تقديم: علي صقر
قدمت فرقة العراب للفنون المسرحية على خشبة المركز الثقافي العربي في طرطوس عملها “رؤوس أحلام” وهو العرض رقم 34 للفرقة خلال ثلاث سنوات.
تدور أحداث المسرحية حول مجموعة من الشباب الهاربين من مدينتهم التي تعاني من الحروب والخلافات بين سكانها، فيلجؤون إلى غابة قريبة من الحدود، ويحاولون إنشاء مجتمع صغير، وبسبب افتقادهم إلى الحب يفشلون، في حين كانت مدينتهم تحترق بعد أن عبثت بها أيادي الشر. فيقررون أخيراً الرحيل وعبور الحدود، عدا عرفان، وهو شخص لديه الكثير من الثقافة والحكمة، ما جعله يلتصق بأرضه.
يرى مخرج ومؤلف المسرحية عصام علام أن عرض المسرحية يعد مغامرة للفرقة وللجمهور بسبب وقف الأعمال المسرحية في عموم سوريا إلا فيما ندر، فوزارة الثقافة لم تُعد هيكلة الوزارة بعد…
وفي المادة التالية يتحدث علام إلى مجلة أوراق عن تجربته المسرحية والعروض التي قدمها:
المسرح في عهد النظام البائد:
لم تتوقف فرقة “العراب” عن السعي إلى تحقيق ذاتها ومحاولة التواجد على خشبات المسارح في عهد النظام البائد رغم جميع الصعوبات والمعوِّقات المتمثلة بالموافقات التي تستغرق أشهراً، فإنها اليوم تستمر في سعيها في ظل أجواء مشجعة للعمل المسرحي من حيث سرعة الحصول على موافقة وحجز خشبة المسرح.
لكننا ما زلنا نحلم بغدٍ أفضل من حيث الدعم المادي الذي يستحقه المسرح الذي يعكس ثقافة الشعوب ورقيها، وكلنا أمل بمستقبل مشرق للمسرح وأن تعود سوريا كما كانت رافدة للفن والفنانين.

في ظل المعوقات وروتين الموافقات اضطررنا إلى زيارة ثلاث محافظات سورية وسبعة مدن من أجل الحصول على فرصة الصعود على خشبة المسرح، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، خاصة في ظل تكاليف السفر التي أرهقتنا، ولكننا كنا نملك العزيمة والحب للمسرح وهذا ما ساعدنا كثيراً.
كان حلمنا أن نصل إلى أكثر من خمسين عرضاً لعدة أعمال مسرحية، ولم نستطع تحقيقه بسبب عدم السماح لنا بالصعود على خشبة مسارح مدينتنا أكثر من مرة أو مرتين في العام، وهذا ما أود الإشارة إليه والتركيز عليه.
في الحقيقة ما ساعدنا على الاستمرار هو شح العروض المسرحية في سوريا في السنوات الأخيرة، وابتعاد معظم المسرحيين عن الخشبة بسبب قلة الدعم المادي، وكذلك بسبب سفر معظم الكتّاب والمسرحيين خارج البلاد، ما جعل وجودنا في هذا المجال مميزاً، ففتحت مسارح دمشق أبوابها لنا وقدمنا عشرة عروض في دمشق وحدها، ثم توجهنا إلى اللاذقية وبانياس، وكذلك شاركنا في مهرجان “بعمره” (منطقة تابعة لصافيتا في طرطوس) المسرحي، الذي طلب منا المشاركة مع الاعتذار المسبق عن عدم توفر دعم مادي، فقبلنا المشاركة.
كل ذاك الاندفاع والشغف بالمسرح ساعدنا على تحقيق رقم يكاد يكون عالمياً باثنين وعشرين عرضاً لتسعة أعمال مسرحية جميعها من تأليفي وإخراجي.
أما فيما يخص موضوع الممنوعات في الأعمال المسرحية فقد كان يتمثل بعدم المساس برموز الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، وكذلك عدم الحديث عن الواقع بشفافية، بل عدم الحديث عن الواقع نهائياً، وهذا ما حاولت الالتفاف عليه في كتاباتي، فقمت بالترميز بشكل يفهمه المشاهد، وقد تحقق ذلك في عدة أعمال كمسرحية (سعادة المواطن) التي رُفضت ثم قمت بتعديلها، وكذلك في مسرحية (القارب 22) التي لاقت كذلك صدى كبيراً لجرأة طرحها.

