صدمتُ أمس، مع المصدومين، بنبأ رحيل الفنان اللبناني زياد الرحباني، وأحسب أن دمعة فلتت، رغم أن الموت متوفر بكثرة هذه الأيام في جهات عربية عديدة، متوفر ويوميّ حتى ليكاد المرء يظن أن الوقت قد حان لِتَكَسُّر النصال على النصال.
صدمة ودمعة مباغتتان حقاً، كيف مع كل هذه الخصومة مع مواقف الرجل الذي حَسَمَ موقفه وموقعه إلى جانب النظام الممانع، في عزّ ثورات الاستقلال والربيع العربي، منذ انتفاضة الاستقلال في لبنان، بُعَيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بكل ما جرى من فظائع (من بينها اغتيالات لسياسيين وكتّاب ومناضلين من خصوم النظام الممانع. هل قال شيئاً بخصوص سمير قصير الذي يعبده رثاة زياد)، إلى ثورة السوريين على نظام المخلوع بشار الأسد!
أحببنا، نحن السوريين ومَن في حكمهم، زياد الرحباني قبل أن نميّزه تماماً من بين ملحني فيروز، حيث صحونا على صوت جارة القمر في بيوتنا ومدارسنا وشوارعنا الفقيرة عبر أجهزة راديو مزروعة على الشبابيك الضيقة (أرسخها وأحزنها بالنسبة لي «وطني، يا جبل الغيم الأزرق»، إذ كانت لازمة لبرنامج يومي في إذاعة دمشق آنذاك)، وأكيد مرت ألحان لزياد أحببناها من دون أن نكترث لمن يكون اللحن، لم يكن السؤال وارداً أصلاً آنذاك. أحببنا «سألوني الناس» من دون سؤال عن ملحنها، أساساً من يخطر له ألّا يحب أغنية للفيروزة! كما أحببنا تلك المقطوعة البديعة التي كانت مقدمة لبرنامج يكاد يكون الأشهر بين برامج التلفزيون السوري هو «السالب والموجب» لمقدمِّهِ توفيق حلاق، وربما يعود له الفضل في تعرّف السوريين مبكراً على موسيقى «يا أبو علي». تكاد المقطوعة تكون ذاكرة مشتركة لعموم السوريين من دون أن يعرف معظمهم بالضرورة لمن تعود.
الثورة على الضيعة
حين تعرّفنا على زياد الرحباني، في مسرحياته وبرامجه الإذاعية المتداولة على كاسيتات، ومقابلاته المنتظرة على أحرّ من الجمر، أذهلنا أن الفنان الرحباني بصدد ثورة عارمة على الرحابنة، يسخر من الأغنية الرحبانية، يعيد توزيعها بمعارضات موسيقية، والمدهش أنه يستخدم القماشة الرحبانية نفسها ليعيد تطويعها، وصولاً إلى توظيف فيروز نفسها في تلك السخرية، اُنظر مثلاً كيف عارض زياد أغنية «يا ريت، إنت وأنا بالبيت»، من كلمات وألحان الأخوين رحباني، في أغنية معارضة جديدة بإيقاع سريع تغنيها فيروز «لا والله». والتي تقول فيها «يا ريت، إنت وأنا بالبيت، بس كل واحد ببيت».
كنا مستسلمين تماماً لكل ما يأتي من الرحابنة، وكان درس زياد الأول أن ما ظنناه مقدساً ونهائياً يمكن انتقاده، بل والسخرية منه، ومن الرائع أن يأتي ذلك من رحبانيّ، ولدٌ جاء من صلب الرحابنة، وإلا كان النقد سيحسب في عداد عداوة الكار، أو «خالِف تُعرف»، أو انعدام الموهبة، وربما يحسب في سياق هجمة صهيونية تهدف إلى النيل من الفن اللبناني والعربي وتحطيم أيقوناته (تهمة الصهيونية ساقها زياد نفسه تجاه بعض أبناء الكار، مثل التونسي أنور إبراهم، واللبناني ربيع أبو خليل).
