أحمد سليم عوض: تصنيف العلوم والمعارف في التراث العربي الإسلامي

  • انفرد العلماء المسلمين بتقسيم خاص لعلومهم إذ سبقوا غيرهم من أصحاب التصانيف المعاصرة.
  • تصنيف جابر بن حيان هو أقدم تصنيف، أهمله المؤرخون، ورد في كتابَي «الحدود» و«إخراج ما في القوة إلى الفعل»، وهما ضمن المختارات من رسائل جابر بن حيان التي نشرها بول کراوس.
  • الكندي هو أول مصنف للعلوم عند العرب، وهو صاحب قسمة العلوم.
  • «فهرست» ابن النديم هو أول عمل ببليوغرافي كامل في اللغة العربية.

كان للعرب المسلمون دور حضاري في مجال تقسيم العلوم أو تصنيف العلوم والمعارف في الإسلام، لا شك في أن العلوم والمعارف في الإسلام هي التي دفعت علماء المسلمين إلى وضع النظريات والفلسفات نحو تقسيم العلوم، حيث عندما أرادوا تحديد فلسفة تقسيم العلوم رجعوا إلى فكر اليونان، واستفادوا من النظم اليونانية في مجال تقسيم العلوم، ولكن هناك إضافات أضافها العرب، وخاصة العلوم التي تتصل بالتراث الإسلامي كعلوم القرآن والحديث والفقه وعلم الكلام والتوحيد وعلوم اللغة والنحو والأدب.

ويراد بكلمة تصنيف – Classification معنيان: 

أولهما: أنه «العملية الذهنية التي يتم من خلالها إدراك التشابه أو الوحدة وهذا هو المعنى المنطقي.

وثانيهما: أنه «عملية ترتيب الأشياء الفعلية الواقعية بحيث تمثل الترتيب المجرد وهذا هو المعنى العملي. 

تفهم من ذلك أن نظام التصنيف الفلسفي عبارة عن تصور للمعرفة البشرية يوضع لشرح وتوضيح علاقات أجزاء المعرفة ببعضها، وهذا الفهم يصدق على المعنى الأول وهو المعنى المنطقي، أما الثاني فالمراد به ترتيب العلوم من حيث الخصوص والعموم وليس من شك في أن تصنيف العلوم يتصل اتصالًا وثيقًا بالمنهج العلمي، ذلك أن الغاية من تصنيف العلوم هي بيان حدودها والعلاقات القائمة بينها، وقد أوضح الفارابي 339هـ، هذا المعنى في مقدمة كتابه «إحصاء العلوم» وذلك في قوله: «قصدنا أن نحصى العلوم المشهورة علمًا علمًا، ونعرف جُل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء ما له من أجزاء، وجُل ما في كل واحد من أجزائه».

