرتُ عن تلك الحسرة لوالدي وبأني أشتهي الاستقرار حتى لا أشعر بألم فقد الأشياء وإعادة بنائها من جديد، كان رده حكيمًا: “عندما تكبرين ستكتشفين أن هذه الخسارة الصغيرة هي ربح كبير؛ لقد ربحتِ تجارب مختلفة، أصدقاء أكثر، وذاكرة لمدن وأماكن لا يتسنى لغيرك معرفتها“.  

لم أكن طفلة هادئة، كنتُ أثير الضجيج أينما حللت وأخترع الألعاب التي لا تخطر في بال أقراني. طاقة عالية وثقة زائدة اكتسبتها من الاهتمام العائلي، ما جعلني أولوية العناية لدى والدي الحنون. انتبه لفرط حركتي، فلم ينزعج، بل حاول احتواءها؛ سواء بشراء الدمى التي تعاملتُ معها بعنف وشوهت ملامحها، أو بتلبية طلبي شراء دراجة لأكون مثل صبيان الحي أتبارى معهم، حتى وصل بي الأمر للوقوف كحارسة مرمى بديلة حين يغيب ابن الجيران! ورغم أنني كنتُ “على دكة الاحتياط”، لكن هذا الأمر لم يشغلني كثيرًا، فلدَي ما أفعله في البيت.

عندما صرتُ أملك ركنًا في مكتبة معلقة على الجدار، راكمتُ قصص الأطفال، ثم لحقتها بروايات ذات طابع بوليسي ومجلات “سمير” الأسبوعية.. حدث ذلك وأنا في الصف الخامس الابتدائي. الكتب لم تخفف من نشاطي في العطلات؛ حيث اعتدتُ الذهاب إلى بيت الجدة في “حي المهاجرين” بدمشق. هناك، قريبًا من بيت عمي الذي يملك مكتبة “ممنوع الاقتراب منها”، بدأتُ أبحث عن منافذ أخرى.

أتذكر جيدًا حين دعتني زميلتي وجارتي لرؤية الطابق السفلي لبيتهم الواسع الجديد. كانت الحماسة تنطلق من نبرة صوتها لأنها اكتشفت في ذلك المخزن ما تركه عمها المخرج التلفزيوني أمانةً لديهم قبل سفره. حكت لي عن رسائل عاطفية وصور فنانات، ودخلتُ برفقتها إلى القبو شحيح الإضاءة إلا من ضوء قادم من نافذة علوية. وقفتُ مذهولة من أكوام الكتب المرمية على الأرض كتلال صغيرة متناثرة. وبينما ذهبت هي لتفتش في الأوراق والرسائل، انشغلتُ بكنز مغارة علي بابا رحت أتفقد عناوين الكتب ووضعها جانبًا. نادتني لرؤية الرسائل، فأخبرتها بأني أرجوها السماح لي باستعارة الكتب. لم تحرص على توصيتي بردها، فقط نبهتني أن أخرج من الباب الخلفي. وهكذا حصلتُ على كثير من روايات الأدب الكلاسيكي؛ من الروسي إلى الأمريكي والفرنسي، لكن كتابًا صغير الحجم وقعتُ في غرامه.. وهنا قررتُ الاحتفاظ به. قمتُ بإعادة الكتب الضخمة واكتشفتُ أنها لا تعلم ما استعرت، فسجلتُ في ذاكرتي أول سرقة شبه مشروعة لكتاب كان لـ “طاغور”. يومها أيقنتُ أن الكتب كائنات ماكرة، تعرف كيف تختار أصحابها الحقيقيين، حتى لو اضطرت لسلوك طرق ملتوية. فالخطيئة الوحيدة التي تغفرها المعرفة هي سرقة كتاب؛ لأنها سرقة بدافع الجوع لبناء ذاكرة معرفية، بدل ضياعها في العتمة وتصبح بعد وقت رطبة يأكلها العث في مكان لا يليق بها.  

