بشير بكر: نساء يوسف عبدلكي

سألته ماذا رسمت في الأعوام الـ15 الأخيرة، في فترة الثورة على النظام، وحربه التدميرية ضد الشعب السوري. تحدث عن الأسماك المقطوعة الرؤوس المطعونة بالسكاكين الحادة، والعصافير القتيلة. عن جمال الجسد بوجه القبح والبشاعة والموت الذي كان يزحف من كل مكان. كان يتحدث وهو يتململ طيلة الوقت يريد أن يعبر عن أمر يخنقه، وفجأة تحشرج صوته وقال جملة متقطعة، رسمت انتظار السوريات. وكي يتجاوز حال الانفعال والتأثر نظر نحو لوحة بالأبيض والأسود، معلقة على جدران المرسم تصور مجموعة من النساء واقفات في لحظة ترقب وانتظار.


انتظرت الأمهات والزوجات والشقيقات والحبيبات والبنات طيلة ذلك الزمن الثقيل الأسود، بقين يترقبن وصول خبر سيئ أو جيد، وبعد زمن طويل تموت أشياء كثيرة لكن اللهفة لا تخمد، هي نار مشتعلة على الدوام، وقد تجلت في ملامح المنتظرات صباح سقوط النظام أمام السجون الرهيبة التي نشرها نظام عائلة الأسد على مساحة الجغرافيا السورية، وحولها إلى مراكز تعذيب وقتل وتدمير للجثث.


هناك من تنتظر موعدًا للزيارة، بعض النساء أمضت عدة أعوام، انتقلت من مدينة إلى أخرى، تفتش بين السجون وفروع الأمن الكثيرة، في رحلة تشبه متاهة، تتعرض خلالها النساء لأشكال شتى من الابتزاز. الابتزاز المالي، حتى تتمكن من مقابلة مسؤول أمني، تدفع له رشوة كي تحصل على خبر حول وجود المعتقل على قيد الحياة، ومن بعدها تحديد مكان وجوده، ومن ثم تبدأ عملية أخرى، من أجل الوصول إلى مسؤول آخر يوصلها للسجن، ويؤمن لها لقاء مع السجين.

يوسف عبد لكي

هناك شهادات كثيرة من نساء تعرضن للابتزاز المالي، وانفقت بعضهن عدة أعوام، وهي تتنقل بين فروع الأمن، ومن ثم اكتشفت أنها ضحية عمليات احتيال منظم، لم تستطع أن تقاومها، لأنها عزلاء أمام عملية ابتزاز باتت مدروسة، وفي نهاية المطاف عادت من دون نتيجة، لا تعرف هل الابن او الزوج على قيد الحياة أم لا، وفي شهادته المعبرة على قناة الجزيرة تحدث قيصر عن هذا النمط من البزنس الذي قام به ضباط من النظام، وذكر حالات محددة، روى حكايات آباء اخبرهم بأن أولادهم لم يعودوا على قيد الحياة، ولا داعي لأن يستمروا في دفع مبالغ مالية للضباط المرتشين.


ثمة من يقول إن العديد من النساء واصلن الخضوع للابتزاز، رغم ضآلة الأمل بوجود المعتقل حيا، ولم يتخلين عن احتمال لقائه ولو بنسبة 1 في المئة، وقد سرت اخبار كثيرة عن معتقلين جرى الإعلان عن موتهم، لكنهم كانوا أحياء، وهناك من خرج من المعتقل وتحدث عن أنه التقى بشخص تلقت عائلته بلاغا رسميًا حول وفاته في المعتقل، الأمر الذي دفع الكثير من العائلات لتبحث من جديد، وتبقى تأمل بعودة المعتقل، وهذا ما زاد من الأعباء النفسية والمادية على النساء المنتظرات.


كان يوم الثامن من كانون الأول مفصليا في مسار انتظار النساء، من لم يخرج من المعتقلات، التي تم فتح أبوابها في ذلك اليوم، تضاءلت فرصة وجوده حيا في السجن، وعلى مدى أسبوع من الانتظار الذي يوازي انتظار الأعوام السابقة، كان الأمل يتراجع والألم يزداد منسوبه، لكن النساء اللاتي افترشن ساحة المرجة، وعلقن صور ذويهن هناك، لم يصدقن بأنهم لن يرجعوا.

نساء

في الأيام الأولى لسقوط النظام مئات النسوة انتظرت آلاف من النساء أمام فروع الأمن، بعضهن جاءت من محافظة بعيدة مثل دير الزور، وباتت تتنقل من سجن إلى آخر وهي تحمل صورة أو أكثر، يعرضن الصور على بعضهن البعض، وعلى الخارجين من السجون ووسائل الإعلام،


هل تصل الرسالة لمن يقف أم لوحات الانتظار؟ مهما كان حال المشاهد لا شك أنه لا يحتاج إلى محفزات ليدخل في جو العمل. الأبيض والأسود، ملامح النساء المسكونة بالقلق، العيون الفارغة، يطل من جوفها العميق فزع مستطير، الملابس. لم يترك الفنان تفصيلًا في العمل إلا ووظفه في هذا السياق. رؤية بارعة من فنان عاش تفاصيل حياة السوريين في ال 15 عاما الأخيرة، وهناك من بين معارفه العديد من النساء اللاتي انتظرن ذويهن، هو نفسه كان ينتظره صديقه ورفيقه الدكتور عبد العزيز الخير الذي اعتقله النظام عام 2012 واخفاه وانقطعت اخباره منذ ذلك الحين، وكان عبدلكي يأمل أن يراه وقد تحرر من السجن بعد 8 كانون الأول، حتى أنه علق رقمه هاتفه على جرس الباب الخارجي، تحسبا من أن يحضر صديقه أثناء غيابه عن البيت ولا يجده.

المدن

Share:

You Might Also Like