الأيام الـ1314 التي عاشتها سوريا في ظلّ الوحدة مع مصر، تحوّلت فيها من دولة ذات سيادة، إلى “إقليم” في دولة مركزية، ثم عرض عليها أن تحصل على “حكم ذاتي”، قبل أن تقرّر العودة إلى الدولة المستقلة.
“تحيا الجمهورية السورية، وتحيا الوحدة العربية الكـبرى الحقيقية” كانت هذه كلمات مأمون الكزبري، رئيس الحكومة السورية، بعد شهر واحد من انهيار الوحدة، حسبما أوردت البرقية رقم 1364 التي أرسلت من السفارة البريطانية في أنقرة إلى وزارة الخارجية البريطانية والتي تضمنت تحليلاً لتداعيات انفصال سوريا عن دولة الوحدة. وكان الكزبري مرفوضاً من السياسيين السوريين آنذاك، وقد صنّفوه واحداً من “فلول النظام الديكتاتوري”، ومع ذلك فقد كُلّف بتشكيل الحكومة الانتقالية التي ستشرف على الانتخابات النيابية.
اجتمعت في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 1961 نخبٌ سورية من تيارات وأحزاب مختلفة في منزل وزير الدفاع الأسبق أحمد شرباتي بدمشق، وكتب المجتمعون بياناً يؤيد الانفصال عن دولة الوحدة. كان من بين هؤلاء صبري العسلي وسهيل الخوري وأكرم الحوراني وصلاح البيطار وخالد العظم وبشير العظمة ومحمد العايش وهاني السباعي ونجيب الأرمنازي وآخرون. وتم الاتصال بالرئيس شكري القوتلي الذي كان في زيارة إلى سويسرا فأبدى تأييده أيضًا، لكن المراقب العام للإخوان المسلمين عصام العطار، رفض التوقيع على البيان وهو آخر من كان يتوقع منه ذلك الموقف بعد كل ما فعله عبد الناصر بحق الإخوان المسلمين في مصر.
تكرّس انهيار دولة الوحدة بين مصر وسوريا بتوقيعات تلك الشخصيات الوازنة على بيان الانفصال، ذلك البيان يمكن اعتباره المشرعن الفعلي لتحرّك عسكري قام به “الضباط الشوام”، وهم كما يشير اسمهم ضباط دمشقيون وآخرون من مختلف المدن السورية قرروا وضع حدّ للمركزية الشديدة التي ألغت دور سوريا في الجمهورية العربية المتحدة.
اللحظات التي سبقت الانهيار شهدت في الشهور الأولى للعام 1961 اشتداد هيمنة الدولة على الاقتصاد السوري، وبات هذا الضغط الشديد يشكّل عاملاً دافعاً لإحداث تغيير ما كان قد أوشك على الحدوث، فاستقال حاكم مصرف سوريا المركزي احتجاجًا، ورافعاً صوته بالتحذير من سياسات عبد الناصر في التأميم وفرض عملة موحدة كان من المقرّر فرضها على السوريين. ووثّق الفريق جمال الفيصل، قائد الجيش الأول في دولة الوحدة، في مذكراته المنشورة في العديد من المصادر، كيف تعالت طيلة المدّة التي مهّدت للانفصال، احتجاجات المسؤولين السوريين الذين تقدموا باستقالاتهم من حكومة الوحدة، احتجاجات موجّهة نحو سلوك المصريين داخل الإقليم الشمالي، وبشكل خاص ضدّ التوجّه الاشتراكي الذي بدا وكأنه مغاير لما كان يريده السوريون آنذاك.
كما أسهم الجفاف الذي تزامن مع سنوات الوحدة، في تدهور الزراعة في سوريا، والعزلة التي جلبتها على السوريين سياسات عبد الناصر، طوّقت عمليات التصدير إلى أبرز الأسواق الدولية والعربية وفي صدارتها السوق السعودية، فشحّت العملة الصعبة داخل سوريا، وتناقصت البضائع المستوردة، ما تسبّب بتدهور قيمة الليرة السورية. والفارق الكبير في تعداد السكان بين البلدين، وميلان كفة ميزان النفود لمصلحة الضباط المصريين المفروزين في الإقليم الشمالي كان يمتصّ ما يتوافر من السلع ويسحبها من سوريا إلى مصر.
تلك الأوضاع التي لم تعد تخفى على عبد الناصر، اضطرته إلى تعيين الرجل الذي يثق فيه ثقة مطلقة ليتولى حكم الإقليم الشمالي بشكل مباشر، وأعني المشير عبد الحكيم عامر، مانحاً إياه صلاحيات رئيس الجمهورية. وانصبت سلطات المشير عامر على ضبط سلوك المصريين في سوريا، والتقليص من قبضة الاستخبارات المشدّدة والحالة الأمنية التي صنعها عبد الحميد السراج وطبّقها على السوريين، ولم يكن بمقدوره فعل الأمر ذاته تجاه المصريين في الإقليم الجنوبي.