بدأت علاقتي بالكتب وهوس أن يصبح لي مكتبة خاصة يزداد، لكن عدم الاستقرار استمر حتى قرر والدي العودة النهائية إلى ليبيا. رأيته يوزع ما تبقى من مكتبته على الأصدقاء لثقل الحمل، وشعرتُ بالانهيار لمكتبة تنقلت في صناديق وضاع بعضها، تفاؤلي يدفعني كل مرة للفرح ببداية تأثيث مكتبة أعيد تعليقها على جدار بيت جديد.

في طرابلس، صار لي بيت الزوجية، وصار شريكي مهووسًا مثلي بالكتب، ننتهز فرص المعارض لشراء المزيد. أتذكر أن قريبًا لزوجي زارنا أثناء معرض الكتاب، وصار يرافقنا للتجوال فيه كل مساء. فجأة، اكتشفنا أنه يعود بأكياس ممتلئة بكتب مختلفة الأحجام ولا رابط بينها؛ تاريخي، سياسي، وإبداعي. وحين كان على وشك العودة لمدينته، قال متحسرًا: “هذه الكتب لكم.. سرقتُ بعضها والباقي اشتريته من أجلكم”. أردف قائلًا إنه أتى لزيارتنا متوقعًا أن يتجول في العاصمة ويرى معالمها، لكنه اكتشف أن زيارته ليست إلا سياحة “ثقافية” قسرًا! بعد انتهاء المعرض، قرأتُ في الأخبار معاناة الناشرين من السرقات، يعني لست وحدي من امتلك كتبًا مسروقة رغم أنها لم تكن بيدي، مما خفف داخلي تأنيب الضمير لاحتفاظي بما تركه لنا.

حصلتُ على الكتب بطرق شرعية وغير شرعية بعد ذلك. دعتني قريبتي التي تعمل في “دار الكتب الوطنية” لرؤية مخزن صغير فيه الكتب المصادرة من المطار أو المعارض. ذهبتُ لزيارتها في جولات انتقيتُ فيها عناوين مهمة لكتب نادرة، على صفحاتها وأغلفتها ختم “ممنوع من التداول”. كنت كلما خرجت بتلك الحمولة، تردد قائلة: سوف يتم إعدام الكتب قريبًا، مما يضفي راحة على النفس بإنقاذ المعرفة من الحرائق. 

صارت مكتبتنا تكبر، لكن لاحقتني لمدة طويلة لعنة تغيير البيوت. تنقلتُ كثيرًا، واشتريتُ مكتبات مختلفة حرصتُ دومًا أن يكون جزؤها الأسفل بأبواب خشبية مغلقة؛ لتكون مخبأً لدفاتري ومذكراتي وأوراقي، ولكل الصحف والمجلات التي نشرتُ فيها.

في السنوات الأربع الأخيرة قبل مغادرتي ليبيا، سكنتُ في شقة لا تتسع لمكتبتي الكبيرة، مما اضطرني لوضعها في صناديق وإرسالها لبيت شقيقتي حيث المخزن الواسع فوق السطح. كنتُ أودعها هناك وأنا أشعر بغصة؛ فالكتاب المسجون في صندوق يشبه الرسالة التي ضلت طريقها؛ كلاهما ميت سريريًا حتى تلمسه عين قارئ. المكتبات لا تموت بالنيران فقط، بل تموت بالهجر والعتمة.

في تلك الشقة الضيقة، اشتريتُ أرففًا جميلة من “إيكيا” ووجدت الكتب لها مكانًا في غرفة نومي قريبة من يدي. حتى عام 2014، عندما بدأت الكهرباء تنقطع كثيرًا، والقراءة على ضوء شحيح باتت متعبة، مما جعلني أتعلق بجهاز “الآيباد” للقراءة الإلكترونية. وأتذكر قبلها بعام صادف في 2013 إقامة مهرجان للكتب المستعملة طلبوا تبرعات، فوجدتُ فيها فرصة للتكفير عما احتفظتُ به من كتب مسروقة. وهذا لا يعني أن “كارما الكتب” (Book Karma)، وهذا مصطلح نحته بنفسي، لم تقتص من مكتبتي؛ فلطالما تعرضتُ للسرقة من الأهل والأصدقاء عن طريق “الاستعارة” التي تحول كلمة “مؤقتة” إلى “دائمة”.

