ماذا لو اقتفى الأدب أثر الذات؟ ماذا لو دلنا على الرسائل الوجودية؟ وماذا لو طرق على قلوبنا وسلمها لنا تسليمًا حانيًا لطيفًا؟ وكيف حال الأدب إن لَوّن الواقع، أو عدّل في الصور، أو أخرج الحلم في إطار فني مذهب؟
في “بهجة الغواية” طرق الفن باب الواقع، محبةً لكل التجارب الإنسانية على اختلافها، لإظهار نتاج معاناة البشر وثورة المشاعر، وغصة الفقد… من خلال رحلة أستاذ جامعي مع طالبة لديه، تستغل أنوثتها واغترابه النفسي للوصول إلى غايتها. فتتحول التجربة العاطفية النفسية للأستاذ إلى خذلان وكسر مضاعف للقلب.
العنوان ربما يشعر القارئ للوهلة الأولى أنه أمام مفردتين بينهما تعارض ما: “البهجة والغواية”. حيث تُعرف الغواية دائمًا على أنها “مداهنة، تملق، تزييف، تضليل”… وغالبًا ما تحمل معنى الاستغلال. أما البهجة فهي استجابة طيبة لذكرى أو لموقف معين، هي انشراح الصدر وانفتاح الروح على الحياة. وللبهجة أسبابها ودعائمها التي قد تكون جينية أو نفسية.
لماذا لم يستخدم الكاتب مصطلح “فرحة” أو “انتشاء” أو “سعادة” بدلًا من بهجة؟ بما أن أثر الغواية على النفس أثرًا مؤقتًا، والبهجة أكثر ثباتًا واستقرارًا وترسخًا في النفس، مع العلم أن السعادة من دلالات البهجة… فكيف تكون الغواية مبهجة؟
عندما طرق البطل باب الجسد، طرقه من باب الفطرة والاشتهاء، لكنه كان كلما اخترق حصنًا، وكلما فك طلاسم خرائط الجسد، كلما سعى للوصول إلى ما هو أبعد من الرغبة الجسدية، ربما قصد السكينة والسمو الروحي، وربما أراد الوصول لذاته التي يلاحقها منذ زمن… فتحولت الغواية من غاية إلى مجرد وسيلة للوصول للبهجة.
كان يستطيع الخروج من دائرة الغواية والحصول على الإشباع الجسدي، وجاءت له فرص متعددة، لكنه استعذبها… وبذلك تحول من الانتشاء الذي يحدث عند الغواية، إلى بهجة متأصلة دائمة بدوام الغواية. الدليل على ذلك: أن البطلة عرضت عليه الزواج لكنه رفض (الفصل الخامس).
على هامش “بهجة الغواية”
فيما يقرب من 630 صفحة، كتب فتحي إمبابي رواية إنسانية تغور في قلب الاغتراب والوحدة الذاتية، والبحث عن الذات والملاذ، محاولًا تفسير ما هو الحب، وكيف يكون الوطن، إبحارًا في المخرجات الفنية كنتاج إنساني: من كلمة… شعر… قصة… رواية… ومن صورة (“صور الدمى”). كان دائمًا يخبرنا أنه في منطقة برزخية وسطى بين الحياة والموت الأبدي…
حوت الرواية أجناسًا أدبية مختلفة، كالشعر والمقال والنظريات الأدبية، والأفكار البحثية، والتقاطات قصصية قصيرة، واستخدمت تقنيات كثيرة مثل تقنية الحلم لوصف الحيرة الذاتية. وهنا تمحور واضح لاستخدام الكولاج الأدبي.
من واقع الفقد، بدأت حيرة الذات تظهر في المنامات الطويلة، وقد بدأ الراوي بالحلم (“الكابوس”)، وكأنه يكشف عن قناعاته قبل الولوج في التفاصيل، ويصور لنا دواخله قبل الإعلان عن تفاصيله الشكلية الظاهرية (ص10). مع تتبع مجرى الأحداث، نجد أن الكاتب شكل عجينته الروائية مستخلصًا نهاية واقعية، تحمل كل الخزي من البشر. الخذلان كان قاسمًا لظهر البطل، لأن مذاق الونس والعشق كان أشهى مما تصور. في صفحة 270 يتساءل البطل عن الوحدة وعن سبب خلق حواء لآدم، وقد اعتمل داخله سحر الصحبة والونس.
كان الكاتب يخيط من مشاعره وأفكاره المتعارضة ثوبًا من الحقائق والمستجدات الفكرية.