ويتابع الأستاذ عصام ليشرح ارتباط فكرة النزوح بالفن المسرحي:
النزوح بشكل عام هو أقسى ما عاشه الإنسان على مر العصور، وهذا ما عاشه الشعب السوري في السنوات الأخيرة، وكذلك أنا، لكنني طالما لم أغادر وطني فأنا أعتبر نفسي سالماً بعيداً عن الألم. أما عن مسرحيتي الأخيرة (رؤوس أحلام)، فقد نوهت فيها إلى موضوع النزوح بشكلٍ واضح ليس لأنني لا أرى أملاً في الوقت الحالي، وإنما لألفت انتباه الجميع إلى ضرورة العمل على بناء وطن يتيح لنا البقاء بل والتمسك به، ذلك لأن السوريين قد وصلوا إلى مرحلة من التعب ربما ما عادوا بعدها يملكون القدرة على الاحتمال.
نحن كفرقة مسرحية خاصة عانينا صراحةً من التمييز، وذلك كان واضحاً في أمر واحدٍ على الأقل وهو مهم للمشتغلين في المسرح، حيث لم نُمنح الفرصة مرة واحدة للتدرب على خشبة المسرح كغيرنا من الفرق، فلجأنا إلى التدرب في غرفة صغيرة استأجرناها من حسابنا، وأحياناً كثيرة كنا نتدرب في الحدائق العامة، ناهيك عن انعدام الدعم المادي نهائياً، وهذا ما جعلنا نتميز، حيث لا دعم ولا مسرح ومع ذلك وصلنا اليوم إلى العرض رقم 34 في ثلاث محافظات وسبع مدن.
المتغيرات وصعوبات الفترة الراهنة
ساهمتُ بتحقيق حلم أكثر من أربعين شاباً وشابة في الصعود على خشبة المسرح منذ ثلاث سنوات، وما زالت مستمرة حتى اليوم في مشروعها، واليوم تضم عشرة أشخاصٍ يجمعهم حب العمل والمسرح، وقد تلقينا دعوات كثيرة من عدة مدن سورية للعرض فيها، ولكننا توقفنا عن السفر بسبب شح الموارد وارتفاع أجور النقل، وهذا العائق الأكبر حالياً، ولكن كلنا أمل أن تلتفت القيادة الجديدة في بلدنا إلى فرقتنا قريباً، وللمسرح عموماً، وهذا ما ننتظره بكل شغف وحب.
حتى تاريخ اليوم لم تتغير إجراءات الحصول على موافقة العرض، وما زالت القوانين ذاتها سارية المفعول، حيث أننا ما زلنا في حاجةٍ لموافقة لجنة القراءة وكذلك المشاهدة، مع تغير في مساحة حرية التعبير طبعاً بين الماضي والحاضر، ولكننا ما زلنا نحلم بآلية أفضل وأكثر احتراماً وتقديراً للعمل المسرحي.
آخر عمل قبل السقوط وأول عمل بعد التحرير:
قبل السقوط كنا على خشبة مسرح القباني في مدينة دمشق وقدمنا مسرحية (القارب 22)، وهو نص يتحدث عن سوء الأوضاع التي يعيشها الشباب السوري ورغبتهم بالسفر خارج البلاد عن طريق البحر، هرباً من الفقر والألم وضيق العيش وكذلك سوء الأوضاع.
كانت مسرحية القارب 22 من أجرأ الأعمال التي قدمت على خشبات المسرح السوري منذ عقود، وقد لجأت أنا ككاتب إلى التلاعب في الألفاظ كذلك استخدمت أسلوب المسرح العبثي كي أستطيع إيصال أفكاري دون التعرض للمساءلة. كان العرض مغامرة حقيقية ذلك لأنه أشار في كثير من الجمل إلى القيادة حينها، وقد همس بعض الحضور مستغربين من جرأة الطرح.
أما عن العرض الأول بعد التحرير فقد كان بعنوان (صيد المنايا) تحدثت فيه عن أن سوريا كانت سجناً كبيراً للسوريين زمن النظام البائد، ثم تحولت في المشهد الأخير إلى سجن صيدنايا وأشرت إلى المعاناة التي عاشها السجناء، ثم تجاوزت ذلك إلى لحظة التحرير التي فتحت للسوريين الآفاق نحو حياة جديدة تمنحهم الفرصة لعيش أفضل إن تكاتفوا وكانوا يداً واحدة.

أعضاء فرقة العراب:
تتألف الفرقة من تسعة أشخاص هم من خيرة الشباب والصبايا، وقد تم تكريمنا كأفضل تجمع شبابي في طرطوس من قبل إدارة صحة المراهقين والشباب في مدينتنا.
عصام علام: كاتب ومخرج وممثل ومدير الفرقة
نور أبو ثلجة: ممثلة وراقصة تعبيرية وماكيير
ماريا شلدح: ممثلة ومشرفة الأزياء
رند جديد: ممثلة ومشرفة
خضر يونس: ممثل وديكوريست
محمود الجمعة الأحمد: ممثل وعازف
زين سليمان: ممثل ومساعد مخرج
سحاب حسن: ممثلة
حنا بركات: ممثل
مجلة أوراق/ العدد 24
