راشد عيسى: الموديل العاري في كلية الفنون: هل قلت حرية أكاديمية!

نقاش سوري ساخن آخر يجري في هذه الأثناء، ولكن هذه المرة من زاوية الثقافة والفن، مناهج التعليم، والحرية الأكاديمية. نقاش جاء إثر نشر وثيقة من ديوان كلية الفنون الجميلة بدمشق مذيلة بتوقيع عميد الكلية الفنان فؤاد دحدوح يطلب فيها من رؤساء الأقسام «المتابعة والإشراف على أعمال التخرج بما يتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية وعدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر»، خاتماً كتابَه بتهديد: «أي مخالفة ينال الطالب علامة صفر».
الموضوع إذن هو الموديل العاري، أي الشخص الحيّ الذي تلجأ إليه كليات الفنون لتعليم طلابها، الرسامين والنحاتين والحفارين الجدد الصاعدين، تشريح الجسد البشري، العضلات، العظام، القياسات، والنِسَب. يشكل ذلك جزءاً من مناهج تعليم الفنون في كل العالم، ولا خروج على القاعدة إلا لأسباب دينية، كما يحدث في بلادنا. هو جزء لا يمكن الاستغناء عنه في المناهج، تماماً كما هي الحال في ضرورات تشريح الجسد في كليات الطب؛ هل يمكن اعتبار انكشاف جسد المرأة على طالب الطب لا يتماشى «مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية»؟!

بالطبع ستجد، بسبب خلفياتنا الدينية والاجتماعية، من قد يصدمه الأمر، إن تحدثنا عن طالب طب أو فنان متدرب (والأمر يسري على طالبة أو رسامة كذلك)، وهناك قصص تروى عن لقاءات الفنانين بموديلاتهم الأولى، لكن ذلك لا يبدل شيئاً في الأمر: لا غنى عن الموديل العاري. فمن دونه لن يُبنى الفنان أو يتلقى تكوينه كما يجب. وهناك من يذهب إلى اتهام الفنون العربية برمّتها بالقصور، إذ «كيف يرسم الفنان جسداً من دون أن يرسمه كموديل عار. هناك أمر تقني؛ عضلات تحت الجلد، هيكل عظمي،..».

درس في التشريح

قال لي فنان سوري درس في موسكو، ثم في بيلاروسيا، إن الأناتوميا، أي التشريح، لا غنى عنها في المناهج: «كان يأتينا طبيب من كلية الطب (لا علاقة له بالفن)، وفي حقيبته أنواع وأشكال مختلفة من العظام، يعلمنا أسماءها، وكيف تركب عليها العضلات. إلى جانب كتب تدرّس تناغم العضلة مع العظام، قبل الانتقال إلى الموديل الحي العاري، والهدف منه أن تبني رسماً صحيحاً لا أن ترسم نساء عاريات، فإن تعلمت التشريح، والنِسب يمكنك رسم بيت أو شجرة أو سيارة أو غيره بنسب صحيحة، ثم تستطيع أن تنتقل إلى التعبير أو التجريد بكل سهولة».
لكن المشكلة لم تخلق اليوم، فالموديل في كلية الفنون لم يعد موجوداً منذ عقود. قبل ذلك، ومع انطلاق كلية الفنون، كان تصوير الموديل العاري يعتبر مادة دراسية أساسية، وكانت ترصد له ميزانية خاصة، راحت تضمحل، وصولاً إلى موديلات بائسة، لا تأتي إلى المصلحة إلا لأن الأقدار ألقت بها إلى هذا الركن، لم تكن تتعرى، وبات الطلبة لا يجدون أمامهم موديلات عارية، بل مجرد كومة من الثياب. وكان أَذَنة الكلية من بين هؤلاء، نفضوا عن أيديهم للتو غبار العمل ووقفوا على منصة الرسم بهيئات محطمة.
الجديد الآن أنها المرة الأولى التي يجري فيها تثبيت المنع رسمياً في كتاب موثّق، مع اعتبار الموديل «غير متماهٍ مع ثوابتنا»، بالإضافة إلى أن فناناً سورياً بارزاً (فؤاد دحدوح) وضع ختمه على القرار، رغم علمه (إذ يفترض أنه مرّ بدراسة أكاديمية) بضرورات الموديل العاري في مناهج التعليم.