من أشكال التعارض الفكري:
- الدخول عبر الجسد للوصول إلى التصوف والزهد (ص256).
- فكرة زج الأحداث الواقعية في مخيلة الكاتب، في نوع من التسامي الفردي، والوصول إلى عوالم من اختلاقه.
- تعارض داخل الذات الواحدة: البطلة تعيش معه بحرية وتتعرى وهي متزوجة، ثم تقوم للصلاة… البطل يبحث عن الله ويرجوه (ص372).
- استخدام الدمى رغم الرغبة المشتعلة داخل البطل للدفء والاندماج والبعد عن ممارسة الإشباع البارد.
المزاوجة بين الحلم والواقع:
- المزاوجة بين العلاقة الفكرية والحسية، كأن يتفاعل مع الجسد ويتعاطى الدراسة الأكاديمية عقليًا (ص107).
- التطور الفكري ملازمًا لتنقله عبر خرائط الجسد في تطور ملحوظ لوصوله عبر الجسد لمشارف الروح.
- مزاوجة بين الصورة والكلمة.
- مزاوجة بين شخصيات من الواقع واستدعاء شخصيات مختلقة من الخيال (جنيات، حوريات)، ثم مزاوجة بين البشر والدمى.
- مزاوجة بين العمل الفني والدراسة الأكاديمية.
تصنيف الرواية: كيان زمني استشرافي (رواية مستقبلية قصيرة المدى)
تضع تخيلًا للحياة بعد فترة بسيطة من الآن. صاغ الكاتب تصورًا منطقيًا للمستقبل، توقع فيه حدوث نسخة ثانية من الثورة المغدورة. لم يضف تطورات كبيرة على الواقع، بل توقع أن علاقة الدولة بالمواطن تتجه من سيء إلى أسوأ، وكأن هناك عقد إذعان بين الوطن والمواطن. طور منظومة الدمى وجعلها تتفاعل مع الإنسان بشكل يستند على معطيات الواقع.
يعود الفضل لهربرت جورج ويلز في وضع علم المستقبل، وجاءت معظم رواياته وأعماله الأخرى تحمل تنبؤات علمية، منها: «آلة الزمن» و«جزيرة الدكتور مورو» (1896).
بدأت الرواية العربية بالقيام بدورها في التنبؤ لتحل محل الشعر الذي كان يتنبأ بما سيحدث. وبرز دور الرواية العربية الاستشرافي بالتخوف من المستقبل بتصوير ما في الواقع العربي من مظالم ومفاسد وتخلف. ومن النماذج للروايات التي حاولت استشراف المستقبل: رواية عبد الرحمن منيف «مدن الملح» بأجزائها الخمس.
البناء الفني
تُعرف الرواية على أنها فن كتابي له القدرة على التفتح على كل الأشكال الفنية والكيفيات الكتابية… فنحن أمام بناء فني كبير شمل تعدد أجناس أدبية باقتدار.
زمن الأحداث في الرواية أربع سنوات، تخلله استرجاع لأحداث قديمة كانت مهمة للبناء الفني. البناء اعتمد على مشاهد من الحلم ومشاهد من الواقع، وبينهما فقرات سردية مع فقرات أخرى نظرية، تخللته عناصر حوارية: حوار داخلي ممتد وخارجي مقنن.
طبقات البناء الفني (“الشكلية”)
تكون النص من عدة أجزاء:
- نوة الحسوم
- الربع الخالي
- الرواية هذا الفن العظيم
- خرائط الجسد
- تجليات الحقيقة
- الجحيم
- بهجة الغواية
تلك الأجزاء، على اختلافها، حوت داخلها فصولًا، الفصول كانت ممتدة عدديًا. أي أن الكاتب لم يخص كل جزء بفصول محددة، وفي ذلك دلالة على أنه مجرد تقسيم ضمني للأجزاء والترابط كان ممتدًا بامتداد السرد. واختيار اسم كل جزء بدا كأنه فكرة مركزية للمحتوى. سميت الأجزاء بأسماء ذات دلالة على الحالة الدرامية، فسمى الجزء الأول “نوة الحسوم” في إشارة إلى الدخول الأول للبطلة حياة البطل. البناء كان شاهقًا يتناسب مع تطور الأحداث الداخلية وتفاقم الصراع الخارجي، والتصوير الإيروتيكي لعلاقة سوزي بأستاذها.