أراد المشير عامر شرح المرامي التي كان عبد الناصر يطمح إلى تحقيقها من خلال قوانين الإصلاح الزراعي، وكان يعتقد أنه إذا أقنع شيوخ العشائر وزعامات المجتمعات السورية المختلفة، فإن هذا سيكون كافياً، عدا عن معالجة تأخّر دولة الوحدة في تنفيذ واجباتها بعد مصادرة وتأميم الملكيات الخاصة، وسداد التعويضات الناجمة عن ذلك.
مشروع المشير عامر كان سيصطدم وبشكل حتمي مع مشروع السرّاج، فكلاهما كان يتصوّر أنه الحاكم المطلق لسوريا – الإقليم. فنشبت الخلافات بين الرجلين، وكان عبد الناصر يتدخّل دوماً، حتى اضطر إلى استدعاء السراج وعامر إلى القاهرة. في ذلك الاجتماع شعر السرّاج أن عبد الناصر ينوي تقزيم دوره لمصلحة صديقه عامر فرفض قرار الرئيس بنقله إلى القاهرة التي غادرها إلى دمشق وبدأ ينشر أخبار استقالته من منصبه كوزير للداخلية ورئيس للمجلس التنفيذي. ومحاولات عبد الناصر لم تقتصر على ذلك، فعاد واستدعى المشير والسراج مجددًا وطارا إلى القاهرة في طائرة واحدة، غير أن السراج كان قد بلغ من القوة والغطرسة درجة تمنعه من قبول وجود أي منافس، وبقي مصراً على استقالته.

قالت المخابرات المصرية وقتها إنها حصلت على معلومات تفيد بمخطط كان السراج ينوي تطبيقه في حال عدم السماح له بالعودة من القاهرة، وبدأت بتنفيذ خطتها لتطهير قطعات الجيش الأول ووزارة الداخلية السورية من الموالين للسراج. وبدأت تتردّد بين كبار الضباط في سوريا همسات مقلقة عن انقلاب وشيك، ونقل الفريق جمال الفيصل في مذكراته، كيف أن المشير عامر استمع إلى ما يشبه الوشاية قام بها الشيخ أحمد كفتارو (سوف يصبح مفتيًا للجمهورية ويتحالف لاحقاً مع حافظ الأسد طيلة فترة حكمه). قال كفتارو للمشير عامر إن ضباطاً أقسموا على الولاء استفتوه في إمكانية الرجوع عن القسم الذي ألزموا أنفسهم به. وبناء على تلك الوشاية قرّر المشير فتح تحقيق مع هؤلاء الضباط، وتبيّن لاحقاً أن الموضوع لم يكن بالحجم الذي صوّره كفتارو.
تواترت حوادث مثل الحادثة سابقة الذكر، وبات المناخ في دمشق مناخ انقلاب يشبه ما اعتاد عليه السوريون في غير مرة، فتقرّر تشكيل لجنة باقتراح رئيس المخابرات الحربية العقيد محمد اسطنبولي للتحقيق في احتمال وجود تحرّك عسكري بنية الانقلاب.
ومن بين إجراءات الطوارئ العاجلة التي اتخذها المشير عامر كان قراره بحجر كافة العسكريين في ثكناتهم، وإعلان حالة الاستنفار، ومنع الإجازات، وكي يضمن عدم حدوث أي مفاجأة أعاد توزيع الضباط الآمرين على الوحدات العسكرية المختلفة في المدن والأرياف السورية.
لم تكن سوريا قادرة على الاستمرار في حالة “الإقليم” ولم تسعف دولة الوحدة كل تلك الاحتياطات الإسعافية فقد كان الأوان قد فات حينها.

وفي فجر 28 من أيلول/سبتمبر 1961، كانت المدرعات تذرع شوارع دمشق بقيادة المقدّم عبد الكريم النحلاوي والعقيد حيدر الكزبري باتجاه مبنى رئاسة الأركان والإذاعة السورية، وعلى الفور تم إلقاء القبض على المشير عبد الحكيم عامر والصف الأول من الضباط والمسؤولين مصريين وسوريين، وكان من بينهم عبد الحميد السراج.
وبعد ثلاث ساعات فقط بثّت إذاعة دمشق البيان رقم 1 باسم القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة، معلنة أن الجيش تدخّل لإنهاء الاستبداد والفساد ولاسترجاع حقوق الشعب، وتتالت البيانات التي أوضحت أن سمعة الوحدة العربية قد تضرّرت كثيراً بسب “الزمرة القمعية الفاسدة” وقوانينها الاشتراكية، والتطهير الممنهج الذي استهدف الضباط والعسكريين السوريين. لكن.. تلك البيانات لم تكن تعلن عن إنهاء الوحدة، بل على نقيض ذلك، كانت تكرّر تمجيد الوحدة العربية ومعانيها، بينما كان عبد الناصر يتحرّك وبشكل سرّي، ويرسل قوات مظلية مصرية إلى اللاذقية لتنفيذ إنزال عسكري للسيطرة على سوريا مجدداً.
كان الصباح في دمشق مختلفًا في ذلك اليوم، فالشعب الذي يعتبر نفسه مهد القومية العربية ومصدرها لا يعرف في هذه اللحظات ما الذي يتوجب عليه الشعور به، ولولا تصعيد عبد الناصر لربما كانت حركة الانفصال قد اكتفت بمطالب إصلاحية.
————-
يتبع: عودة البورجوازية السورية إلى الحكم والصراع الجديد
المدن