وأول نظام وصل إلينا هو ذلك الذي ينسب إلى أفلاطون فيما يقوله ريتشاد سون Richardson في كتابه عن التصنيف النظري والعملي إذ انفرد المسلمين بتقسيم خاص لعلومهم بحيث تستطيع أن تقرر أن علماء المسلمين سبقوا غيرهم من أصحاب التصانيف المعاصرة مثل: تصنيف ديوي العشري، وتصنيف مكتبة الكونجرس الأمريكي، وتصنيف بليس، وتصنيف كولون، التصنيف العشري العالمي، وسوف تلاحظ أن نظم تصنيف العلوم والمعارف في الإسلام كانت كذلك نظمًا فلسفية كما كانت أيضًا نظمًا ببليوجرافية عملية، كما كانت أيضًا نظمًا تربوية، ومن أهم نظم تصنيف العلوم والمعارف في الإسلام: تصنيف جابر بن حيان وهو أقدم تصنيف، أهمله المؤرخون، ذلك التصنيف الوارد في كتابي «الحدود» و«إخراج ما في القوة إلى الفعل» وهما ضمن المختارات من رسائل جابر بن حيان التي نشرها بول کراوس. أما الكندي فهو أول مصنف للعلوم عند العرب، وهو صاحب قسمة العلوم إلى قسمين: دينية وفلسفية أو دينية ودنيوية أو علوم إلهية وعلوم إنسانية، وهو ابتكار جديد له، دفعه إليه أن الاسلام جاء بعلوم لا غنى له عنها وجاء تصنيفه للعلوم تصنيفًا عمليًا جاء أثناء ترتيبه لكتب أرسطو في رسالته التي أسماها «كتب أرسطو طاليس وما يحتاج اليه في تحصيل الفلسفة، أما الفارابي فقد أجمع الباحثون على أن للفارابي كتابين هما إحصاء العلوم، والتنبيه على سبيل السعادة من بين كتبه الكثيرة، إذ نجد في كتابه الأول يقسمه إلى خمسة فصول تحتوي على عدة علوم هي: علم اللسان، وعلم المنطق، وعلم التعاليم، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي، والعلم المدني، وعلم الفقه وعلم الكلام، أما كتابه الثاني فقد قسم العلوم إلى قسمين كبيرين: قسم تحصل به معرفه الموجودات التي ليس للإنسان فعلها وهو العلوم النظرية وهي العلم الرياضي، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي أو علم ما بعد الطبيعة، وقسم تحصل به معرفه الأشياء التي شأنها أن تفعل، والقوة على فعل الجميل منها وهي العلوم العملية، والفلسفة المدنية وهي صنفان (الصناعة الخلقية أو علم الأخلاق) و(الفلسفة السياسية أو علم السياسة)، أما أخوان الصفا فقد ظهرت في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي جماعة سياسية دينية اتخذت البصرة مقرًا لها، وأطلقوا على أنفسهم أخوان الصفا، حيث قدمت سلسلة من الرسائل نحو ٥٢ رسالة رتبت ترتيبًا جامعًا لشتات العلوم، تماشيًا مع أغراضهم الجزء الأول من هذه الرسائل تحتوي على ١٤ رسالة تعالج مبادئ الرياضيات والمنطق، بينما يعالج الجزء الثاني الذي يحتوي على ١٧ رسالة في العلوم الطبيعية فتبحث فيما بعد الطبيعة، وتتناول الرسائل الأحد عشر الأخيرة التصوف والتنجيم والسحر، وهذا يمثل تقسيمًا، رباعيًا للعلوم، كما قدموا تقسيمًا آخر لثلاثيات في قولهم إن العلوم التي يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس، فمنها الرياضية، ومنها الشرعية الوضعية ومنها الفلسفة الحقيقية.

أما «فهرست» ابن النديم فهو أول عمل ببليوغرافي كامل في اللغة العربية، وعلى حد وصف الدكتور عبد الستار الحلوجي، أستاذ علم المكتبات في جامعة القاهرة في بحثه القيم عن كتاب فهرست ابن النديم «إنه إذا كانت الأعمال الببليوغرافية السابقة بمثابة الفصل التمهيدي لقصة الببليوغرافيا عند المسلمين، فإن فهرست ابن النديم كان بحثه هو الفصل الأول من فصول هذه القصة الطويلة التي امتدت وقائعها على مدى زمن يجاوز الألف عام». والآن يبقى لنا الحديث عن كتاب «الفهرست» ذاته الذي احتل هذه الشهرة الواسعة بين أوساط الباحثين والمهتمين بالتراث العربي. يبدأ الكتاب بمقدمة موجزة يحدد فيها المؤلف مجال بحثه، فيقول: «هذا فهرست جميع الأمم من العرب والعجم، الموجود منها بلغة العرب وقلمها في أصناف العلوم وأخبار مصنفيها وطبقات مؤلفيها وأنسابها وتاريخ مولدهم ومبلغ أعمارهم وأوقات وفاتهم وأماكن بلدانهم ومنافعهم ومثالبهم منذ ابتداء كل علم اخترع الى عصرنا هذا». وبعد تحديد الإطار العام للكتاب، يقدم ابن النديم قائمة محتويات من عشر مقالات تختص كل منها بموضوع معين، فهناك مقالة للنحويين واللغويين، وأخرى للشعر والشعراء، وثالثة للكلام والمتكلمين، ورابعة للفقهاء والمحدثين، وخامسة للفلسفة والعلوم وهكذا… تتفرع المقالات العشر الرئيسية بدورها إلى فنون يتفاوت عددها من مقالة إلى أخرى، وفي كل فن يذكر ابن النديم أصحاب المؤلفات فيه، وتحث كل مؤلف يكتب ما صنّفه من الكتب من دون أن يخضع المؤلفين أو المؤلفات لأي نوع من الترتيب هجائيًا كان أو زمنيًا، فكان المبدأ العام الذي يحكم هذا الترتيب هو الشهرة، فنراه يبدأ بالأشهر فالأقل شهرة. وتتجلى الرؤية الببليوغرافية عند ابن النديم في مظاهر عدة، منها حرصه على تحرير الكتب التي رآها بنفسه، والكتب التي سمع -أو قرأ- عنها. وكان ابن النديم يحدد أحجام الكتب التي رآها، مع إعطاء أوصافها وملامحها البارزة، ويضيف إليها أحيانًا تقويمًا موضوعيًا ويحدد أصيلها من منحولها. وفضلًا عن ذلك كان يستعمل ما يعرف الآن بالإحالات، فهو حين يذكر كتابًا أو شخصًا ما في موضعين من الكتاب، يشير في أحد الموضعين الى أن ذكره ورد في موضع سابق أو لاحق تجنبًا للحشو والتكرار. ورغم أن هذا الكتاب لم يصلنا كاملًا، فإنه يظل عملًا ببليوغرافيًا عملاقًا ورائدًا في تراثنا العربي، وحسبه أنه أول منارة تلقانا على طريق الأعمال الببليوغرافية في اللغة العربية، وأشمل وثيقة تبين لنا ما وصل إليه المسلمون في حياتهم العلمية في عصر من أزهى عصور حضارتهم، ولولاه لضاعت منا أسماء الكتب وأوصافها كما ضاعت الكتب نفسها.