البناء الفني من حيث المضمون
ارتكز الكاتب على تقنية الحلم، وصفًا لصراعه وركضه بحثًا عن ذاته، ثم بدأ في سرد القصة عبر راوٍ عليم، ثم أدخل مشاهد وصورًا ودمج بين الصورة والكلمة، والفقرات الجانبية المشوقة. دخول الحوار كان لطيفًا. ثم اعتمد على إبراز النظريات الأكاديمية. دمج بين الخيال والواقع حتى وصل إلى عدم القدرة على التمييز بينهما في النهاية التي جاءت تلقائية خفيفة.
ركز المضمون على الخذلان، وإنكار المعروف، وزيف المشاعر، وإعلاء المصلحة الخاصة على القيم والأخلاق، تأصيلًا لخللٍ مجتمعي أكد على تلك المستجدات اللاأخلاقية.
الحبكة
لم تنفلت الحبكة من النص الروائي بالرغم من تداخل أجناس أدبية أخرى، وإن كان النسق الأكاديمي بغى بعض الشيء على الدراما.
الشخصيات
يمكن تقسيم الشخصيات إلى متطورة نامية، وأخرى غير نامية. جاءت شخصيات الرواية قليلة، أخذ البطل والبطلة منها مساحة كبيرة، وذلك دلالة على أنهما محور الفكرة. البطل والبطلة عانوا من صراع نفسي وازدواجية في المعايير:
- البطلة ترتدي النقاب، وتغوي الأستاذ للحصول على دراسة أكاديمية جيدة، تخفي وجهها وتخلع ملابسها بدون أي توتر، تسمح له بالتجاوز والعبث في جسدها، ويعيش حيرة: “من يغوي من؟”.
- البطل يعيش حالة من الفصام ما بين صراعه مع الكوابيس، وحياته الواقعية التي تبدو مرتبة.
جاءت الشخصيات تبعًا للضرورة الدرامية: - الدكتور المشرف على الرسالة: رسم بوجهة نظر البطلة، لم نسمع له صوت رفض داخل العمل.
- والدتها كانت شخصية ثانوية غير مؤثرة، لا هي ولا زوج سوزي (“البطلة”). ظهر الزوج بدور غير متنامٍ غير مؤثر حتى تكتمل علاقة سوزي بالأستاذ وتكتمل معالم رسالة الدكتوراه.
- الأبناء: بُنيت شخصياتهم الدرامية لتتناسب مع خط سير الأحداث.
- “أدم”: متجاوز سريعًا، مغامر، يشجع أباه على الحرية.
- “الابنة”: غيورة من وجود علاقة لأبيها بامرأة أخرى، وقد صنعت فجوة (“أزمة”) حركت الدراما… تعتبر من الشخصيات المؤثرة.
حدث نوع من الاستدعاء لشخصيات مثل:
- الأم، التي كانت سببًا في الحالة التي يمر بها البطل.
- الحديث عن العائلة والمرور البسيط على بعض العلاقات الاجتماعية السريعة.
- دخول مباغت لشخصية هلامية: طالبة أخرى تحتاج المساعدة.
- الحوريات، الجنيات، وعالم الكوابيس.
- الدمى: حدث تنامي في شخصيات الدمى، وبدأوا يحركون الأحداث عندما أعادوا سوزي لأستاذهم رحمةً به.
المكان
اختيار المكان الملائم للقصة (“الإسكندرية، بيئة مناسبة”):
- النوة: كانت طرفًا مشاركًا ذات دلالة عن حالته النفسية.
- المطر، السماء، السحب التي ساعدته على الولوج لعوالم مختلقة.
- فكرة “أريكة الغواية الصيفية”، وحجرة النوم الشتوية.
- السفينة الكبيرة التي خرج منها جنود البنك الدولي…
- التقلبات الجوية في الأحلام.
الصوت السردي
كتبت الرواية بوجهة نظر الراوي العليم المتماهي مع البطل، الذي يتحول أحيانًا لراوٍ عليم متماهٍ مع البطلة (ظهر ذلك في الفصل الخامس، ص290).
- صوت الكاتب ظهر في العديد من الفقرات، خاصة ما يخص الآراء السياسية، والدراسة الأكاديمية، وأحيانًا حين كان يدلّي بدلوه في مجريات الأمور.
- في روايات محبوكة بإطار درامي وأحداث متواترة، قد يكون ظهور صوت الكاتب عيبًا فنيًا، لكن في “بهجة الغواية”، ليس من الإنصاف وصف صوت الكاتب بالضعف؛ لأننا أمام عمل تتماثل فيه القيمة الفنية مع القيمة الفكرية والفلسفية مع تداخلات من مخيلة الكاتب.
- من بداية النص كان الصوت السردي مراوغًا، ضالًا شاردًا مرات، ومرات بدا واثقًا معتزًا بذاته، ومرات كان خاضعًا حزينًا.
- تغير الصوت السردي بتغير الموقف، وعلى امتداد التجربة، لكنه حافظ على نوع من الاعتزاز بالذات التي تكاد تصل إلى العنجهية… حتى انهزم في النهاية.
تناول الذات بين الحلم والحقيقة
مزج بين الواقع والخيال وصور مشاعره على أنها حقيقة.
- ذاته ضالة تائهة في الحلم، لكنه في الحقيقة كان واثقًا من نفسه، من خبراته، ومن ثقافته.
- ذاته في الحلم، كانت مع بشر غرباء، كانت تركض ولا تصل مطلقًا، أما في الواقع كانت تعتز بعلاقات العمل وتواجه المصاعب بثقة.
المآخذ على الرواية
- في المشاهد الإيروتيكية كان هناك تكرار لنفس المشاهد والكلمات.
- الإغراق والتماهي في الوصف في بعض الأجزاء.
- نقل النظريات ووجهات النظر حرفيًا مما تسبب في الإضرار بالسرد الفني أحيانًا.
- استخدام نظريات تحتاج قارئًا على مستوى معين.
الجسد في الرواية
- الجسد كان حقيقةً ورمزًا:
الحقيقة: جسد الأنثى التي خاض معها البطل رحلة بحث عن الطمأنينة، وأقر أنه دليل لوجود الروح.
الرمز: جسد الوطن المتمثل في رحلة الثورة، الثورة ضد الظلم، تمزيق عقد الإذعان، الثورة ضد البيروقراطية… جسد الوطن معتلًا بالنفاق الاجتماعي والوساطة والرشاوى، حتى أنه رأى جنودًا من “البنك الدولي” جاءت تمارس دورًا سلطويًا على الشعوب.
الحوار
كان الحوار طبيعيًا، تلقائيًا، انسيابيًا، على مستويات عدة:
- عامي فطري مع البطلة.
- عامي مهذب مع الجار والأبناء.
- فصيح بسيط مدمج مع العامية في النصائح أو الأفكار مع الأبناء والبطلة.
- اتسم الحوار بالثقة في الذات وفي الفكرة، عكس ما عكسته الأحلام عن البطل.
نقد المجتمع
- نقد الأفكار المجتمعية: عقد الإذعان بين الوطن والفرد، المجاملة، التمجيد المزيف، الاستغلال الوظيفي، الخداع… (هو نفسه وقع في أحد تلك الخصائص المجتمعية الزائفة في تعرضه للاستغلال والخذلان).
- نقد جوائز الدولة.
- نقد فكرة الإشباع التي فرضها التطور (إشباع الاحتياجات بطريقة باردة).
- نقد النقد الأدبي، وكثير من النظريات.
- نقد الخدمات والمبالغة والمغالاة.
- علو شأن المتسلقين وعديمي الموهبة.
- التحدث عن قضايا فلسفية: غموض الحدود بين الصواب والخطأ.
الثورة على كل الأشياء
على الوحدة، على الوطن، على النظريات، على الذات، الثورة على الجسد.
بعض الخصائص الفنية والسردية
- التناول الإسلامي والعقائدي لبعض القضايا الدينية: مثال الفتنة الكبرة، قضايا الفكر الوهابي.
- فكرة الإسلام السياسي وأثرها على المرأة والمجتمع في الملبس وفي التفكير، ويعتبره سببًا مباشرًا للتناقض الحاصل في الفكر العقائدي.
- العبث السياسي في العهد المباركي وابن مبارك المدلل.
- استخدام اللغة الإنجليزية.
- استخدام اللقطة الساخرة.
- الفكرة الجانبية.
- الصورة ركن ركين من الخط الدرامي.
اللغة
استخدم لغة وسطى:
- أكاديمية في عرض النظريات والأفكار.
- ثورية نقدية.
- عاطفية إيروتيكية.
- نفسية في التعبير عن الذات.
النهاية
جاءت بمثابة بداية جديدة، وهي ذات دلالة على أن الحياة تستمر رغم الخذلان والوجع. مع ضمور الأمل، والهزيمة أمام الخذلان، أقول: يبقى الأدب الإنساني محملًا بعبق الحياة، واضطرابات الواقع، وثقل تشظي الأفكار وحيرة النفس.
ختامًا:
أتمنى أن أكون مهدت الطريق بين النص والقارئ، لكي يصبح أكثر استهلاكًا، وألا تكون قراءتي خطابًا معاقًا.
أوراق/ 26

Leave a Reply