في كتابه النقدي (هيمنة الخطاب.. دراسة في الأنساق الثقافية في الرواية العربية) يقدِّم الناقد المصري الدكتور شعبان عبد الحكيم محمد رؤيته حول أنساق النص الروائي، وفقاً لدلالة الخطاب وما ينطوي عليه من رسائل معلنة أو مضمرة طيَّ أنساقه، فالمؤلف يدرك أن الكلام قد يحمل دلالة ظاهرة بشكل مباشر، بينما ينطوي في أسلوبه أو سياقه على دلالاتٍ أخرى مضمرة قد تتوافق أو تتعارض مع الدلالة الظاهرة، ولذلك قال الله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد: 30]، واللحن «هو أن يتكلم الإنسان بشيء وهو يريد غيره»(1).
والرواية جنس أدبي وشكل من أشكال الخطاب، له عناصره وخصائصه، ومِن بين عناصره: السرد الحوار والوصف، وهذه العناصر الثلاثة تحديداً تكون بؤرة ومركزاً لتوجيه الرواية إلى مسارٍ محدد أو فكرٍ معين، فالسَّرد مِن صُنع الكاتب، والحوار من تأليفه، والوصف من خياله، حتى إذا كانت الرواية تاريخية أو واقعية فإن الكاتب بإمكانه توجيه هذه العناصر كما يريد، لذلك يمكن من خلالها استنباط النسق الذي يخفيه الكاتب بين سطوره.
ويرى المؤلف أن “الهيمنة” في الرواية لها ظروفها وعواملها التي تنطلق ابتداءً من كون الرواية «فنًّا يلتحم بالحياة والواقع، فاستجاب لفكر واقعِهِ معبرًا عن صور الهيمنة، بداية من التصادم الحضاري وهيمنة الآخر، ثم هيمنة السَّجَّان على السجين في روايات السجن السياسي، ثم ظهور الهيمنة السياسية والعولمة الاقتصادية بصورة لافتة»(2)، ومما لا شك فيه أن الرواية تعمل على مجاراة الأحداث في جميع الأصعدة، فهي تعبِّر عن واقع مجتمعها تعبيراً صادقاً، إضافة إلى ما يقوم الكاتب من ممارسة إسقاطاته والتعبير عن خلجاته وإبداء ميوله ورغباته صراحةً أو ضمناً، دون أن يجد عائقاً في مقوِّمات الرواية وقواعدها يمنعه عن شيء من ذلك؛ فالكلمة التي يذكرها الروائي في جملةٍ حواريةٍ مثلاً أو سرديةٍ أو وصفيَّةٍ أو غير ذلك؛ لا يمكن القول بأنه اضطر إليها؛ بل هي من صميم قصده وتمام مراده.
وقد اعتمد المؤلف في دراسته على المنهج الوصفي التحليلي، استناداً إلى أن أنه يتعامل مع «نص أدبي له قيمته الفنية، وهذا النص يحمل نسقاً ثقافيّاً، ومقدرة الكاتب على صياغة هذا النسق تجعل منه مَعلماً فكريّاً لدراسة النص ودلالاته»(3)، وقد ذكَر توصيفاً موجزاً لكل نسق من الأنساق التي استنبطها، كاشفاً عن متعلقاته وسياقاته، فاستطاع بذلك تحقيق أهم أهداف دراسته، التي وضع من خلالها «تصوراً لمفاصل الهيمنة في النص الروائي، في صورها الأربع، من خلال الأنساق الثقافية التي تجلت في النص»(4).
ويتناول المؤلف دراسته انطلاقًا من تصوُّره المستخلص للنسق الثقافي بأنه عبارة عن «تلك العناصر المترابطة والمتفاعلة والمتميزة التي تخص المعتقدات والمعارف والفنون والأخلاق والقانون وكل المقدمات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان في مجتمع معين»(5)، ليربط هذا الكلام بنظرية الدكتور عبد الله الغذامي «أن تُقرأ النصوص والأنساق قراءة خاصة من وجهة نظر الناقد الثقافي، فالنص هنا حالة ثقافية، والدلالة النسقية فيه هي الأصل النظري للكشف والتأويل، مع التسليم بوجود الدلالات الأخرى؛ الصريح منها والضِّمني، وكذلك التسليم بالقيمة الفنية وغيرها من القيم النصوصية، التي تلغيها الدلالة النسقية، وليست بديلاً عنها فيه»(6)، وفي سبيل تحقيق ذلك يجب مراعاة عدد من العناصر يمكن إجمالها في:
- «الوظيفة النسقية: التي تبدو في حال تعارُض نسقين أحدهما ظاهر والآخر مضمر.
