عندما انتهى من إلقاء محاضرة له حول انهيار مجتمع جزيرة إيستر، تساءل أحد طلاب الكاتب المعروف جاريد دايموند، كيف يُعقل أن تقوم مجموعة بشرية بارتكاب خطأ هائل يؤدي لانهيارها عبر قطع كل أشجار الجزيرة، التي يعتمد عليها وجودها، وماذا كان شعور الشخص الذي قطع آخر شجرة على الإطلاق؟ مع تكرار الأمثلة التي كان الطلاب يطرحونها، كانت الاستفهامات المتعجبة تتكرر. أحد الأسئلة غير المتوقعة كان على الشكل التالي: هل سيكون هناك بشر بعد قرون يفكرون في كيفية قيامنا بالعمل على إعطاب أسس وجودنا عبر تخريب نظامنا المناخيّ؟
في كتابه «الانهيار: كيف تختار المجتمعات الفشل أو البقاء»، يصف دايموند مظاهر الانهيار بحصول «انخفاض حاد في حجم السكان و/ أو حصول تعقيدات سياسية/ اقتصادية/ اجتماعية، على مساحة كبيرة لفترة طويلة من الزمن»، ولكن الكتاب يتحدث، عمليا، عن المجتمعات التي كانت لديها خيارات البقاء، أو الانهيار رغم مواجهتها ظروفا معاكسة، اقتصادية وبيئية وسياسية.
ما يعطي تحليلات الكاتب أهمية فارقة، في رأيي، أن هذا التعريف يمكن تطبيقه على بعض شعوب المنطقة العربية، ورغم ما نراه حاليا من احتمالات خروج بعض مجتمعاتها، كما هو الحال في سوريا ولبنان والعراق، من عوامل الانهيار التي أصابتها، يبدو الفلسطينيون، بعد سنتين من الحرب الجارية في غزة، وخطط اليمين المتطرّف الإسرائيلي لاستئصالهم من أرضهم، هدفا لانهيار متقصّد بفعل الإبادة والتهجير والاستيطان، وهو ما ترك أثره على مجالات الاقتصاد والاجتماع والبيئة، وهي المجالات الحيوية التي يمكن لمجتمع ان يزدهر فيها أو ينهار… وهو ما يمكن مشاهدته أيضا في السودان، الذي شهد سابقا انفصال جزء منه، والذي يكاد يتمزّق تحت ضغوط خارجية وداخلية هائلة حاليا.
لماذا ينحدر مجتمع وصل لذروة القوة؟
رغم أن الجزء الأكبر من الكتاب يتناول انهيار حضارات قديمة سابقا، فإن الكاتب يجادل أيضا بأن البشرية تواجه حاليا، بشكل جماعي، وعلى نطاق شديد الاتساع، العديد من القضايا نفسها التي أدت لانهيار تلك الحضارات، مع تزايد احتمالات حدوث كوارث في العديد من مناطق العالم في المستقبل القريب.
يطبّق دايموند ما يسميها الطريقة المقارنة لفهم الانهيارات المجتمعية، حيث يقارن بين مجتمعات الماضي والحاضر، التي اختلفت استجاباتها تجاه العوامل الرئيسية التي يعتبرها تتسبب بالانهيار ومنها، تغيّر المناخ، الجيران المعادون، الشركاء التجاريون الأساسيون والمشاكل البيئية، كما يقارن نتائج تلك الاستجابات من حيث الانهيار أو البقاء وشكل الانهيار. يعتبر الكاتب الزيادة السكانية بشكل لا يتناسب مع القدرة الاستيعابية العملية للبيئة، عاملا رئيسيا في الانهيار، كما يلاحظ وجود عوامل ثقافية يمكن أن تنضاف إلى العوامل العسكرية، أو الاقتصادية لتسرّع الانهيار. من العناصر التي يستنتجها الكاتب خلال دراسته لانهيار حضارات قديمة، مثل أن الانحدار الحاد لمجتمع ما قد يبدأ بعد عقد أو عقدين فقط من وصول هذا المجتمع إلى ذروة عدد سكانه وثروته وقوته، وأن سبب انهيار تلك الحضارات بعد ازدهارها بشدة هو أن زيادة عدد السكان والثروة واستهلاك الموارد وإنتاج النفايات إلى أقصى حدودها أدى إلى تأثير أقصى على البيئة، بحيث تجاوز الاستهلاك الموارد. جوابا على سؤال ما هي الخيارات التي يجب اتخاذها إذا أردنا النجاح؟ يرى الكاتب أن هناك خيارين حاسمين ميّزا المجتمعات التي فشلت عن تلك التي نجت: الأول هو الشجاعة في ممارسة التفكير طويل الأجل، لاتخاذ قرارات جريئة وشجاعة واستباقية عندما تبدأ المشاكل تصير ملحوظة، وقبل أن تتحول إلى أزمة، والثاني هو الشجاعة في اتخاذ قرارات قاسية تتعلّق بالقيم التي يعتنقها المجتمع، بحيث يختار منها ما يخدم المجتمع جيدا ويبتعد عما لا يفيده.
«كلفة الغرق»: هل يجب التخلّي عن القيم؟
يسجل دايموند هنا ملاحظة مهمة تذكّرنا، بدورها، بأحوالنا بقوله إن الأمور يمكن أن تسوء بشكل كبير، عندما تتعارض المصالح قصيرة الأجل للقادة السياسيين مع المصالح طويلة الأجل للمجتمع، بحيث تكون النخبة معزولة عن العواقب المباشرة لتعنتها وتصلّبها. حسب عنوان كتاب «المسيرة نحو الحماقة» لباربرا توشمان، فإن تلك المسيرة تبدأ من تمسّك مجموعة قليلة بالسلطة، وتحصينها لنفسها من المسؤولية عن نتائج أفعالها، وهو ما يصعب حصوله في مجتمعات تتحمل فيها النخب الحاكمة مسؤولية أفعالها أمام الجمهور.
