سال العرق من جبينه، نهرنا زاعقاً، هددنا بأن يهدم اللعبة ويعود من حيث أتى، حين صمتنا وتوجهنا إليه بأنظارنا، بدأ يرتب أنفاسه ويمحو عرقه، وطلب منا أن نخفض أصواتنا، ثم بدأ في تنظيمنا، فقام بعمل طابورين، أحدهما للبنات وآخر للأولاد. كنت أقصر البنات طولاً، أقف في نهاية الطابور وعيناي مسلطتان على كل من يحالفهم الحظ ويفوزون بدورهم في الصعود للعبة أولاً، وألتفت بين لحظة وأخرى لألوح بكفوفي الصغيرة لجدتي وعمي الجالس في مدخل البيت يتناول البليلة الساخنة. لقد كنت أفخر أني أسكن في بيت جدي الذي يطل على الساحة الوسيعة، حتى أصحابي في المدرسة كانوا يحسدونني بسبب موقع منزلنا، حيث أستطيع رؤية كل فاعليات القرية وأنا في الشرفة أو على عتبة البيت، لكنني لم أكن أهتم كثيراً بالأفراح والأتراح، ولا حتى بزفة المولد التي تمر من أمامنا، قدر اهتمامي بالشجرة العتيقة المقابلة لنافذتنا، كل الطيور التي تسكن الشجرة رفاقي، أراقب الصغير حتى يكبر، والكبير حتى يتلاشى، أتابعهم وهم يقبّلون السماء كل صباح.
يمر الوقت وكلما اقترب دوري أشعر بالخوف، كيف أستطيع الضغط على المقبض الحديدي والتزحلق على هذا الحبل الرفيع؟ لكنها تجربة مثيرة على أية حال. أضع بين الحين والآخر يدي على جيبي لأتأكد من وجود خمسة وعشرين قرشاً أعطاني إياها جدي، ألمحه الآن قادماً من رحلته القصيرة بعد أن طاف زائراً على جيراننا وأقاربه، يمشي منحنياً وفي يده عصاه من الخيزران، يلبس “جلابية” من الصوف رغم حرارة الجو، جدي رجل طيب يأتي بعد صلاة العيد مباشرة إلى حجرتنا ويعطي كلاً منا عيديته.
*
بدأت أقترب من الحبل، وأنظر بشغف لكل من يؤدي اللعبة بجسارة، وبترقب لكل من يرتجف خائفاً، وبألم لكل من يبكي متراجعاً، وأتذكر أننا جلسنا أكثر من أسبوع -أنا وأسرتي الكبيرة- لا نعرف ماذا يفعلون بالألواح الخشبية، إلا بعدما انتهوا من الشكل النهائي، صنعوا سلماً خشبياً عالياً، ومنصة صغيرة، وعموداً حديدياً مربوطاً فيه حبل أسود سميك، أخبرنا عمي أن هذا الصرح يسمى “سلك الهوى” وهي لعبة تُشعر من يقوم بها كأنه يطير، من يومها وأنا أحلم أني برفقة أصدقائي الطيور.
*
تبقى أمامي أربعة، أملس على شعري المنساب خلف ظهري، أول مرة تسمح لي أمي بفك ضفائري، أذكر إصرارها على لمّه في ضفيرة، وتوصلي معها لحل معقول؛ أن تقوم بفك ضفائري في الأعياد. تراجعت صباح اليوم، لكنني ألححت في طلبي، وبكيت حتى وافقت، فدعكته بزيت الزيتون والفازلين حتى يبدو طرياً ناعماً.
ألقي نظرة على فستاني بين الحين والآخر، رمادي قصير بشريط ستان أحمر على أطرفه، أعلى من الركبة بقليل، رغم جماله، وإعجابي به فإنه يظهر أرجلي السمراء النحيفة.
*
سمعت فجأة صوت الرجل “صاحب اللعبة” يطالبني بالربع جنيه، وضعت يدي في جيبي وأخرجت طلبه وقلبي يدق بشدة، صعدت السلم الخشبي وأنا أرتجف، انتابتني مشاهد سقوطي، واحتمالات موتي، وتخيلات لقدميّ وهما في الجبس الأبيض، صعدت وقد ضاعت فرصة التراجع، شعرت بالخجل من أن أبوح بخوفي أو أن أبكي، لقد حان دوري وانتهى الأمر، كنت أنظر حين صعودي على منزلنا، جدتي تلوح لي، وعمي وأبناؤه يراقبونني، يحدثني الرجل في الأعلى:
– في سنة كام يا شاطرة
– خامسة
– انت جدعة متخافيش.
أعطاني التعليمات، ومسك يدي وطالبني أن أضغط على المقبض الحديدي بكلتا يديّ، وحذرني أنى لو تركته سأقع وقد أموت أو تنكسر رقبتي، فعلت وضغطت على المقبض وكل انتباهي موجه له، أغمضت عيني، دفعني الرجل، ثوان معدودة من الحيطة والترقب وشد الأعصاب والأنفاس المكتومة وجدتني بالأسفل، لم أشعر بشيء، لكنى قمت وكلي سعادة أني اجتزت التجربة، رغم أن الحذر حدّ من استمتاعي.
*
جريت تجاه جدتي وأنا مبتسمة، وجدتهم في استقبالي، عمي متخشباً يضع يديه خلفه لا يبادلني الابتسامة، وبمجرد أن اقتربت أخرج خرطوماً أحمراً وأبرحني ضرباً، حاولت أن أهرب من قبضته لم أستطع، ما بين لسعات الخرطوم المبرحة وقف التساؤل مجروحاً في حلقي: ليه… عملت إيه؟
حولي أبناء عمومتي يضحكون، وجدتي تطالب عمي أن ينتهي:
– كفاية عليها كدا
يسب زاعقاً:
– اتعريتي قدام الناس يابنت الكلب.
جريت من إحراجي أواري نفسي وقد ظهرت علامات الضرب على قدماي، سقطت على درجات السلم مرات، عبرت الصالة الكبيرة متخطية حجرات أعمامي بحذر، وأنا لا أعرف ما الخطأ الذي ارتكبته، تساقط على وجهي دمع ساخن، استلقيت على سرير أمي وسحبت الغطاء على وجهي وظللت أبكي، نالت جدتي من أمي واتهمتها أنها السبب في دلعي.
*
لم أذهب إلى العيد بعد هذا الحادث مطلقاً، حُرمت من المراجيح ومن “الساقية القلابة” ومن مرافقة الصغار في الشارع. من يومها لم تعد تستهويني الطيور في السماء، حتى تلك المحلقة فوق الشجرة الوحيدة أمامنا. ضفيرتي لم يعد من حقي أن أظهرها، فلقد اشترطت جدتي على أمي أن أرتدي إيشارباً من الشيفون.
*
صرت أكتفي بالنظر من خلف الشيش، وعندما تستحيل الرؤية، أنصت إلى ضحكات الأطفال وأنا مغمضة العينين، تطالبني جدتي دوماً أن “أعصب” الإيشارب جيداً على رأسي كلما انفك، خشية أن تظهر أفخاذي النحيلة.
مجلة أوارق/ 25