- الدلالة النسقية: التي تتعارض مع الدلالة الصريحة والضمنية.
- الجملة الثقافية: وهي الكلام الذي يعبِّر عن النَّسق.
- النسق المضمر: ويقصد به النقاد الثقافيون ذلك النسق المستتر خلف الجمال الأدبي للنص.
- المجاز الكلي: وذلك على المستوى الثقافي وليس البلاغي.
- التورية الثقافية: وهي على نمط التورية البلاغية، ولكن من خلال نسقين ثقافيَّين؛ أحدهما مضمر وهو المقصود، والآخر ظاهر وهو غير مقصود»(7).
ومن خلال مراعاة هذه العناصر «يكون الإبحار في النص لاستكشاف الأنساق الثقافية المضمرة عبر أنساق النصوص والخطابات الجمالية والفنية والأدبية الظاهرة التي تخفي أنساقًا مضمرة»(8)، فالخطاب ليس مباشرًا؛ بل يعمل المؤلف على استنباط ما يخفيه الروائي بين ثنايا سطور روايته، وهذا يدخل في نطاق المنهج الاستنباطي، ولكن المؤلف يرى أن المنهج التحليلي فيه كفاية بجانب المنهج الوصفي.
وفي الكتاب موضوع الدراسة قسَّم شعبان عبد الحكيم الروايات العربية من حيث الموضوعات العامة التي تتناولها؛ إلى:
أولاً: (روايات التصادم الحضاري)، واستخرج منها الكاتب -وفقًا لآليات التَّلقِّي والتحليل- ثلاثة أنساق هي: الاستلاب، ورفض الآخر، وتعرية الآخر.
ثانياً: (روايات السجن السياسي)، واستخرج منها الكاتب أربعة أنساق هي: رفض الآخر، والقهر، ومواجهة الآخر من خلال قوة الإرادة، وتدمير الآخر لنفسية الأنا.
ثالثاً: (روايات الحرية في زمن العولمة)، واستخرج منها الكاتب خمسة أنساق هي: كسر تابو المقدس الديني، والإباحية والجنس المثلي، ومواجهة الأنثى للتسلط الذكوري، وابتداع علاقات جديدة، والبحث عن الحرية المطلقة.
رابعاً: (الروايات السياسية والاقتصادية)، واستخرج منها الكاتب ثلاثة أنساق هي: التسلط وإخضاع الآخر، والتضليل والكذب، ورفض المنهج الاقتصادي العولمي.
وقد تناول المؤلف موضوع دراسته من خلال تطبيق منهجه على بعض الروايات باعتبارها نماذج يناقش من خلالها نظريته وينتهي منها إلى نتائجه واستنباطاته؛ ومن هذه النماذج رواية “أديب” للروائي والأديب المصري الدكتور طه حسين [ت: 1973م]، فيتناول المؤلف قول بطل الرواية، الذي سافر من مصر إلى فرنسا: «كنت حماراً قبل أن أعبر البحر، فلمَّا دخلت هذا الفندق، وصعدت إلى هذه الغرفة، وأويت إلى هذا السرير وانغمست في فراشه الوثير، وأدركني ما أدركني من النوم العميق، وأيقظتني هذه الفتاة ذات الوجه المشرق والثغر المضيء والحديث الحلو؛ نظرتُ فإذا أنا لم أبقَ حماراً، وإذا أنا قد مُسِخت إنساناً، أو قل: صُوِّرتُ إنساناً»(9)، يستنبط شعبان عبد الحكيم من هذا الكلام نسق الاستلاب، يقول: «لقد سلبته الحضارة الغربية روحه وكيانه وتوازنه، واستولى الجمال الأنثوي على عقله، وبُهِر بجمال المكان ورقَّة الذوق في التعامل، وكانت الصدمة قاسية فزلزلت شخصيته، وفجَّرت في روعه شعور الضَّعة والمهانة، فوصف نفسه أنه كان في الشرق حماراً فأضحى في الغرب إنساناً»(10).
