حسام المقدم: قبل الصفر

أصحو وفي رأسي ضباب، دُوارٌ خفيف يلفُّ بي: هل اليوم خميس أم جمعة؟ إنه يوم إجازة بالتأكيد، استرخاء ممتد لا يكون في يوم عمل. أحس أنني أتزحلق، أترك نفسي للمنحدر الأملس يأخذني في اتجاه الخميس، ثم يعود للجمعة بلا حسم. هذا مُحرج لانتباهي ووعيي.. أنا أحمد محمد رشاد، موظف بمهام محددة، وإجازة أسبوعية يومي الخميس والجمعة. يمكنني بكل بساطة أن أنظر في تليفوني، وأهش دخان الشك بقراءة اليوم والتاريخ، رغم ذلك لن أفعل، سأتركه على الوضع الصامت، إلى أن يموت بالسكتة بعد نفاد الشحن. 

ملاءة سريري مكرمشة تحتي، بطانيتي الخفيفة انسلَتت وسقطت على البلاط. رأيتُ مكتبي الصغير مائلًا بزاوية بعيدًا عن الحائط، والكرسي الجلدي موضوعًا بالعكس بجانب الدولاب. 

فوضى غرفتي تصرخ: إجازة.. إجازة، ورأسي عائم في شَبّورة كثيفة.  

**

لا أنام، أدخن بشكل متواصل.

وكيف ينام مُخرج يُجهّز لفيلمه الأول؟    

أُصرُّ على الجمع بين الكتابة والإخراج، أراهما توأمين ملتصقين، فلا أحد يقدر على إخراج مشهد كما ينبغي إلا خيال كاتبه. أُوشك أن أُنهي السيناريو، بطلي شاب يقوم من نومه برأس ثقيل بعد كسل، ينهض، يدخل الحمام، يغسل جسده، يُغرقه بالصابون. يُدندن أغنية حزينة تحت وشيش الماء: “في يوم من الأيام، كان لِيّا قلب..”، يطيل ويمط الكلمات: في يوووم. يضحك فجأة: يا ترى كان يوم خميس أم جمعة!

نهار خارجي:

في الشارع، زحمةٌ وحَرّ، ورجلان يتكلمان: 

  • موعدنا مع الدكتور يوم الاثنين؟ أنتَ متأكد؟
  • الحجز الساعة خمسة على ما أذكر
  • طيب، اتصل بي يومها، لا تنس
  • ربنا يسهل

**

يخرج من الحمّام ماسكًا رأسه..

آه يا أحمد يا رشاد، في أول الإجازة تكون طائرًا على بساط الريح، استجمام، وشعور بأن الدنيا ورقة بيضاء غير مُسطّرة. الخميس الواعد بسهرة ممتدة للفجر مع أصدقاء، كلام في كل شيء، جِدٌّ ومسخرة، أكل وشُرب ودخان، وضحك عال يقلب البطن. 

لكنك لستَ طائرًا.

تشعر بإجهاد مَن مشى ربع الطريق أو نصفه. بدأتَ تميل إلى الجمعة، مزاجك بطعم ورائحة الجمعة، روحك مسطحة بلا أبعاد، غير مُتعلقة بشيء، أمامك وقت حتى المغرب، بعد ذلك تبدأ القَفْلة بلون رمادي غامق، يصبغ الوجود من الغد حتى نهاية الأسبوع.

**

سيناريو مجنون مثل كاتبه ومُخرجه المبتدئ. 

ما الذي يهم المُشاهد في فيلم مثل هذا؟ ملعونة كل الأيام، جمعة، وسبت، وعفريت أزرق. 

لن أُضيع فلوسي في الهواء، أي مُنتج عنده رائحة عقل لا يفعل هذا مع فيلم ملخبط، ومُخرج عائش في عالم آخر.

**

في داخلي حماس لسيناريو “قبل الصّفْر” مهما تخلّى عنه المنتجون، حدسي يستشرف أن أحمد رشاد سيكون جواز مروري إلى الكتابة والإخراج، أحلم بسينما فيها جمال الصورة وحضور الكادر، كل مشهد يأخذ حقه، أكره الإيقاع السريع في أفلام ومسلسلات هذه الأيام. أريد للكاميرا أن تقف على وجوه الممثلين، أن تستنطق التعبيرات والانفعالات؛ لتظل مطبوعة وباقية في عين وذاكرة المُشاهد بعد انتهاء الفيلم.  

**

يمشي أحمد رشاد في شارعه الصغير، ينحرف إلى شارع أكبر متجهًا نحو الميدان الواسع، عربات بلا نهاية تنهب الأسفلت، يقف منتظرًا فرصة للعبور:

(هذه الوجوه الملهوفة المارّة بجوارك، هؤلاء الواقفون جنب عربة الفول، والقاعدون حول الترابيزات في محل الكُشري؛ لكل واحد منهم حال وأحوال، وفي المدينة عشرون مليونًا! المدينة التي تهضم الزلط، وتطالبهم كل صباح أن يُثبتوا أنهم على درجة ما من الصلابة تُمكّنهم من البقاء ليوم آخر، والمعافرة لإيجاد مكان في معدة ممتلئة بما يزيد عن طاقتها البشرية).

يسمع النداء باسمه، يتفاجأ برؤية ياسمين، وجهها مستبشر دائمًا كأنها لا تحيا في هذا العالم. 

“أهلا يا أحمد، ما لكَ؟”

صوت داخلي: لهذه الدرجة يظهر كل شيء على وجهي!

“لا أبدًا، ياسمين: آخر مرة شُفنا بعضنا كانت يوم الأحد أم الاثنين؟”

  • الأحد تقريبًا، في حاجة؟
  • مصدّع ودماغي واقع. 
  • امسح شَعرك، عليه تُراب.

ينفض شَعره بعصبيّة.. 

  • تُراب؟ من أين جاء؟
  • حاول ترتاح يا أحمد
  • ماشي، سلام.

**

صالة بيت، البنت أمام التليفزيون تشاهد فيلمًا، تأتي الأم بالإبر والخيوط وتجلس لتكمل مَفرشها. 

تقول البنت: فيلم عجيب يا ماما، شاب لا يعرف يومه، والمُخرج يظهر بنفسه، حتى المُنتج يسب ويلعن، والبطل وصاحبته في التوهان. عارفة يا ماما.. لو رأيت هذا الشخص سأزعق في وجهه: خميس أو أسبوع أو حتى سنة.. يا أخ كلنا أصلًا خارج الزمن!

لم ترد الأم، اكتفت بنظرة من فوق نظارتها وتنهيدة حارة، بينما أصابعها تواصل عملها. 

**

كافيتريا عامرة بالشباب، طرقعات دومينو وأنفاس دخان بنكهات الفواكه، ضحكات وشتائم وحلف بالغالي والرخيص. الفيلم المعروض على الشاشة يتابعه اثنان أو ثلاثة:

فيلم غريب وحلو، لكن ما لزوم البنت وأُمها في النهاية؟

ممكن كمشهد مألوف، مثل قَعدتنا هنا.

مُمكن.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply