أحمد خضر أبو إسماعيل: النباتية.. سرد يتأرجح بين عوالم الخيال والواقع

لعله أقصر عنوان لنص روائي، ولا يقتصر قصر هذا الوسم على عدد الحروف وحسب بل إن مجازيته أيضاً محدودة، ومن المحال أن تبتعد بخيالك كثيراً خلف هكذا عنوان. إضافةً إلى أن الكاتبة “هان كانغ” أحرقت عليك متعة الاسترسال خلف العنوان منذ الجملة الأولى في هذا العمل، ولعلك بدأت تستقطب مقاربة فلسفية عندما لمع أمامك العنوان، ولكن الجملة الأولى صادمة: “لم أكن أرى شيئاً مميزاً في زوجتي قبل أن تصبح نباتية”.

عند هذه العبارة تنكشف أمامك بطلة السرد على لسان زوجها وتظن نفسك أدركت الحقيقة الكامنة وراء العنوان، ولكن هيهات فأنت لم تصب من الحقيقة مقدار ذرة، لأن النص ليس مكشوفاً بالقدر الذي ظننته بل هناك تحولات يمكن أن تسلب عقلك بالكامل، إلى درجة تصل فيها لأن تغلق الرواية وتعيد قراءتها أكثر من مرة حتى تستمع مع كل حبكة في مسالك هذا السرد الأسيوي.

*

تنقسم هذه الرحلة السردية إلى ثلاث محطات اختارت الكاتبة عناوينها بعناية شديدة، حتى أن كل عنوان يحيلك إلى شمولية تغطي الفصل كاملاً والانطلاقة الأولى جاءت تحت الوسم الرئيسي “النباتية”. تنطلق الأحداث على لسان زوج الشخصية البطلة، وهنا كان الخيار محكماً لأن الفرد في جميع المجتمعات لا يكون حقيقياً وعارياً من كل تكلف أو تصنع إلا أمام شريك حياته، لذا تبدأ التحولات بعلاقة “يونغ هيه” من اللحظة التي يراها فيها تتسمر ليلاً أمام باب الثلاجة لتلقي بكل ما تحتفظ به من لحوم ومنتجات حيوانية في القمامة، في هذا المنعطف تسترسل الكاتبة على لسان زوج “يونغ هيه” بوصف المتغيرات الجسمانية والنفسية والاجتماعية التي طرأت على شخصية سردها الرئيسية، وتنقلك إلى عالم تجهله كقارئ عربي من حيث العادات الاجتماعية والأعراف في المجتمع الكوري، وتبين لك أن الفرد هناك لا يعيش إلا تحت أعين الرقباء ولا يستطيع أن يكون حراً إلا إذا اختار عزلة عن مجتمعه، فالفرد خاضع لسلطة مجتمع لا ترحم أي تغير مهما كانت مبرراته، ومن هنا نرى أن “يونغ هيه” بدأت باختيار زاويا مظلمة لنفسها في محاولة للانسلاخ عن هذه الروابط المجتمعية التي باتت تخنقها، يحيلك هذا الفصل إلى لفتة ميثيولوجية تعد المحرك الأول للحدث، فخيار “يونغ هيه” في التحول إلى امرأة نباتية يرجع إلى حلم دموي كانت قد وصفت الكاتبة أدق تفاصيله لدرجة يمكننا أن نقول أنها قادرة أن تؤثر فيك كقارئ في اتخاذ القرار نفسه والتحول إلى شخص نباتي.

ناهيك عن سلطة المجتمع تدخل الروائية إلى عمق الأسرة الكورية ونلحظ مقدار ترابط العلاقات الأسرية، وينتج عن هذا الترابط تحكم مبني على سلطة أبوية لا يمكن رفض أحكامها مهما بلغ منك التمرد، ويتوقف الفصل عند إسعاف “يونغ هيه” إلى المشفى بعد محاولة فاشلة لإطعامها اللحم عنوة بعد التحولات الجسمانية المرضية التي طرأت عليها.

*

“البقعة المنغولية”؛ ذهب خيار الكاتبة إلى عمق جسدي في تفاصيل “هونغ هيه” في الفصل الثاني لتحيلنا إلى أن البطلة تعاني من فصام معين، ليس “متلازمة داون” كما أفرز العنوان، ولكن ما ورد عن البقعة والوصف المنغولي الذي لحق بها لا يرقى إلا ليكون قرينة دالة على تحول نفسي في الشخصية، من خلال علامة مادية وهي تلك البقعة التي تستوطن مكاناً في جسد “يونغ هيه”. يتابع السرد دورانه في الفصل الثاني لنتحول إلى زوج أخت البطلة الشخصية المركبة التي أضفت على النص عمقاً آخر بالدرجة الأولى هو تتمة لمسألة “الترابط الأسري” الذي سبق وأشرنا إليه في الفصل الأول، فزوج الأخت هنا يرقى ليكون أخاً حقيقياً لأخت زوجه مما فرض عليه مسؤولية تجاهها، أما تعقيد الشخصية فكان بغريزة الصهر كوصف اجتماعي وميله الجنسي نحو شقيقة زوجته، في إطار أنه مصور مهووس بالكاميرا واللون حاول أن يصنع من جسد “يونغ هيه” لوحة فنية قوامها تلك البقعة المنغولية التي شده لونها، وهنا نلاحظ ما نسميه الترابط الحدثي فالخيار أيضاً كان موفقاً من الكاتبة لترسم لنا انحرافات اجتماعية سرية في زوايا المجتمع الكوري المظلمة، وتحولنا إلى أن غريزة البشر حول العالم تتفق على الاستغلال. فبعد طلاق “يونغ هيه” ودخولها في حالة نفسية صعبة الفهم ومعقدة في أدق تفاصيلها، بدأ الصهر يبحث عن رأس خيط يوصله إلى مبتغاه. وفعلاً ينجح في ذلك ويقع النص في محظورات اجتماعية وكوارث خفية، عادة ما يسعى كل مجتمع حول العالم لطمس معالمها.