أما الخوارزمي فإن كتابه مفاتيح العلوم يعتبر إضافة جديدة إلى التصنيفات التي عرضنا لها، فهو ميز بين العلوم العربية الصرفة والعلوم الأجنبية، إذ رتب مادته وفقًا لتصنيف مسبق للمعرفة البشرية، إذ جعل كتابه الذي لا يزيد عن خمسمئة صفحة على مقالتين: الأولى في العلوم الشرعية وما يقترن بها من العلوم العربية، والثانية في علوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم، الأولى في ستة أبواب وتحتوى على علوم الشريعة وما يتصل بها من العلوم العربية (الفقه والكلام والنحو والكتابة والشعر والقروض والأخبار)، والثانية في تسعة أبواب، وتتناول علوم العجم من اليونانيين وغيرهم من الأمم (الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والحيل والكيمياء) ويكون الخوارزمي بذلك أول من حاول التمييز بين علوم العرب وعلوم اليونان، كما أنه أول من أضاف من الفلاسفة العرب إلى تقسيم المعرفة علمي الطب والكيمياء، ولم يكن الخوارزمي يقصد بكتابه تقسيمًا للمعرفة، فهو كما يقول في مقدمته: «دعتني نفسي إلى تصنيف كتاب يكون جامعًا لمفاتيح العلوم وأوائل الصناعات، متضمنًا ما بين كل طبقة من العلماء من المواصفات والاصطلاحات التي خلت منها أو من جلها الكتب الحاضرة لعلم اللغة، حتى أن اللغوي المبرز في الأدب، إذا تأمل كتابًا من الكتب التي صنفت في أبواب العلم والحكمة، ولم يكن قد شد صورًا من الصناعة، لم يفهم شيئا منه وكان كالأمي الأعتم عند نظره فيه». فهو كتاب لغة في ألفاظ سائر العلوم كما يشاء به صاحبه، ولو أنه يكتب على ظاهر كتابه أنه مدخل للعلوم والفنون جامع لأوائلها ومصطلحاتها، ولكنه يعود فيستدرك قائلًا إنه شرح الأسماء والتعاريف للعلوم اللسانية، والصنائع اليدوية والمواصفات العامة… من أجل ذلك فنحن نعتبر الخوارزمي في كتابه مفاتيح العلوم صاحب فضل مضيفًا الجديد في مجال تقاسيم أو تصانيف العلوم والمعارف في الإسلام رغم أنه كتاب لغة شارحًا لألفاظها. أما ابن سينا فهو ممن تأثروا بنظرية الفارابي في تقسيمه لعلوم عصره في رسالته في أقسام العلوم العقلية «وهي أدخل في موضوعها من كتابه الشفاء» الذي جعله موسوعة تتناول العلوم جميعها وصنف ابن سينا في هذا العلم رسالة السالفة الذكر وذلك في قوله: «لطيفة عظيمة المنفع في هذا الباب»، حيث قسم العلوم إلى قسمين رئيسين نظرية وعملية: النظرية وتشمل المنطق والعلم الطبيعي والرياضي والأهلي والعلم الكلي، والعملية وتشمل علم الأخلاق وتدبير المنزل وتدبير المدنية. أما الغزالي فإنه يقسم العلوم إلى قسمين علم المكاشفة وعلم المعاملة (وهو يبحث في الأعمال أي فيما ينبغي على المرء أن يفعله ليكون سلوكه موافقًا لروح الشريعة، وقد ألف في ذلك كتابه (إحياء علم الدين)، وأما علم الكلام فقد حدده الغزالي تحديدًا دقيقًا وافيًا في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد. أما ابن الأكفاني فقد ذكر في رسالته: «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، طائفة كبيرة من العلوم، وأساس التصنيف عند الأكفاني، هو التصنيف إلى علوم آلية وغير آلية والعلوم الحكم آلية، فتصنيف الأكفاني للعلوم يمكن أن تعرفه من ثلاثة رؤوس الموضوعات هي القول في حصر العلوم أولًا، والعلوم الحكمية النظرية ثانيًا، الحكمية العملية ثالثًا. أما ابن خلدون فقد قدم في «مقدمته» المشهورة لكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فصلًا مستفيضًا في العلوم وأنواعها وسائر طرقها وأنحائها، فتكلم على طائفة كبيرة من علوم الحضارة في عهده، كعلوم القرآن والإلهيات والسحر والكلمات، وقد قام ابن خلدون بتصنيف العلوم المتداولة في عصره إلى علوم يهتدي إليها الإنسان بطبيعة فكره وهي العلوم الحكمية الفلسفية، وإلى علوم نقلية وضعية مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي والعلوم الأولى تشترك فيها كل الأمم، أما الثانية فهي مختصة بالملة الإسلامية وأهلها وإن شاركتها من بعيد أمم أخرى وفى أمور مجملة. أما طاش كبرى زاده (أحمد بن مصطفى) الشهير بطاش كبرى زاده في كتابه مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم من أكمل التصنيفات العربية فهو الذي جعل التصنيف علمًا مستقلًا، إذ يعرفه بقوله «هو علم بحث عن التدرج من أعم الموضوعات إلى أخصها ليحصل بذلك موضوع العلوم المتدرجة تحت ذلك الأعم، ويمكن التدرج فيه من الأخص إلى الأعم كذلك» ومعنى ذلك أن التعريف من المقدمات إلى النتائج، ومن العموميات إلى الخصوصيات ويقابله منهج آخر صاعد من أسفل إلى أعلى أي من الجزئيات إلى المبدأ أو القانون وهو المنهج الاستقرائي الذي أدركه كذلك طاش زاده، وهو أحدث مناهج التصنيف الحالية. 

إذن هما طريقتا التحليل والتركيب أو الاستنباط أو الاستقراء جمع بينهما طاش زاده في تصنيفه العلوم عصره، وللتعرف على منهج طاش زاده في التصنيف نضع أمامنا مقدمته في بيان حصر العلوم في الإجمال وقد جاء فيها «اعلم أن للأشياء وجودًا في أربع مراتب: في الكتابة والعبارة والأذهان والأعيان وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق» وقد قسم طاش زاده كتابه إلى سبع شعب وهو تقسيم العلوم عصره إذ يخبرنا في مقدمته إلى أنه لم يسجل في نظامه إلا العلوم التي كتبت عنها مؤلفات مستقلة وذلك في قوله: «هذه هي الأصول السبعة، ولكل منها أنواع، ولأنواعها فروع يبلغ الكل على ما اجتهدنا في الفحص».

المراجع:

  1. جلال محمد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب في مجال العلوم الطبيعية والكونية.
  2. الفارابي: إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين.
  3. خالد الحديدي: فلسفة علم تصنيف الكتب كمدخل الفلسفة للعلوم.
  4. جابر بن حيان: كتاب الحدود – مختارت بول كراوس.
  5. الكندي: الرسائل تحقيق الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده.
  6. صلاح الدين المنجد، معجم المخطوطات المطبوعة.
  7. عبد الستار الحلوجي مدخل لدراسة المراجع. 
  8. محمد فتحي عبد الهادي، دراسات في الضبط الببيلوجرافي. 
  9. حمد شوقي بنين، دراسات في علم المخطوطات والبحث الببليوغرافي
  10. ليلى عبد الواحد الفرحان، الببليوغرافيا وتطورها.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply