قبل وصول خالد العظم إلى منصبه بوصفه آخر رئيس لحكومة سورية حرّة في عصر ما قبل البعث، صدر في عهد سلفه بشير العظمة، المرسوم التشريعي رقم 93، القاضي بإجراء إحصاء للسكان في محافظة الحسكة. ويتهم الأكراد هذا الإحصاء بأنه كان إحصاءً عنصرياً شوفينياً رجعياً، حرم نسبة منهم من الجنسية السورية، مع أنه صدر في عهد الرئيس ناظم القدسي المناهض للتوجه القومي العربي، وكذلك في عهد رئيس حكومته اليساري الكردي بشير العظمة. ونص المرسوم وقرار مجلس الوزراء رقم 106 المنعقد بتاريخ 23 آب/ أغسطس في العام 1962 على الآتي: يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية، وعند الانتهاء من عملية إحصاء السكان، تشكّل لجنة عليا بمرسوم جمهوري بناءً على اقتراح وزير الداخلية لدراسة نتائج الإحصاء، وتقرير تثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه، وإعداد التعليمات لذلك.
وقد أُجري ذلك الإحصاء في يوم الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، ونتج عنه تصنيف الأكراد المقيمين في محافظة الحسكة، فقط، إلى أكراد سوريين كاملي المواطنة، وأكراد مسجلين في القيود الرسمية على أنهم أجانب، وأكراد غير مقيدين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، وأطلق عليهم وقتها وصف مكتوم القيد، وهو مصطلح إداري سوري يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية، وهو يستعمل بحق أي مولود غير مثبت القيد مهما كان عرقه أو طائفته. وحتى هذه اللحظة ما زال الأكراد يشتكون من أن ذلك الإحصاء قام بتجريد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية، في حين يعود اعتبارُ من لا يحمل القيود منهم أجانبَ إلى كون العشائر الكردية قدمت من جنوب تركيا كما أوضحنا في جزء سابق من هذه السلسلة، بعد فشل ثورة الشيخ سعيد بيران ضد الأتراك والثورات التي تلتها، وأقامت في الجزيرة السورية بعد وصولها إليها على شكل موجات نزوح امتدت لسنوات.
من جانب آخر، يعدّ هذا الإحصاء خطوة كان يتوجب أن تليها خطوة مترافقة هي تحديث قانون الجنسية السورية، الذي يمكن بفعله منح من يرغب من هؤلاء، الأكراد وغير الأكراد، بالحصول عليها، إلا أن ذلك لم يحصل على الوجه الأمثل بفعل حالة الفوضى السياسية التي كانت سائدة آنذاك، ولم يوضع قانون للجنسية السورية سوى في العام 1969.
وعومل الفلسطينيون الذين لجأوا إلى سوريا ومن ولد لهم فيها، معاملة أشدّ قسوة من تلك التي لاقاها الأكراد، فلم يُمنحوا الجنسية السورية تنفيذاً لقرار جامعة الدول العربية رقم 914/د23 الصادر بتاريخ31 آذار/ مارس في العام 1955، الذي قضى بضرورة الاحتفاظ بالجنسية الفلسطينية مبدأً عاماً، لحماية حقّ العودة ومنع ذوبان الهُويّة الوطنية الفلسطينية. فأصدرت الحكومة السورية في العام 1956، القانون رقم 260 الذي منح الفلسطينيين الذين لجأوا إلى سوريا قبل تاريخ صدوره حقوقاً مدنية موسعة، كحقّ العمل في الوظائف العامة والتعليم والصحة، وحقّ الإقامة والتنقّل، وحقّ التعليم المجاني والرعاية الصحية. غير أن القانون ذاته حرمهم من حقّ التملّك المفتوح، وحصره بعقار واحد، ومنع الفلسطيني من التصرف بملكيته بإطلاق، إضافة إلى حرمان الفلسطينيين من الحقوق السياسية.
وللأسباب آنفة الذكر، كان الأكراد والفلسطينيون من أكثر الفئات الاجتماعية في الساحة السورية التي نقمت على عهد الانفصال؛ الأكراد بسبب شعورهم بالظلم والتمييز من إحصاء 1962، والفلسطينيون لأن عبد الناصر كان يقدّم نفسه وصياً على قضيتهم وداعماً لها، وكانوا يعتبرون أن العهد الانفصالي المعادي لعبد الناصر كان معادياً للوحدة العربية ولفلسطين.
يضاف إلى هؤلاء شريحة الطلاب، فلنا أن نتخيّل أن الحكومة السورية كلها، بسياسييها ووزاراتها وإعلامها وأجهزتها، كانت ضد عبد الناصر، في حين أنَّ المناهج الدراسية في كافة المراحل كانت تمجّد بعبد الناصر وتوجهاته، وغالبية الحياة الطلابية من الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية غزتها صور عبد الناصر وملصقاته، وحتى على شكل أيقونات كانت تُعلّق على صدور الطالبات، وكان إضراب المعلمين نتيجة طبيعية لهذا المناخ المشحون، في ظل ميول رشاد برمدا وزير التربية والتعليم الناصرية. وإذا أضفت الجيش وقطعاته والقادة العسكريين المتحدرين من الأرياف البعيدة عن العاصمة، والفلاحين الذين استفادوا من قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم، فستجد أن غالبية من الشعب السوري كانت تشعر باغتراب تام عن الطبقة السياسية التي تحكمها، وتحنّ إلى عهد الوحدة، بالرغم من كل ما عانته خلاله.
كل ذلك جعل الساحة النشطة في المحافظات السورية ساحة متهيجة قابلة للاشتعال والتمرّد في كل لحظة، فكانت الناصرية تحتلّ سوريا فعلياً من دون أن تتواجد قطعاتها العسكرية على أرضها. وإلى أن وصل الحكم إليه، كان خالد العظم يرى في عهد الانفصال عن الوحدة مع مصر، استقلالاً ثانياً لسوريا، واعتبر أن البعثيين منافقون، فقد أيدوه في التوجه نحو الانفصال، وشارك عنهم صلاح البيطار في إعداد بيانه وصياغته، ووقّع عليه، ثم انقلبوا على ذلك وأخذوا ينادون بالوحدة من جديد، واصفاً الشخصيات التي عملت تحت ضغطهم بأقذع الأوصاف، كما حين كتب يقول “لكن بشير العظمة وعزّت النص رجلان تافهان لا قيمة لهما ولا زعامة عند المواطنين، فهما والحالة هذه لا يشكلان خطراً على البيطار” من مذكرات خالد العظم – الجزء الثالث – الصفحة 206.
اتجه السياسيون السوريون التقليديون كخالد العظم وناظم القدسي وآخرين، نحو وضع ميثاق وطني ليسير عليه الجميع، وذهبوا لزيارة شكري القوتلي في منزله، ليجعلوه قائداً لهذا التحرّك الذي من شأنه أن يضع حداً لتحكّم الجيش بسوريا حينها، وطرحوا اسمه واسم سلطان باشا الأطرش ورشدي الكيخيا ليشكلوا هيئة قيادية للميثاق “تترأس العمل السياسي كما كانت تترأسه زمن الانتداب” على حد تعبير العظم. ومع أن القوتلي وافق بادئ ذي بدء، إلا أنه تراجع بعد أن وجد اسمه على السوية نفسها مع اسم الأطرش وغيره، عاد واعتذر متعللاً بوضعه الصحي وسفره القريب إلى سويسرا للتعافي.

التحرّك نفسه قام به الإخوان المسلمون، الذين وضعوا مذكرة وطافوا بها على المحافظات السورية لجمع التوقيعات، وقد وجهوها إلى رئيس الجمهورية لمطالبته بإعادة الحياة الدستورية إلى البلاد، وكانوا قد جمعوا قرابة 100 توقيع، بينها توقيعات عصام العطار وصبري العسلي ورشاد جبري وشيوخ العشائر العربية، وتشكّلت “اللجنة السباعية” وقتها، مكونة من “خالد العظم، معروف الدواليبي، عصام العطار، عمر عودة الخطيب، رشاد جبري وجلال السيد”، وانضم إليها لاحقاً ليون زمريا، وكان هدفها تمثيل هيئة نيابية عامة تعيد الحياة الدستورية إلى سوريا، وكانت على تنسيق مع أكرم الحوراني، بمواجهة رفض الحكومة. وقد اتفق الجميع على كتابة نص يؤكد ضرورة العودة إلى الحياة النيابية الدستورية، وفوضوا العظم بكتابته، وإصداره باسمه في حزيران/ يونيو في العام 1962.
حوارات تلك “اللجنة السباعية” والعمل التفاوضي الموسّع الذي قادته على مدار أربعة أشهر، كانت السبب وراء اختيار خالد العظم لتولي منصب رئيس الوزراء للمرة الخامسة في 17 من أيلـول/ سبتمبر من السنة نفسها.
الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية
قضى خالد العظم فترة توليه رئاسة الحكومة في تلك الأجواء بوصفه رجلَ دولة من طراز رفيع، فركّز على الإصلاحات الداخلية في البنى التحتية، والطرق والسكك الحديدية، وزيارة المحافظات السورية لمتابعة المشاريع ومقترحات غرف التجارة فيها، وأولى الاقتصاد والعملة ومناقشة القروض والعلاقة مع البنك الدولي عناية خاصة، وكان مدركاً لدور الولايات المتحدة في الضغط على حاكم مصرف سوريا كي يخفّض العملة السورية مقابل الدولار، لقاء الموافقة على زيادة الاقتراض من البنك الدولي. وحاولت واشنطن عبر سفيرها في دمشق آنذاك الحصول على موافقة السوريين على تعويض اللاجئين الفلسطينيين، بدلاً من الاعتراف بحقهم في العودة إلى أرضهم.
في 21 من كانون الأول/ ديسمبر في العام 1962 ألقى العظم خطاباً بثته إذاعة دمشق، أكّد فيه ضرورة ترافق الديموقراطية السياسية بديموقراطية اجتماعية، مرحباً بما سمّاه “قيام الأحزاب” من جديد، على ألا تكون بينها “حروب باردة أو حامية”، واعداً بطرح قانون انتخابي بأسرع وقت. كان رئيس الجمهورية وحكومته يصرون على إبقاء حال الطوارئ، حتى أن وزير الدفاع زهر الدين صرح بأنه لا يتحمل مسؤولية ما سيجري إذا ما أصرّ السياسيون على رفعها وإطلاق الحريات. وطالب الإخوان المسلمون برفع تلك الحال، وكان أبرز المعترضين معهم على استمرار حال الطوارئ هم الشيوعيون والاشتراكيون لأنهم كانوا يتعرضون للاعتقالات باستمرار. وقبل رفع حالة الطوارئ أضيفت مادة إليه تسمح بإلغاء تراخيص الصحف، استُخدمت ضد صحيفتي الوحدة والبعث.
في نهاية المطاف رُفعت حال الطوارئ، وفتح المجال أمام الحريات مطلع العام 1963. وخشي كثيرون أن يكون ذلك سبباً في فسح المجال أمام الناصريين والبعثيين، فما كان من رئيس الحكومة خالد العظم إلا أن قال “لا أريد ضرب ذبابة بمطرقة”، فازداد الغضب عليه لأنه استخفّ بحجم خصومه السياسيين حين وصفهم بالذباب.

بعد ذلك نكص القدسي ومعه قادة الجيش، وأرادوا إعادة العمل بقانون الطوارئ وتقييد حرية الصحافة، مقابل إصرار العظم على رفضه، وفي تلك اللحظة طُرحت فكرة سيدفع السوريون ثمنها غالياً بعدها، وهي تأسيس مساكن خاصة لمن تُفرض عليهم الإقامة الجبرية ويكون مقرّها تدمر، وهو المشروع الذي تحوّل في عهد البعث إلى سجن تدمر الرهيب للمعتقلين السياسيين. حتى أن ناظم القدسي صرخ ذات مرة بالعظم غاضباً، وقال له “عجيب تمسّكك بالديموقراطية والحريات”!.
الشهور الثلاثة الأولى من العام 1963 كانت فوضوية أمنياً، بما يكفي لجعلها بيئة مناسبة لانقلاب وشيك، اندلعت حوادث شغب في السويداء ودرعا، وهاجم المحتجون المراكز الأمنية، ومزّقوا العلم السوري وأهانوه، وأضرموا النيران في المباني الحكومية. وما يثير الاستغراب في تلك المرحلة هو تحالف نشأ بين الإخوان المسلمين والناصريين والبعثيين كان سببه فقط عداء الإخوان لليساريين من شيوعيين واشتراكيين. وعلى مستوى علاقات سوريا بمحيطها العربي، وفي موقف مشابه لموقفها اليوم، دعمت المملكة العربية السعودية حكومة الانفصال، وأرسل الأمير فيصل ولي العهد السعودي آنذاك، عرضاً بكفالة سعودية لتأمين قرض للسوريين من البنوك الأميركية بقيمة 14 مليون دولار، ولكن خطأ سياسياً فادحاً وقع آنذاك، بعد أن قامت ثورة اليمن ووقفت السعودية مع الإمام، في حين اتخذ السوريون قراراً بالاعتراف بحكومة السلال، وهكذا بردت العلاقات بين دمشق والرياض.
في 8 من شباط/ فبراير 1963 بدأ مسار جديد، حين أسقط البعثيون عبر تأثيرهم في الجيش في العراق، حُكم عبد الكريم قاسم، في ما سمّيت “ثورة 14 رمضان”، ليتسارع العد التنازلي لحصول التغيير الكبير في سوريا.
(*) يتبع: انقلاب البعث و”تحويل” سوريا
المدن