 ثم جاءت حرب “فجر ليبيا” في 2014، وما سبقها من مخاطر شخصية دفعتني إلى سفر الخروج. في سيارتنا حملنا ما طالته أيدينا، أودعتُ حقيبة أوراق ومستندات رسمية في بيت قريبتي، وعبرتُ الحدود إلى تونس. هناك كان عليّ الانتظار 6 أشهر. أمضيتُ الوقت في التشافي؛ أستيقظ صباحًا وأذهب باتجاه شاطئ المرسى، أحمل كتابًا أقرأه لساعتين ثم أعود. بعد أشهر، اكتشفتُ أن حصيلتي بلغت 10 كتب، وضعتها في صندوق وقدمتها هدية لصديقة هناك، ودخلتُ هولندا بحقائب خالية من إرثي الورقي، وبذاكرة ثقيلة من التوهان.

في هولندا، بدأتُ أعيد إنتاج نفسي من الصفر. حينما تأملت صالة بيتي الواسعة، سألتُ: ما الذي ينقصها؟ مكتبة. من “إيكيا” اشتريتُ مكتبة مكونة من أجزاء بعرض يقارب 5 أمتار. كانت رفوفها فارغة مع اعتراض ابنتي أنها “ليست أولوية”، في داخلي كنتُ واثقة أنني أضع حجر الأساس. فأن تؤسس مكتبة في المنفى يعني أنك تحاول دقّ وتدٍ في أرض رخوة؛ إنها محاولة يائسة ومجيدة لقول: أنا هنا، وهذا جذري الجديد. نحن نشتري الكتب لنقرأها ولنؤثث بها غربتنا وهذه غايتها في البلاد البعيدة.

وصلتني نسخ من روايتي “الرسام الإنجليزي” مترجمة للهولندية فاحتلت رفًا كاملًا، ثم هدايا الأصدقاء، وزياراتي لمعارض صغيرة. حتى في المطارات، حين ينظر موظف الجمارك مندهشًا لحقيبتي، أخبره أنني كاتبة فيغض الطرف.

عشرة أعوام مرت، ولم تملأ المكتبة الكبيرة إلا إلى النصف. ملأت الفراغات بالتحف وسلال القش، وبقي الحنين إلى “صندوق الأسرار” في طرابلس؛ الكنز الذي يحوي كراساتي، يومياتي، ومخطوطات رواياتي. قررتُ أن أتصل بشقيقتي العام الماضي للبحث عنه، وهنا كانت “الكارما” تأخذ حقها للمرة الأخيرة. بصوت خافت ومرتبك أخبرتني أنهم اكتشفوا فئران في الغرفة، ونظفوها وأخرجوا الصناديق.. بقيت الإجابة معلقة حول مصير صندوق الأسرار بكلمة: “لا أدري، ربما راح ضحية الهجوم”.

في رأسي سمعتُ صوتًا يقول: توقفي هنا. دعي الأمل معقودًا بأنها نجت من الانقراض، كما نجت من حرب 2019 حين كان البيت بجوار محور قتال. ربما هنا يخذلنا الورق وتصمد الذاكرة. 

اكتشفتُ متأخرة أننا لا نملك الكتب حقًا، نحن مجرد حراس مؤقتين لها قبل أن تستعيدها الطبيعة أو الفوضى. ما يبقى في الرأس هو المكتبة الوحيدة التي لن تتمكن الفئران من قضمها ولا للجمارك مصادرتها. في النهاية، سلامة الأهل أغلى. التفتُّ إلى مكتبتي الجديدة واستقراري هنا، وشعرتُ بالامتنان.. وكأنه الخلاص الأخير من ذنب سرقة كتاب طاغور في آخر المطاف. 

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply