ما زال ذلك الصباح الشتوي ماثلًا أمامي، حين فاجأ مدير المدرسة الجميع بالنداء باسمي الذي كان يصارع صفير الرياح وتشويش المايكروفون!
فركت أذني للتأكد مما سمعت حين كنت قابعًا في آخر الرتل طمعًا بقليل من الدفء المولَّد بالقفز في المكان وفرك اليدين بعيدًا عن أعين طاقم المدرسين الذين يفرضون على الطلاب الوقوف كالمسامير!
أعاد الاسم ثانية، فخرجت، ليعلن المدير بأنني صاحب المركز الأول في الصف الثالث الثانوي نهاية الفصل الأول، وتسلمت ظرفًا ورقيًا ثقيلًا كهدية، من دون أن أستطيع إخفاء هول المفاجأة، وأنا الذي كان يحرص على تطبيق أحد شعارات الجيش في سورية بألّا أكون في الأول لكي أتجنب المسؤوليات المجانية، ولا في الآخر خوفًا من العقوبات الفردية والجماعية، وإنما مختفٍ وسط الجماهير، يرى ولا يُرى!
أعدت تلمّس الظرف، فبدا لي أنه كتاب، فندبت حظي مبدئيًا لأني لست من السوريين الذين يفضلون الكتب على الخبز!
قررت تأجيل فتح الظرف، حيث لم يتح لي ذلك أثناء دخولنا إلى درس القومية. وحين سألتِ المدرّسة: من فلان صاحب المركز الأول؟ رفعت يدي على غير العادة، وقلت: ها أنا ذا، مردفًا بأن المشاركة في درس القومية ليست من هواياتي، لذلك لم تعرفيني…! لكني للأمانة أحب الاشتراكية على أصولها الرأسمالية!
الاستراحة الأولى كانت فرصة لتلقي التهاني من الأصدقاء والمنافسين، فقررت تأجيل اكتشاف مفاجأة الظرف حتى نهاية الدوام، حيث كان أمامي مشوار السبعة كيلومترات اليومي ذهابًا وإيابًا للعودة إلى المنزل!
انتهى اليوم المدرسي الاستثنائي، واستلمنا رفقة رفاق الدرب طريق الإياب، وكانت العادة أن نلوح لأي سيارة عابرة كي تخفف عنّا عناء الرياضة اليومية الإجبارية، فحظينا بشاحنة تزدحم بثلاثة ركاب في “الكابين”، ليسمحوا لنا بمشاركة قطيع الماعز صندوق الشاحنة!!
استخدام يدي لإغلاق أنفي حال دون تمكني من فتح الظرف وسط روائح العنزات والتيوس وصغارها!
نزلنا من الشاحنة على مفرق القرية. وأخيرًا، سأمزق الظرف لأكتشف أن التمزيق يليق بالهدية أيضًا!!
“مجلة المناضل”، التي ينشرها حزب البعث الحاكم، كانت جائزة التفوّق، وأنا الهارب من دروس القومية، المادة التي انتهكت رصيدي في المجموع العام لاستحالة الحصول على نصف علامة المقرر!
حزب البعث الذي كان قائدًا للدولة والمجتمع بموجب المادة 8 من الدستور السوري (السابق)، والذي حوله البعثيون إلى “شوفير جيش” يغمز على اليسار، ويذهب إلى اليمين! فالحزب الذي أعلن أن “الوحدة” أول أهدافه فشل في تحقيقها مع توأمه في العراق، ليعلن استمرار قطيعة بين دمشق وبغداد لم تتوقف منذ أيام الأمويين والعباسيين! أما “الحرية”، ثاني الأهداف، فكانت ذات سقف تنحني له الهامات وتهوي، ليتابع السوريون الزحف على بطونهم في طريق معبدة بالعبودية!
لكن للأمانة، حقق الحزب ثالث أهدافه بالاشتراكية، حيث اشتركت الغالبية الساحقة من السوريين بالفقر، في مقابل اشتراك القيادات بسباق الكرش الذهبي، من خلال تكديس الأرصدة والشحوم الثلاثية والرباعية!
وللمفارقة فإن “البعث” كان اسم مدرستنا القابعة في قرية “جوبر” على تخوم حي بابا عمرو الحمصي. وجريًا على عادته في الحكم والتحكم، فإن مدرسة “البعث”، الذي يعني إعادة الإحياء، تحولت إلى أحد أفظع مصانع الموت في حمص، ولولا “صيدنايا” لقلنا في سورية أيضًا!
على سطح المدرسة، تمترس القناصة، وقتلوا العشرات من الأهالي، بينما تحولت القاعات الصفية إلى مسلخ بشري، الداخل إليه مفقود، بينما لا نستطيع استكمال المثل السوري بأن الخارج مولود، لأن من يدخل بكل بساطة لن يخرج لا حيًا ولا ميتًا، حيث كانت تجري عمليات التصفية والتخلص من الجثامين بطريقة لا يعلمها إلا الراسخون في الإجرام!
أصدقائي في تلك المدرسة كثر، لكني تذكرت قصص اثنين منهم خلال سنوات الثورة وما بعد التحرير.
صديق أوصله ذكاؤه إلى دراسة طب الأسنان، تشبث بمنزله الذي لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن المدرسة، لكنه ما لبث، تحت ضغط حكايا الخوف من آلة القتل الوحشي القادمة من حمص وريفها، أن ترك بيته مرغمًا إلى بلدة هادئة في منطقة “القلمون”، حيث فتح عيادته السنية، لكنه لم يسلم من اتهامات الأمن والشبيحة بأنه يعالج أسنان “الإرهابيين”!
وبعد التحرير، عاد إلى منزله في “جوبر”، وأعاد أسلاك الكهرباء المنهوبة إلى مجاريها، وأصلح ما يمكن إصلاحه، وعاود فتح عيادته، لكنه أيضًا لم يسلم من نظرات الشك والشبهة بالتشبيح من قبل بعض “المحررين الجدد”!
ثاني الأصدقاء صار صحافيًا، ضاقت به الأرض أيام الثورة، فكان معظم زملائه وزميلاته يرونه قنبلة موقوتة، أو مشروع صحافي منشق. كاد أن يفعلها لولا المصير الغامض لعائلته، خاصة وأن أطفاله كانوا في المدارس، وفي سن المراهقة، فسكت على جراحه وتابع عمله.
لم يخفف تصرف “الإعلاميين” الجدد من فرحة صاحبنا بالتحرير، رغم أنهم طردوه نصف طردة، ومنّوا عليه بأن أبقوه على رأس عمله، ولكن من منزله، لأن المكتب لا يتسع إلا لـ”الإعلاميين المحررين” وبعض الصحافيات القديمات!
يمارس الصديق عمله، ومن ضمنه صياغة تقارير وأخبار بعد تفريغ تسجيلات لـ”الزملاء الجدد”، ويستلم راتبه بالعملة المحلية، بينما “الزملاء” المذكورون، والذين لا يجيدون سوى استخدام آلة التسجيل والكاميرا، يقبضون أضعافًا مضاعفة وبالدولار!!
المفارقة أن إحدى الصحافيات المذكورات كانت تصفهم بالإرهابيين حتى ليلة التحرير، فضلًا عن وجود أقارب لها من الدرجة الأولى في قوات الأسد!!
هي نفسها صارت مستشارة لـ”المسؤول الإعلامي”، الذي استأنس برأيها لتوقيف عدد من الصحافيين في المكتب، مشيرًا إلى صديقنا، لكنها رفضت توقيفه ليس بدافع الصداقة أو الزمالة، وإنما لأنه الوحيد القادر على الذهاب إلى المساجد ومديرية الأوقاف، أي لأسباب بيولوجية، وليست مهنية!!
مديرية الأوقاف التي فتح افتتاحها مكان فرع الحزب القديم جرحًا لدى السوريين، وخاصة في عاصمة الثورة.
عندما أطلق الوزير العنان لموكب نكأ ذاكرة مقيتة لدى سوريين، رأى بعضهم تشابهًا بين مديرية الأوقاف، وفرع الحزب، مبنًى ومعنًى!
أثار الموكب جدلًا واسعًا في حالة صحية للمشهد السوري الجديد، لكن هنالك من يحاول الاستئثار بالحقيقة من محتكرِي بعض المناصب، مستكثرًا على السوريين الذين قاموا بأعظم ثورات العصر الحديث، انتقاد وزير هنا، أو مدير هناك!
يستهلون كلامهم بأنهم مع النقد، لكن سرعان ما يتبعونه بكلمة (ولكن…).
يستذكرون كلمة رمز العدل الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: “رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي”، لكن في الحقيقة، كأنهم يعيدون التذكير بترحيب رجال “البعث” بـ”النقد البنّاء”!
والأدهى من ذلك أن بعض أصحاب المناصب يرون أن شريحة من النقاد تستهدف الحصول على مناصب!
ربما تندرج نظرتهم تحت قول المتنبي: “إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه….
وصدق ما يعتاده من توهم”.
أمر آخر، أليس من حق أي سوري يجد في نفسه الكفاءة أن يسعى إلى منصب؟ لا سيما المنشقين من الدبلوماسيين والإعلاميين والمعلمين الذين كوفئت تضحياتهم بعقد الـ90 دولارًا شهريًا!!
الجواب عند طبقة محدثي المناصب، الذين يفتقد معظمهم خبرة وشهادة تؤهله لشغل وظيفته، لا سيما في المؤسسات الكبرى، لكنها معضلة الولاءات والكفاءات!
لا ينقص بعض هؤلاء جوع المناصب، مقتنعين بأنهم الأحق بالحصول والوصول.
لكن الخشية من أن يعيدوا سيناريو فأر الحقل الذي يثقب حبة القرع طمعًا في الطعام، ويبدأ بالتهام اللب والبذور حتى تتبدل هيئته ويسمن بعد الشبع ويعجز عن الخروج من ثقب دخله نحيفًا تحت وطأة الجوع!!
بعد كل ذلك، هل ما زالت لدى السوريين القدرة والمزاج لغناء “بالحب بدنا نعمرها”، أم أنهم قد يترنمون على أنغام أغنية مشهورة بالفرنسية “أنا لم أتغير / Je n’ai pas changé” للمغني الإسباني خوليو إغليزياس.
لا أعتقد أننا بعد أكبر كارثة منذ الحرب العالمية الثانية سنصل إلى هنا، لأننا ذات إياب في يومياتنا المدرسية، أومأنا إلى سيارة تشبه شاحنة الماعز آنفة الرائحة النتنة، وبنفس الشروط امتطينا صهوة الصندوق رفقة بقرة وعجل لم تفارقنا نظرته الخائفة، وهو يدس شفتيه في ثدي أمه، فأمضينا مشوارنا برائحة أقل بشاعة، وبكثير وكثير جدًا جدًا..!
ضفة ثالثة

Leave a Reply