*

“لهيب الأشجار” عنوان الفصل الذي يعتبر انفراجاً لعقدة النص، والسرد هنا يكون على لسان شقيقة “يونغ هيه” التي كشفت علاقة زوجها وأختها، وطبعاً بحكم أن الشخصية الرئيسية تعاني من حالة مرضية وقع اللوم على الزوج الذي اعتبرته هو الآخر منحرفاً جنسياً وطلبت من قوات الحماية المدنية وضعه في مشفى للأمراض النفسية، برفقة أختها أيضاً. نلاحظ أن الزوج يجد سبيلاً للخروج، وهنا تصيد لتراخي القانون أمام هكذا حالات على اعتبار أن الطرف الآخر من العلاقة ليس سوياً بما يكفي ليدافع عن نفسه. أما ما يعد تفجر النص فهو رغبة “يونغ هيه” التي لم تكن التحول إلى شخصية نباتية كما بدأت معالم النص توحي للقارئ، بل كانت رغبتها أعمق من ذلك وهو التحول إلى نبتة حقيقية، بل وأكثر من ذلك تستطيع الروائية أن تقودنا إلى أعماق النفس الإنسانية ورغباتها الدفينة منذ الطفولة لتحيلنا إلى واقع أنثوي قاسٍ منتهك جملة وتفصيلاً من قبل استبداد ذكوري خطير، فهذه الحالة النفسية التي وصلت إليها الشخصية البطلة جعلت منها بطلاً خارقاً استطاع أن يهرب خارج أسوار المشفى ليستقر على سفح جبل، ظناً منه أن هذه الأرض ليست إلا مكانه الطبيعي، مخيال الكاتبة قدم لنا حالة مرضية يمكن أن تكون موجودة في قوائم الأمراض العصبية فالنفس الإنسانية خلاقة ومعقدة، ورغبة “يونغ هيه” في التحول إلى شجرة من الصعب تفسيرها علمياً، ولكن دوافع هذه الأنثى لتدفن نفسها حية ليس إلا صرخة أنثوية في وجه جلاد ذكر يستمتع بتعنيف الإناث، وفي محاولة لتفسير ما جرى تعيدنا الكاتبة إلى طفولة “يونغ هيه” وتضعنا أمام التعنيف الأسري الذي تعرضت له، وتمنحنا تعريفاً لسلطة الأب الذي كان يفرغ شحنته السلبية ببناته، وليست “يونغ هيه” إلا ضحية لأسرة يحكمها هذا الوالد القاسي الذي كان مقاتلاً في تاريخ ما في “حرب فيتنام”.

*

طبعاً نستطيع أن نقول أن فجوة سحيقة بيننا وبين نصوص الشرق الآسيوي ولعلنا لم ننجح في أن نقتنص الكثير من نصوصهم بحكم جدار اللغة العازل، ولكن في مقاربة اجتماعية نجد الكثير من الروح التي تشبهنا في هذه المعالجة الاجتماعية، وليست “يونغ هيه” التي أرادت أن تكون شجرة إلا محتجة على واقع يجب التخلص منه، سواء كان هناك في شرق آسيا أو في جغرافيتنا التعيسة من المحيط إلى الخليج. وتجدر الإشارة إلى نقاط عدة أكسبت هذا النص رونقاً جميلاً بالدرجة الأولى: الترجمة الاحترافية التي نقلتنا إلى الحدث بكل أبعاده وهنا يرجع الفضل إلى المترجم محمود عبد الغفار الذي وضع لنا ملاحظات قيمة سهلت فهمنا للنص من زوايا عدة، أما ثانياً هذا العمل حائز على جائزة البوكر الدولية للرواية عام 2016 وهذا ما أكسبه شهرة أوصلته إلى مرافئنا العربية، وأخيراً يجمع هذا النص بين خيال علمي ملهم وواقع اجتماعي كاسر مما جعله لوحة فنية تستحق القراءة عن جدارة واستحقاق. 

مجلة أوراق/25

Share:

You Might Also Like