في منشور لاحق، على صفحته في فيسبوك، فسّر دحدوح موقفه بالقول: «لا يوجد أساساً موديل عارٍ في كلية الفنون منذ عام 1974، وجاءت توجيهات السيد معاون وزير التعليم العالي، هذا العام، بمنع الموديل العاري في مشاريع التخرج تأكيداً على قرارات اتُّخذت منذ عقود خلت من ناحية، ومن ناحية أخرى نزولاً عند رغبة العديد من أهالي الطلاب الذين تقدّموا بطلبات وكتب مسجلة لدينا بعدم التعامل مع الموديل العاري في مشاريع تخرج أبنائهم هذا العام».
ويتساءل عميد كلية الفنون: «أين الضرر بذلك إذا كان الأمر يتعلق برغبة أهالي هؤلاء الطلبة؟ هل سينكفىء ويتراجع الفن في سوريا؟ وهل تحوّلنا بسحر ساحر إلى رجعيين وسلفيين إذا كان القرار استجابة لبعض الأهالي. والسؤال الأهم هنا؛ هل أظهر لي ولغيري ممن تطاول وجاهر دفاعاً عن الموديل العاري رسماً صحيحاً لإصبع فقط من موديل عارٍ؟ وعليه فإنني لا أرى مبرراً لهذه الصحوة المتأخرة والتي مورس المنع فيها للموديل العاري منذ عام 1974».

الذهاب إلى النبع

«رغبة الأهالي» في تفسير العميد وحدها حكاية، فمنذ متى تُراعى رغبة الأهالي في تلقي العلوم؟ خصوصاً أننا نتحدث عن طلبة جامعيين. تخيل لو طالَبَ الأهالي غداً بحذف دروس التكاثر، ونظرية التطور وأصل الكون، وقد يصل المنع إلى أدباء ونصوص أدبية، بهذه الذريعة أو تلك؛ وليس من الصعب اصطياد المعري، وطه حسين، ومحمود درويش، ونزار قباني، وشاربي الخمر الأنجاس من شعراء الجاهلية، وحتى من عصور أخرى أقرب.
الجديد الحقيقي والأهم في موضوع الموديل العاري غير الموجود أساساً، هو شطب العري من مخيلة الطلاب. القرار لا يتحدث عن منع استقدام موديلات عارية، فلقد تكفل نظام الأسد ومناهجه بها من قبل، فالوثيقة تتحدث عن «عدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر». لقد ذهب المنع إلى النبع، ليضمن ألّا يتجرأ فنانٌ خريج غداً على المجيء بلوحة أو تمثال عار، أما الأعمال الفنية المتحققة بالفعل، فهناك من هو كفيل بها، مثلما شهدنا تحطيم تمثال ساحة سعدالله الجابري في حلب، وقد قال لي فنان صديق منذ ذلك الوقت، إن الغرض من تحطيم تمثال النحات عبد الرحمن مؤقت، المسمى «أم الشهيد»، لم يكن القضاء على مخلفات النظام كما زعم البعض، ولا خطأ أثناء نقل التمثال إلى مكان آخر، على ما قالت مديرية الآثار في حلب، بل بدا بوضوح أن السبب هو عري المرأة المصورة في النحت، حتى لو كان ذلك الجسد المكشوف يمثل أمَّ شهيد.

لافت أيضاً أن قرار العميد دحدوح بُني «على حاشية معاون وزير التعليم العالي»، لا على قرار أو حاشية لوزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي شخصياً، فلعلّ الأخير يشعر بالحرج أن ذلك يضرب في العمق ما أتى به في خطاب القسم عندما تحدث عن  “تعزيز الاستقلالية والحرية الأكاديمية”، وأن ”ما أفسد جزءاً كبيراً من التعليم تَدخُّل السياسة والحزب والأمن”. العبارات التي استبشرنا بأنه لا يمكن أن يتورط وزير بقولها دون أن يكون عارفاً لمعناها.
لقد قرر معاونٌ ما في هذه البلاد أن لا عري في اللوحة السورية، وغداً أن لا تجسيد في اللوحة، قد تكتفي مدارس الفن برسم الأزهار، وأوراق الأشجار، والتفافات سيقان النباتات على الأغصان، وبالحروفيات.

*القدس العربي

Share:

You Might Also Like