كنا مستسلمين إلى أن جاء زياد، ثار على الضيعة الرحبانية المزيفة، حاول أن يحاكي لبنان كما هو في الواقع، على مستوى الموضوعات واللغة مستخرِجاً من المحكي، اليومي، شعراً وكلمات وأغاني كانت الأقرب إلى الجيل، من المفهوم إذن أن يرثى زياد اليوم بكلمات تبدو عابثة «بلا ولا شي» (كانت متعة حياتنا أن نغنيها على أرصفة دمشق: تعي نقعد بالفيّ، مش لحدا هالفيّ، حبيني وفكري شوي، بلا ولا شي..)، «يا ضيعانو»، «اسمع يا رضا، كل شي عم يغلى ويزيد، مبارح كنا عالحديدة، وهلق صرنا عالحديد».
زياد نفسه سخر من الرحابنة بشكل لاذع وحاد، فليس من حق أحد إذن، وهذا درسٌ رحبانيّ آخر في غاية الأهمية، أن يتنطح ويشرع سيف الاتهامات عندما تتعرض تجربة زياد للنقد، هو نفسه لم يقصر لا بالرحابنة ولا بأحد سواهم، صراحة أو ضمناً.
زياد الذي تحفظه أجيال عن ظهر قلب، كلمة كلمة، ميزورة إثر أخرى، وتقلد كلماته وبرامجه، وحتى طريقة كلامه، وتتنظر إطلالاته، وتتناقل صوره، وتعلقها على جدران البيوت الفقيرة إلى جانب أيقونات أخرى؛ فيروز، محمود درويش، جيفارا، مع تنويعات أخرى محلية بحسب المنطقة والجنسية، سرعان ما خذل محبيه، السوريين خصوصاً، وقبلهم اللبنانيين الاستقلاليين، عندما انحاز إلى نظام القتل، انحاز لا بزلة لسان، بل راح يثابر في التنظير والتطبيل للنظام السوري ولإيران والنظام الممانع عموماً، وإذا كنا شهدنا استقالات وتكويعات لا حصر لها حتى قبل سقوط النظام السوري وانهيار «حزب الله»، وشهدنا مراجعات عديدة، بقي زياد في قلعته، عنيداً، ممانعاً حتى النفس الأخير. هكذا بات واضحاً أن الرجل الذي أثار إعجابنا بالانقلاب على الضيعة الرحبانية، استنفر ذهولنا لانصياعه للدولة الأسدية.
وليت الأمر توقف عند تحيّز سياسي، بل بدت بعض تصريحاته مخجلة في فداحة الخطأ والتجني فيها، من دون أن تجد اعتذاراً حقيقياً صادقاً عنها.
الأغنية والمغني
مع ذلك، ليس بإمكان أحد إنكار أثر زياد الرحباني، في موسيقاه وأغنياته أخَذَنا فوراً إلى موسيقا العالم. اللغة في مسرحياته وتعليقاته الإذاعية باتت جزءاً من نسيج لغتنا، على اختلاف محكياتنا، لبنانية كانت أم سورية أو فلسطينية، على غرار ما نحفظ من المسرحيات والأفلام المصرية التي دخلت لغتنا أيضاً وباتت جزءاً أصيلاً منها، ورغم كل الخلاف والتمترس السياسي قد تجد أحدنا يقول «كما قال زياد ذات مرة».
لم تعد المسألة إنْ كنا نحبه، أو نختلف معه، فلقد باتت أعمال زياد أشبه بسلطة الأمر الواقع، بإمكان المرء أن يسمع «وقمح» من دون أن يتذكر مواقفه السياسية، ومثلها «كيفك إنتَ»، و»أنا فزعانة»، وسواها الكثير، من دون أن يضطر إلى وضع صورة له على الجدار. تماماً كما يحدث عندما تحفظ وتستمتع بشعر هذه القامة العربية أو تلك فيما تختلف معه كلياً، بسبب عنصريته، أو غروره، أو انحطاطه، الخ. المتنبي جزء من اللغة العربية، ولست مضطراً عندما تستخدم عبارة «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» حتى أن تتذكر اسمه، على سبيل المثال لا الحصر.
تقريباً هذا ما أفعله من سنوات طويلة، فيما أقرأ لواحد من شعرائي المفضّلين (أحد أسرار القراءة). بل أعتبر أن نهاري يسير أفضل ما يمكن إنْ بدأتُ بقراءته، رغم كل مواقفه من الربيع العربي.
هذه المرة بإمكانك أن تحب الأغنية وتنسى المغنى.
*القدس العربي