يطبِّق المؤلف منهجه في استنباط النسق الثقافي من خلال آليات تلقِّي النص، فلا يكتفي بالوقوف عند الجمال الأدبي والفني للنص؛ بل يبحث عن الدلالة الخفيَّة وراء كلمات النص، فيبني عليها استنتاجاته، وقد أدرج المؤلف هذه الرواية ضمن روايات التصادم الحضاري.
ومن نماذج روايات الهيمنة السياسية والاقتصادية، يتناول المؤلف رواية “عاصفة على الشرق” للروائي والناقد السعودي الدكتور نبيل المحيش، في إطار نسق التسلط وإخضاع الآخر، وقد بدأ المؤلف استنباط النسق من عنوان الرواية؛ إذ يرى أن هذه العتبة من عتبات الكتاب «تضيء النص؛ لتعبيرها عن القوة الغاشمة للمهيمن، والعاصفة تتصف بشدتها وتدميرها الباطش، وجعل الكاتب العاصفة على الشرق تعبيرًا عن فكر المهيمن في بسط النفوذ التسلطي على المنطقة كلها»(11)، ويستمر المؤلف في تتبُّع عتبات الرواية وتفسيرها وإسقاطها على النسق الثقافي، يقول عن كلمات الإهداء التي كتبها نبيل المحيش في صدر روايته: «جاءت في صورة صريحة وموضِّحة رؤية الكاتب لما يدور في المنطقة من تصدعات»(12)، وعلى هذا النمط يسير المؤلف في وصفه وتحليله، ومن خلال ما تقدَّم يمكن تحديد آليات تلقِّي النص الأدبي عند شعبان عبد الحكيم، في عدد من العناصر على النحو الآتي:
أولاً: استكشاف الدلالات الظاهرة والخفيَّة في عتبات المنتج الأدبي.
ثانياً: الإلمام بالسيرة الذاتية للكاتب؛ بهدف استكشاف الدوافع الخفيَّة وراء ما يرِد في النص.
ثالثاً: الإلمام بالواقع الفعلي للظاهرة التي يتناولها النص، والموازنة بين ذلك الواقع وبين ما ورد في النص.
رابعاً: تتبُّع الأنساق المتعارضة داخل النص.
خامساً: الربط بين نصوص المنتج الأدبي الواحد؛ بهدف تكوين رؤية عامة عن المنتج، يمكن من خلال ظاهرها استنباط باطنها في ضوء المعطيات الأخرى داخل المنتج.
الهوامش:
1- انظر: لسان العرب، ابن منظور (13/ 380)، طبعة: دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
2- انظر: هيمنة الخطاب.. دراسة في الأنساق الثقافية في الرواية العربية، شعبان عبد الحكيم محمد (ص8)، طبعة: دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، دسوق- مصر، الطبعة الأولى، 2024م.
3- المصدر السابق (ص12).
4- المصدر السابق.
5- المصدر السابق (ص47).
6- انظر: النقد الثقافي.. قراءة في الأنساق الثقافية العربية، عبد الله الغذامي (ص87)، طبعة: المركز الثقافي العربي، لبنان- المغرب، الطبعة الثالثة، 2005م؛ هيمنة الخطاب.. دراسة في الأنساق الثقافية في الرواية العربية، شعبان عبد الحكيم محمد (ص47- 48).
7- هيمنة الخطاب.. دراسة في الأنساق الثقافية في الرواية العربية، شعبان عبد الحكيم محمد (ص50- 51).
8- المصدر السابق (ص51).
9- انظر: أديب، طه حسين (ص81)، طبعة: مؤسسة هنداوي، 2014م.
10- انظر: هيمنة الخطاب.. دراسة في الأنساق الثقافية في الرواية العربية، شعبان عبد الحكيم محمد (ص56).
11- المصدر السابق (ص214).
12- المصدر السابق.
مجلة أوراق/ 25