يعطي الكاتب مثالا معاكسا من هولندا، حيث تعيش أغلبية السكان على أرض تحت مستوى البحر، وحيث يكون أي خطأ في التخطيط، من الساسة والجمهور، سيضع الجميع في خطر شديد. يشير الكاتب إلى وضعية يكون فيها الفشل ناتجا عن «سلوك غير عقلاني»، ويعطي مثالا عليه في المجتمعات التي تحصل فيها نزاعات بين القيم، حيث يتم تجاهل وضع سيئ لأنه مدعوم بالإيمان بقيم عميقة نتمسك بها. يستخدم علماء النفس مصطلح «تأثير كلفة الغرق» للتعبير عن هذه الحالة، حيث نشعر بعدم القدرة على ترك سياسة قمنا بالاستثمار فيها بشدة.
يضيف الكاتب الميل إلى التمسك العميق بالقيم الدينية إلى العوامل المسببة للسلوك الكارثي، فالقضاء على الغابات في جزر إيستر كان خلفها حافز ديني: الحصول على أخشاب لنقل ونصب تماثيل صخرية مخصصة للتوقير والعبادة، كما يعطي مثال تأثير القيم المسيحية التي اعتنقها مهاجرو النرويج إلى غرينلاند. لقد ساعدتهم تلك القيم في تحمّل شظف العيش والمحافظة على مجتمعاتهم، لكن هذه القيم نفسها جعلتهم متصلّبين ورافضين لاتباع طرق السكان الأصليين في العيش والتي كان يمكن ان تساهم في بقائهم لفترة أطول. لا يستثني دايموند القيم العلمانية من هذا النقد، فيلاحظ أن مستوطني أستراليا البريطانيين قاموا بإنجاز نظام ديمقراطي مهم، لكنهم بدأوا الآن يحسّون بإشكالياته، كما يلاحظ أن تصميم الصين على عدم إعادة أخطاء الرأسمالية قادت إلى اعتبار الاهتمام بالقضايا البيئية باعتبارها واحدا من أخطاء الرأسمالية، ما أدى لمشاكل بيئية ضخمة تسببت بها الصين. وعليه فإن الفرق بين النجاح والفشل لمجتمع، يقوم أحيانا على معرفة أي القيم الأساسية يجب الحفاظ عليها، وأيها يجب التخلّي عنها، حين تصبح عائقا كبيرا حين تتغيّر الظروف، وتعويضها بقيم جديدة. في العقود الماضية قامت أكثر البلدان نجاحا بالتخلي عن قيم كانت تتمسك بها لحقب طويلة، لأنها كانت من صلب صورتها القومية، في الوقت الذي تمسكت بقيم جديدة. تخلت بريطانيا وفرنسا عن دوريهما الذي استمر لقرون باعتبارهما القوتين العظميين؛ وتخلت اليابان عن تقاليدها العسكرية وقواتها المسلحة؛ وتخلت روسيا عن تجربتها الطويلة مع الحكم الشيوعي، كما تخلت الولايات المتحدة عن سياساتها طويلة الأمد في التمييز العنصري، وتجريم المثليّة، وتخفيض رتبة النساء، والقمع الجنسي، كما أعادت أستراليا تقييم وضعها كمجتمع فلاحيّ بهوية بريطانيا.
مفيد هنا، في الأوضاع العربية، ملاحظة انتباه الكاتب لانكفاء مجتمعات وحكومات نحو ممارسات تعلم أنها تقضي على مستقبلها، حيث يركز السياسيون على علاج الكوارث الوشيكة والاهتمام فقط بالمسائل التي على وشك الانفجار. مفيد أيضا حديثه عن «سايكولوجية القطيع»، عندما ينجرف أفراد جماعة متجانسة كبيرة، خصوصا إذا كانت مستثارة عاطفيا، لدعم قرارات الجماعة، رغم أن هؤلاء الأفراد يمكن ان يرفضوا هذه القرارات لو قيض لهم أن يفكروا بها لوحدهم. من أسباب رفض التعامل المنطقي مع مشكلة تم وعي خطورتها أيضا، هو الرفض السايكولوجي، فإذا أدى شيء تعلم خطورته لتصعيد عاطفة مؤلمة، فيمكن أن تقوم بقمعه في باطنك، أو إنكار هذا الوعي لتجنب ألم لا يطاق، رغم أن النتائج العملية لتجاهل هذا الوعي يمكن ان تؤدي إلى كارثة. العواطف التي تتسبب بذلك عادة هي الرعب، القلق والحزن.
يلاحظ الكاتب، أنه رغم أن جماعات بشرية انتبهت إلى مشكل خطير قد يقوّض وجودها، واستوعبته، وجرّبت حلّه، فإنها يمكن أن تفشل لأسباب واضحة: المشكل قد يكون أكبر من قدرتنا على حله، أو أن الحل مكلف بشكل هائل، أو أن محاولاتنا قد تكون أصغر من حجم المشكلة وتأخرت كثيرا في حلها، وأخيرا، فإن بعض الحلول قد تؤدي لنتائج معاكسة تجعل المشكل أسوأ.
القدس العربي
